تركيا وايران.. دولتان تثيران جدلا وعلامتي استفهام عند تناول قضايا الأمن القومي العربي، الأولى لما لها على المستوى الرسمي من علاقات وثيقة باسرائيل، ومحاولات دؤوبة للانتماء لعالم الغرب أو القارة الأوروبية، فضلا عن أزمة الهوية التي تعيشها بين العالم الذي تريد أن تنتمي اليه والعالم الذي تستمد منه تراثها الحضاري الشرقي والاسلامي، والثانية ـ وهي ايران ـ التي ينظر اليها بعض المفكرين المصريين باعتبارها تشكل مع العراق عمقا استراتيجيا للأمن القومي العربي، فضلا عن كونها ـ الآن ـ دولة ايديولوجية كما كانت مصر في الستينيات، الأمر الذي حدا بالزعيم جمال عبدالناصر لأن يعلن أن مصدق كان ملهما له في تأميم البترول. كما أن عبدالناصر نفسه مارس دورا في تسليح المقاومة الايرانية ضد حكم الشاه ويؤكد ذلك المفكر المصري الدكتور حسن حنفي، ويدعو الى توسيع مفهوم القومية العربية بحيث يشمل تركيا وايران، ويتحدث دائما عن أن الثورة العربية كانت دوما ابنة للثورة الاسلامية، ويشير الى فلسفة ثورة عبدالناصر التي حدد فيها الدوائر العربية والافريقية والاسلامية لثورة يوليو المجيدة. وفي تفاصيل الحديث عن الدولتين ومكانهما في الفكر والادراك السياسي المصري قدمت الدكتورة باكينام الشرقاوي والدكتور محمد سعيد ادريس بحثان مهمان الى مؤتمر الفكر السياسي المصري الذي أقيم في مركز الدراسات والبحوث السياسية بجامعة القاهرة. في بداية البحث تقول الدكتورة باكينام أن تركيا أثارت على مستوى نموذجها السياسي الداخلي وعلاقاتها الخارجية جدلا واسعا في الفكر السياسي المصري امتد منذ أكثر من قرن كامل، عندما أثيرت في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين مسألة الموقف من الدولة العثمانية، ومثلت مرحلة مفترق الطرق التي كانت تمر بها المنطقة العربية والاسلامية في تلك الآونة. وتقول: إن هناك احساساً عاماً لدى الفكر السياسي المصري بالتشابه والتقارب بين مصر وتركيا فالدولتان متشابهتان ومتقاربتان في العديد من الخصائص والقدرات، من حيث حجم السكان والمساحة والقدرات الاقتصادية، بالاضافة الى التداخل الديمغرافي بين المصريين والأتراك فهناك مصريون من أصل تركي والعكس، وأجمع المحللون المصريون على أن العلاقة مع تركيا علاقة لا فكاك منها، فرضتها حقائق الجغرافيا والتاريخ، فخلقت علاقة عضوية جيوبوليتيكية بينهما والدليل على ذلك فشل محاولات تركيا عقب قيام الجمهورية فيها للابتعاد عن العرب، فتركيا شاءت أم أبت جزء من عالم الشرق الأوسط الذي يشكل العرب مساحته الكبرى، بل أن الغرب بعد سنوات من إعطاء تركيا ظهرها للعرب ما زال يضعها في نفس السلة التي يضع فيها العرب. وانعكس ذلك بوضوح في كافة مشاريع الأحلاف الغربية التي وضعت ايران وتركيا مع الدول العربية مثل حلف بغداد ومشروع ايزنهاور، كما جاءت قضية المياه لتفرض نفسها كحقيقة جغرافية على العلاقات التركية مع العرب وبعد أن كانت عامل ربط حيث تنحدر روافد أنهار عربية من الأراضي التركية، أصبحت المياه الآن قضية شائكة بعد نظر تركيا اليها كسلعة يمكن بيعها والتحكم فيها، وأخيرا ظهور الاسلام الذي أعطى قدرا كبيرا من التمازج البشري بين العرب والأتراك لا يمكن فصمه، وتشير الباحثة الى أن المشهد التركي يستدعي من الفكر السياسي المصري درجة عالية من اليقظة، والانتباه، وأن هذا المشهد بوضعه الراهن يثير حالة من حالات التأمل والحذر من أجل فهم تناقضاته التي ربما تصل به الى درجة من درجات الصراع داخل تركيا بالأساس وينعكس على العالم العربي ومصر بالضرورة، وأن الحذر يأتي تجنبا لقطيعة أو عداء مع دولة لها حضور استراتيجي وثقل اقليمي، ولا تستطيع الأمة العربية تحمل تبعات إهمالها أو تأجيل محاولة فهمها خاصة في ظل النظام الدولي والاقليمي الراهن. أزمة هوية وتتحدث الباحثة بعد ذلك عن أهم التناقضات في تركيا، فتركيا ـ كما تدرك جميع التيارات السياسية المصرية ـ تعيش دائما في حالة أزمة هوية منذ نهاية القرن الثامن عشر، عندما انشغل العقل المصري والعربي بهاجسين رئيسيين هما: لماذا التخلف، وما السبيل الى النهضة؟ حينها قدمت التجربة التركية خلال حركة كمال أتاتورك نموذجا لامتزاج عدة عوامل مجتمعة تتصارع وتتفاعل لتترك جدلا محتدما داخل الفكر السياسي المصري، فهي ماض امبراطوري تقليدي، وتوجهات عصرية، ونزاعات عسكرية، وتطلعات ليبرالية، وخبرة تعددية، وهواجس انقلابية، وتقسم الباحثة كل هذا الجدل الى ما يرتبط منه بالخارج، وتعني به اشكالية العلاقة التركية مع الغرب والتي تتأثر بها المواقف التركية سواء دولية أو اقليمية، وتلقي بظلالها على قضايا الداخل التركي مثل العلاقة مع اسرائيل، وما يرتبط من هذا الجدل بالداخل التركي فهو يدور في فلك ثنائية واضحة ما بين العلمانية والاسلام والديمقراطية والعسكرة، وجميع هذه المشاكل يراها الفكر المصري تصب في أزمة رئيسية أساسية وحاكمة لتوجهات تركية، وهي أزمة الهوية التي مثلت مدخلا أوليا عند تناول هذا الفكر لتركيا. وتلاحظ الباحثة الى أن نشأة الحركة العربية من الناحية السياسية قد أسقطت الاتصال بين العرب والسلطة العثمانية سياسيا، وكانت بداية تكوين هوية سياسية عربية مستقلة، ومع سقوط الخلافة على يد أتاتورك عام 1924، تأكد هذا الاحساس السياسي العربي بأن العرب أمة مستقلة بذاتها عن العنصر العثماني، وأصبح المفكر أو السياسي الذي يتمسك بالخلافة العثمانية مضادا لحركة العروبة التي كانت بداياتها الأولى متمثلة في مشروع محمد علي في صراعه مع العثمانيين وهو الذي أطلق العامل القومي من عقاله في العصر الحديث بغض النظر عن صدق ودافع هذا الصراع، وكيف ترددت الفكرة القومية بعد ذلك في أوساط قادة الثورة العرابية. وفي فهمنا لقضايا الداخل والخارج التركي ترى الباحثة أن هناك شبه اجماع بين المفكرين المصريين على توافر أزمة هوية في تركيا، بمعنى أن تركيا تنتمي في آن واحد لعالمين مختلفين، الغرب والحضارة الأوروبية، ثم القارة الآسيوية والتراث الاسلامي، وتظل المعضلة الحقيقية أمام النظم الحاكمة في تركيا هي كيفية التوفيق ما بين متطلبات الانتماء لكل من العالمين، كما تعيش تركيا المعاصرة ـ من ناحية أخرى ـ جدلية القوى والضعف معا فهي تمتلك الموقع الخطير والقدرات العسكرية والبشرية، وتعيش في نفس الوقت علاقات التبعية السياسية لحلف الأطلنطي، والالحاق القسري بتراث حضاري أوروبي استهلاكي. ولا يفوت الباحثة في صدد تناولها لقضايا الداخل والخارج كما يجمع عليها المفكرون المصريون أن تشير الى أن الفكر المصري لم ينس لتركيا أنها كانت أول أمة اسلامية تعترف باسرائيل عام 1949 وتبادلت معها السفراء عام 1952، وأن التغير لم يطرأ على الموقف الرسمي التركي تجاه الصراع العربي الاسرائيلي واعلانه تأييده للموقف العربي ومطالبته بالانسحاب الاسرائيلي من الأراضي المحتلة منذ 1967 ولكن مع عدم قطع العلاقات مع اسرائيل، كما تسود القناعة بين الكتاب المصريين بأن الرأي العام التركي لديه كراهية ورفض لاسرائيل وأن موقف الجيش التركي يتناقض مع الموقف الشعبي، كما امتد التعاون مع اسرائيل الى رجال اقتصاد اسلاميين، وأن حرب الخليج الثانية وبداية عملية السلام بين العرب واسرائيل عام 1991 قد ساهما في تعجيل تركيا بتغيير موقفها المؤيد للعرب، والاتجاه صوب اسرائيل، ولم تعد أكثر حذرا تجاه قضايا العرب. الرؤية المصرية الرسمية لتركيا ولا يفوت الباحثة الاشارة الى الرؤية السياسية المصرية تجاه تركيا، وكيف أن مصر الرسمية يزداد شعورها بدول الجوار