يتواتر في توصيف القادة الاسرائيليين سواء كانوا سياسيين أم عسكريين وصف الحرب الراهنة ضد الفلسطينيين على انها امتداد لما يسمى في الروزنامة الصهيونية بـ«حرب الاستقلال» ويعبر هذا التوصيف عن محاولة تطبيق البرنامج اليميني التاريخي للحركة الصهيونية في اعطاء الأولوية لضم الضفة الغربية إلى اسرائيل بوصفها «ارض اسرائيل الغربية» وعلينا ان نضع في هذا السياق المعنى الرموزي السياسي لضغط شارون المتواصل لـ «نقل» الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من رام الله إلى قطاع غزة، وقبوله مبدأ فك الحصار عن كنيسة المهد مقابل نفي من التجأ إليها إلى دولة أخرى، إذ شكل توسع اسرائيل فيما يسمى بـ «أرض اسرائيل الغربية» محور البرنامج التاريخي للصهيونية اليمينية منذ أيام جابوتنسكي الذي انشق عن المنظمة الصهيونية العالمية بسبب قبولها اقامة الدولة في حدود الرقعة الانتدابية البريطانية على فلسطين وليس في حدود ما يسمى بـ «أرض اسرائيل» (الكبرى). من هنا ليس مفارقة ان تحضر القوة الرموزية للمقارنة ما بين مذبحة مخيم جنين وبين مذبحة قرية دير ياسين، فلقد وقعت المذبحة الأولى في ابريل 2002 في حين وقعت المذبحة الأخرى في الشهر نفسه من عام 1948، ولقد تمت مذبحة دير ياسين على نحو منهجي في اطار تحول خطة عمليات الهاجاناه «الجيش الاسرائيلي لاحقا» في ابريل 1948 إلى الهجوم وتطبيق «خطة دالت» التي قامت على التطهير العرقي للعرب، بواسطة الابادة أو الترانسفير القصري أو الرعب، غير ان من قام بتنفيذها في اطار تلك الخطة وبتغطية من اليسار العمالي الصهيوني المسيطر يومئذ على ما سمي ب«البيشوف»، لم يكن سوى المنظمة العسكرية القومية «الايتسل» والمنشقون عنها من إرهابيي «ليحي» والتي تحولت في نهاية عام 1948 إلى حزب «حيروت» المتطرف بقيادة مناحيم بيجين، في حين ان من قام بمذبحة مخيم جنين ليس سوى هذه المنظمة في طور تطورها من حيروت القديم إلى تحالف الليكود الراهن، والمسيطر على الائتلاف الحكومي. فشارون هو الخط المتواصل في السلالة الصهيونية اليمينية المجرمة من جابوتنسكي صاحب نظرية «الجدار الحديدي» إلى تلامذته بيجين وشامير و نتانياهو، وهو ما يفسر رفضهم اتفاق أوسلو وتحطيمه، واعادة احتلال مناطق «ألف» ووضع مشروع المناطق العازلة قيد التنفيذ، وسجن الفلسطينيين في كانتونات أو في بانتوسانات عنصرية بالمعنى الحرفي للكلمة. وتقويض نواة الدولة الفلسطينية المستقبلية الممثلة بالسلطة الوطنية الفلسطينية التي قدمت بموجب اتفاق أوسلو، انطلاقاً من ان الضفة الغربية هي «أرض اسرائيل الغربية» ومحاولة نقل عرفات إلى غزة كتعبير رموزي عن اعادة السيطرة الأمنية على ما يسمى بـ «أرض اسرائيل الغربية» وإذا كانت الصهيونية العمالية اليسارية قد قامت بتغطية مذبحة دير ياسين في عام 1948 فإن وريثها حزب العمل قد غطى مذبحة جنين في عام 2002 وعمل هنا كأشبه ما يكون بنجار في ورشة شارون. لقد توقف ما يسمى بـ «حرب الاستقلال» في أواخر عام 1948 ورسمت اتفاقيات الهدنة في عام 1949 مع الدول العربية المنخرطة في الحرب، وهي مصر وسوريا ولبنان والأردن، حدود ما يسمى بـ «الخط الأخضر» فلقد قامت الصهيونية العمالية اليسارية التي صممت تحويل «الوطن القومي» إلى دولة اسرائيل، على القبول المرحلي بحدود «الخط الأخضر» لكن دون اهمال التوسع فيما يسمى بـ «أرض اسرائيل الغربية» غير انها بغية الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة قبلت بالتضحية «المضبوطة» بالجغرافيا من أجل نقاوة الديموغرافيا، ووافقت بالتالي على تقسيم معين لما يسمى بـ «أرض اسرائيل» تقوم بموجبه «دولة فلسطينية قابلة للحياة» تتولى مهام الفصل الأمني نيابة عن اسرائيل، ووصفت تبعاً لذلك مناطق الضفة الغربية بالمناطق «المدارة» في حين ظل اليمين الصهيوني يصفها بـ «المناطق المحررة». وقد يختلف شارون عن حلفائه اليمينيين بأنه يوافق على اقامة كيان فلسطيني منزوع السلاح والسيادة الفعلية، مؤلف من كانتونات مسيطر عليها أمنياً واستراتيجياً بشكل محكم، على أقل من خمسين بالمئة من الضفة الغربية، في اطار اتفاق مؤقت طويل الأمد من نوع من حكم ذاتي يحمل زوراً اسم دولة، إلا انه مستعد للعودة إلى نظام الادارة المدنية «الأمنية» السابقة. ان حرب شارون ضد الشعب الفلسطيني تقدم نفسها للخارج بوصفها تطبيقاً لـ «مذهب بوش» في محاربة الارهاب، غير انها تقدم نفسها للداخل الاسرائيلي بوصفها ستاراً لحرب الاستقلال، أليس ضحايا شارون في مذبحة مخيم جنين وفي حرب المخيمات التي سبقتها هم أنفسهم من اللاجئين الذين كانوا ضحية «حرب الاستقلال» الأولى في عام 1948 وبالأحرى حرب اقتلاع الفلسطينيين من وطنهم وتحويلهم إلى لاجئين؟ هل بات واضحاً معنى تواتر استعمال «حرب الاستقلال» في المعجم الاسرائيلي الراهن؟ لكن بالمقابل لدينا حرب الضحايا التي هي الحرب الفلسطينية ـ الاسرائيلية الأولى التي يقوم بها الشعب الفلسطيني على أرضه، ووحدهم أصحاب الذاكرة القصيرة يعتقدون قرب نهاية هذه الحرب، وتسويتها بالمؤتمر الاقليمي أو الدولي الجديد الذي يكثر الحديث عنه منذ ان اطلق شارون فكرته في حين انها قد تكون الان في مرحلة جزر لكنها ستكون غداً في مرحلة مد حتى انهاء الاحتلال.