فوجئت الحكومة السودانية فى الأسبوع قبل الماضى بثلاث ضربات دبلوماسية موجعة، وسبب المفاجأة أن الضربات نزلت عليها من جهات غير متوقعة وفى زمن كانت أكثر ما تكون تعاونا مع تلك الجهات. جاءت الضربة الأولى من الاتحاد الاوروبي الذى تقدم بمشروع قرار يدين انتهاكات حقوق الانسان فى السودان فى اجتماعات لجنة حقوق الانسان فى جنيف، ولم تكن الادانة شيئا جديدا على الحكومة السودانية فقد ظلت تتلقاها من اللجنة الدولية بصورة راتبة على مدى عمرها فى الحكم وبصياغة أمريكية مغلظة. وبالمقارنة جاءت صياغة القرار الحالى مخففة شيئا ما فقد حمد للحكومة تعاونها مع المقرر الخاص بمتابعة حقوق الانسان فى السودان أثناء زيارته الأخيرة للبلاد وأثنى على الاتفاقيات التى عقدتها الحكومة لوقف اطلاق النار فى جبال النوبة وحماية المدنيين، ولكنه انتقد فى ذات الوقت قصف الحكومة لأحد مراكز الاغاثة الانسانية وفرض الحكومة قيودا على حريات الدين وتكوين الجمعيات والنقابات والتعبير والاجتماع، واعتقال السياسيين والصحافيين والمدافعين عن حقوق الانسان ومنع المعارضين لها من السفر خارج البلاد. وفاز القرار بصوت واحد اذ نال 25 صوتا مقابل 24 ضده، فهو بالمقارنة أحسن من كل القرارات السابقة ضد السودان، ولكن الذى أغضب الحكومة أن مشروع القرار جاء من الاتحاد الاوروبي الذى دخلت معه فى حوار مكثف حول قضايا السلام وحقوق الانسان لمدة ثلاث سنوات أو تزيد وظنت أنها قدمت ما فيه الكفاية لإرضاء سفراء الاتحاد الاوروبي بالخرطوم . وجاءت الضربة الثانية من اوغندا التى شذت عن سائر الدول الافريقية بالتصويت مع القرار الاوروبي وكان صوتها هو المرجح بفوز القرار، وقد قبلت الحكومة فى الآونة الأخيرة بتطبيع علاقتها الدبلوماسية باوغندا رغم ايوائها ودعمها المستمر لمعسكرات حركة التمرد، بل وسمحت الحكومة للجيش الاوغندي أن يتوغل فى الأراضى السودانية لمهاجمة جيش الرب المعارض لحكومة الرئيس موسيفينى دون أن تطالب بمعاملة مماثلة فى تعقب حركة التمرد السودانية. واستفسرت الحكومة اوغندا عن سر تصويتها المعادى رغم تحسن العلاقات بينهما، وجاء التفسير أكثر احراجا من التصويت اذ قالت اوغندا انها تقدر علاقتها الطيبة الجديدة مع السودان الا أنها تفرق بين تلك العلاقة وبين التعاون مع المجتمع الدولى فى ادانة انتهاكات حقوق الانسان . وكأن اوغندا ـ ما شاء الله ـ بريئة من انتهاكات حقوق الانسان وهى التى لاتسمح بأدنى قدر من التعددية السياسية! وكانت الضربة الثالثة من أمريكا التى أجاز مجلس شيوخها باجماع قرارا يمنع رعايا سبع دول من دخول الولايات المتحدة الا بقصد الهجرة الدائمة وكان السودان أحد تلك الدول. وظنت حكومة السودان أنها قطعت شوطا مقدرا فى تحسين علاقتها بأمريكا فهى قد تعاونت الى أقصى حد مع الحرب الأمريكية ضد «الارهاب» واطلعت رجالات الاستخبارات الأمريكية على كل ما لديها من معلومات عن العناصر «الارهابية» بما فى ذلك حسابات البنوك السرية، وقبلت الحكومة اعطاء دور كبير للولايات المتحدة فى حل مشكلة جنوب السودان ورضخت للشروط الأمريكية فى عقد اتفاقية وقف اطلاق النار بجبال النوبة. ولا أحسب أن الحكومة ستفعل شيئا ضد الاتحاد الاوروبي ولا ضد أمريكا بالطبع، وستقبل تلك الضربات الموجعة بروح رياضية عالية لأنها تخشى من رد فعل يجلب عليها المزيد من الضربات! ولكن متى تسأل الحكومة السودانية نفسها: لماذا تجترئ عليها حكومات ضعيفة مثل اريتيريا واوغندا؟ ولماذا تصر دول كبيرة على كشف عورات الحكومة السودانية فى حين أنها تغض الطرف عن سوءات أكثر قبحا من بلاد أخرى؟ سيقول بعض من تبقى من الواهمين لأنها حكومة اسلامية لذلك تنصب عليها ضغوط التحالف اليهودى النصرانى من شتى أنحاء العالم. ولا يسأل أمثال هؤلاء: لماذا اذن تنتهك الحكومة حقوقا أقرها الاسلام؟ ولماذا تحاول ارضاء الأجنبى المعادى على حساب أهل الملة بالداخل؟ ولقد وجد قرار لجنة حقوق الانسان من كافة القوى السياسية المعارضة تأييدا واسعا لأنها تعانى من تلك الانتهاكات التى حجرت عليها حرية العمل السياسى الطليق، وذهبت مفاوضاتها مع الحكومة حول قضايا الحرية أدراج الرياح. ان سر الاجتراء على الحكومة السودانية من دول ضعيفة أو كبيرة سببه الرئيسى هو ضعف الحكومة أمام كل خصومها أو المتربصين بها من الخارج لأنها لا تملك الشرعية السياسية التى تجعل جبهتها الداخلية موحدة فى وجه الهجوم الخارجى، وهى لا تملك الثراء العريض الذى يمكنها من رشوة كل من يريد التجرؤ عليها، وهى ليست تابعة لدولة كبرى حتى تجد عندها الحماية، وهى ليست فائقة القوة العسكرية حتى تردع كل من تسول له نفسه الاعتداء عليها. ليس أمام الحكومة من مخرج سوى التصالح مع شعبها واكتساب ثقته بسياسة تقوم على العدل والحرية والمساواة.