عندما تكون مصر قوية، ولديها رسالة تريد نشرها، وتشعر أنها مركز وحولها الأطراف، وهكذا منذ رمسيس وأحمس وحتى محمد علي وعبدالناصر وأن عبدالناصر كان مدركا للحيوية الاستراتيجية الجغرافية والبشرية لتركيا بالنسبة للعرب، ووصفها بالشقيقة ومع ذلك ساد نوع من الفتور للعلاقات المصرية التركية خلافا للوضع مع ايران مصدق، حيث سادت نظرة الى تركيا باعتبارها تناوئ أهداف الثورة، فضلا عن الموقف المصري من القضية القبرصية الذي مثل حجر عثرة في التواصل التركي المصري، وقطعت العلاقات المصرية التركية في الفترة من 1961 الى 1963 بسبب اعتراف تركيا بالنظام الانفصالي السوري، الى أن ظهر تعاطف تركيا مع مصر والعرب في أعقاب 1967، ثم تقارب تركيا مع اسرائيل بعد حرب الخليج، الى أن وصلت الرؤية المصرية الرسمية حاليا الى ضرورة تطوير العلاقات مع تركيا دون ربط ذلك بالعلاقات مع اسرائيل. وكثيرا ما تتعامل مصر الآن مع تركيا بشكل ثنائي وليس بمنظور اقليمي كقائد للعالم العربي، ويساعد على هذه الرؤية براعة وقدرة السياسة التركية في تحييد علاقاتها الاقتصادية بالبلدان العربية عن الصراعات والخلافات السياسية بين هذه الدول، أو بين العرب واسرائيل، أو ايران، وتدعو الباحثة الى توافر الارادة السياسية المصرية والعربية لممارسة التأثير الاقتصادي على تركيا وهو ما لم يتم اثباته حتى الآن، وأنه ليس من صالح مصر أن تجعل الأولوية في تعزيز روابطها الاقتصادية مع تركيا للتعاون السياسي والأمني بالنظر الى أن صيغة هذا التعاون من وجهة نظر تركيا تتوافق مع التحالف التركي الاسرائيلي ومع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وظهرت العديد من القضايا الخلافية ربما أكثر من القضايا المتفق عليها، ولكن ذلك لم يمنع صانع القرار المصري من تجاوز الخلافات والحفاظ على حد أدنى من العلاقات القوية مع تركيا، والابقاء على قنوات اتصال مفتوحة دائما مع تركيا. والدولة الثانية التي تثير جدلا وعلامة استفهام عند تناول قضايا الأمن القومي العربي، وكيف ينظر المفكرون المصريون لها هي ايران، وفي دراسته التي قدمها الباحث الدكتور محمد السعيد ادريس الى المؤتمر. يقول الدكتور ادريس أن هناك مجموعة من عناصر الادراك المصري لايران خلقتها تطورات ومحددات سابقة مثل خصوصية النظام الدولي، وتأثير الدول الحليفة وطبيعة مصالحها في المنطقة والايديولوجية الوطنية الحاكمة في مصر وايران، وادراك الدور الاقليمي وحدود هذا الدور في الدولتين، هذه المحددات كونت عناصر الادراك المصري لايران فتشكلت رؤية مصرية قابلة للتطور، ومقترنة بما يحدث من تغيرات وتطورات في المحددات السابقة. وقسم الباحث عناصر الادراك هذه الى أولا: المجتمع والدولة والدور الاقليمي لايران، وأن الادراك المصري لهذا المجتمع الايراني ارتبط بالتطورات السياسية الرسمية بين البلدين فالوضع السياسي بين البلدين ظل هو المتغير الأصيل فقيام الثورة الايرانية أعقبه انقطاع العلاقات بين مصر وايران بعد توقيع مصر لمعاهدة السلام مع اسرائيل، وخضع الادراك المصري لايران لعملية تشويه اعلامي استمر حتى اغتيال السادات، ثم تواصل بسبب اتهام مصر لايران بدعم منظمات ارهابية دبرت الاغتيال ثم تغيرت الأوضاع في ايران بعد وفاة الخوميني وتوقف ما سمي بسياسة تصدير الثورة والموقف الايراني المتوازن من حرب الخليج الثانية فحدث تحول في الادراك المصري من ايران، ونتج عن هذا وضع أسس لأدبيات سياسية مصرية جديدة عن النظام السياسي الايراني، والديمقراطية والانتخابات في ايران، والدور الاقليمي لايران وهي عناصر الادراك المصري لايران، وفي النظام السياسي الايراني كما يراه الباحث في الادراك المصري يقول: إن الصراع في ايران يدور بين جناحين داخل مشروع