لولا التدهور الاقليمي الضاغط والتدهور الاقتصادي المتمادي لكانت تدهورت العلاقات بين رئيس الجمهورية اللبناني اميل لحود ورئيس الحكومة رفيق الحريري واستقالت الحكومة، فعندما يحدث في الأنظمة الليبرالية خلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يستقيل الثاني ويبقى الأول. غير ان الوضع الاقليمي المحيط بلبنان والوضع الداخلي المحدق به لا يسمحان باستقالة الحكومة ولا الاستغناء عن رئيسها، وكأن اميل لحود ورفيق الحريري مضطران إلى التفاهم القسري بينهما. ففي كل مرة يصل فيها زائر إلى لبنان وفي كل مرة يغادر فيها رئيس الحكومة إلى الخارج، وفي كل مرة يجتمع مجلس الوزراء، تتوتر الاعصاب وتدخل الحكومة في امتحان عسير، لا سيما عندما تتناول الشأن الاقتصادي. لكني لا أظن ان الخلاف ذو طابع اقتصادي بقدر ما هو ذو طابع سياسي، بدليل ما يقدمه كل طرف من طروحات، فمؤيدو اميل لحود يؤكدون ان رفيق الحريري هو الذي أوصل البلاد إلى العجز الذي ناهز الثلاثين مليار دولار، وقد باتت الدولة على شفير الافلاس، ويذهب هؤلاء إلى القول ان رفيق الحريري يريد افلاس البلاد لشراء المؤسسات العامة بأبخس الأثمان ووضع يده على كل لبنان بواسطة الاقتصاد بعد ان عجز عن الهيمنة عليه بواسطة السياسة. ويرد مؤيدو رفيق الحريري بالقول ان اميل لحود يعرقل الاجراءات الاقتصادية بغية اظهار عجز رئيس الحكومة وتحميله مسئولية الانهيار الاقتصادي ويذهب هؤلاء إلى الزعم بأن اميل لحود يرمي إلى ايصال البلاد إلى حالة الانهيار ليبرر قيام حكم عسكري يرتاح له. بالطبع في هذه الاتهامات المتبادلة يتم التداول بها همساً وليس تصريحاً، باستثناء ما أدلى به رفيق الحريري في شأن مسئولية المسيحيين عن انهيار الوضع الاقتصادي، وضرورة الحد من صلاحيات رئيس الجمهورية، فالصراع الدائر لا يتعدى نطاق التلميحات والتسريبات، ما يدل على ان الرجلين مازالا مصرين على التعاون على الرغم من كل الخلافات العاصفة بينهما. شعرة معاوية لم تنقطع بعد بين الرئيسين، ويبدو ان كليهما مصر على عدم قطعها، لكن الأمور وصلت إلى مشارف الطلاق، وممكن ان تنزلق إلى الهاوية نتيجة هفوة أو خطوة غير محسوبة بدقة، اللعب على حافة الهاوية ومن دون شبكة أمان خطر مميت. واللافت ان الأزمة في علاقة الرئيسين طغت على ما عداها من أوضاع، وهذا ليس بالأمر المستجد في الحياة السياسية اللبنانية، فقد اعتاد اللبنانيون ان يشهدوا الكثير من الخلافات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، لكن الأمر المستجد متأت عن ان الأزمة السياسية واقعة في ظل أزمة اقتصادية زاحفة، وان تقاطع الازمتين له انعكاسات مخيفة يتهيبها كل الاطراف بما فيها سوريا. ان الحاجة ماسة في لبنان للانتقال من حالة «التفاهم القسري» إلى حالة «التفاهم الطبيعي» في محاولة لنقل حالة البلاد من التردي المستمر إلى التحسن ولو البطيء، لكن هذه النقلة تتطلب التوافق حول المعايير والمنهجية التي يطرحها رئيس الجمهورية، وهي اعتماد القانون والمؤسسات والشفافية بعيداً عن كل أشكال المزاجيات والهدر والربح غير المشروع. شعرة معاوية ما زالت قائمة، لكن البعض مستفيد من قطعها لحسابات خاصة وضيقة، ولا أحد يعرف إلى ما تؤول إليه الأوضاع إذا ما انقطعت. قد يحق البعض ان يلعب بمصيره، لكنه ممنوع على الجميع اللعب بمصير الوطن، الكل مسئول عن عدم سقوط لبنان في الهاوية، واميل لحود هو ضمانة الضمانات.