الثورة الاسلامية وليس بين جناح مع الثورة وآخر ضدها. وفي تناوله للديمقراطية والانتخابات في ايران يقول: أن التجربة الديمقراطية الايرانية لفتت الأنظار اليها بسبب اقترانها بالتجربة الاسلامية في الحكم وما تلاها من انتخابات محلية وأخيرا انتخابات رئاسة الجمهورية، وأن نزاهة الانتخابات هي أهم معالم هذه التجربة، فقد أثبت النظام الايراني أنه يمكن أن تجري في ظله انتخابات نظيفة تتسم بقدر عال من الحرية لا توجد في أي دولة عربية. وفي تناول الدكتور ادريس للدور الاقليمي لايران في الادراك المصري يقول: أن مصر كانت تطرح تصورا عربيا لأمن الخليج عندما كانت علاقاتها متوترة مع ايران، وبعد تحسن العلاقات مع ايران في السنوات العشر الأخيرة، والتطورات الايجابية الداخلية في ايران، ودعم نضال المقاومة اللبنانية، بدأت الرؤية المصرية الرسمية وغير الرسمية عن ايران تتقارب وينظر لايران كقوة اقليمية وامكانية أن تكون سندا للعرب في صراعهم التاريخي مع العدو الصهيوني، وكيف يجب أن تكون العلاقة بين مصر وايران علاقة تكاملية وليست تنافسية. معوقات تطوير العلاقات يقول الدكتور ادريس أنه رغم وجود درجة عالية من التوافق والانسجام بين الرؤية الرسمية للمعوقات ورؤية النخب لهذه المعوقات إلا أنه يمكن تحديد بعض التمايز بين هاتين الرؤيتين والادراكين، وفي هذا يحدد رؤية الرئيس مبارك لتطوير العلاقات في رفض مصر لأي تدخل في شئونها الداخلية، والموقف الايراني ضد كامب ديفيد ومسيرة السلام، واحتلال ايران للجزر الاماراتية، وأخيرا نزع ايران للهيمنة والسيطرة، بينما اهتم مستشار الرئيس الدكتور اسامة الباز بالتأثيرات السلبية لقضية جزر الامارات على العلاقات المصرية الايرانية، بينما كان وزير الخارجية السابق عمرو موسى حريصا على التركيز على الطموح الى تطوير العلاقات مع ايران، وأكثر ميلا للتقليل من أولوية العقبات، بينما تتوافق رؤية النخب المصرية مع الرؤية المصرية للعقبات والعراقيل لكنها لا تركز على مسألة تهديد ايران للأمن الداخلي لمصر، وتتوفق مع مسألة احتلال ايران جزر الامارات لكنها تعطي أولوية للخلافات بين الرؤى المصرية والايرانية بشأن أمن الخليج. ويضيف الدكتور ادريس أن مستقبل العلاقات بين مصر وايران يتوقف على موقف المؤسسات الرسمية الحاكمة في البلدين، أما النخب فلا يبقى أمامها غير البحث في الفرص الممكنة لتطوير علاقات تعاونية تتوافق مع حجم ونوعية التحديات التي تواجههما معا، وتواجه المنطقة ككل، فالقضية أي قضية المستقبل هي أولا وأخيرا قرار سياسي، وتظل رؤية النخب المصرية تؤكد أن مصر وايران في مقدورهما جعل العولمة وحوار الحضارات وسيلتين للتعاون الثنائي على مستوى التفاعلات الدولية والثنائية والاقليمية، كما أن هناك امكانية للنهوض بالعلاقات الاقليمية بمشاركة مصرية وايرانية فعالة لدعم نضال الشعب الفلسطيني وللتوصل الى نظام أمني اقليمي في الخليج تلعب فيه ايران دورا مميزا ضمن اطار ربط هذا النظام بالأمن القومي العربي. ويخوض الباحث في هذا كله، وفي حديث المعوقات الاشارة الى أن ايران دولة ايديولوجية كما كانت مصر في الستينيات وأن الخلاف المصري الايراني حول قضية الصراع مع اسرائيل خلاف أصيل، وأن هناك غياباً واضحاً لمفهوم الأمن القومي العربي في مصر، وأن العلاقات الخاصة التي تربط مصر بالولايات المتحدة تظل عائقا جوهريا في تنامي العلاقات مع ايران لما لهذه العلاقات من سطوة في تحديد موقف مصر الرسمي ازاء القضايا العربية والاقليمية والدولية، ولا أدل على ذلك من وصف ايران من قبل الادارة الأمريكية أخيرا بأنها واحدة من دول «محور الشر» الذي يضم العراق وكوريا الشمالية بينما التعاون في المعلومات والمخابرات بين أمريكا ومصر في أعلى مراحله.