تتحدث الكويت عن نشاطات سياسية تتصدر الصفحات الاولى في اليوميات الكويتية، بعضها معروف بالاسم ويمارس في العلن، وبعضها مازال غامضا لا تعرف مصادره ولا حقيقته، والبعض الاخر يطفح مع الانفعالات المحلية التي تصيب من يعمل في الشأن السياسي الكويتي. ويهمني ان اتحدث عن الحالة المسيطرة على المشهد الكويتي السياسي في هذه الاونة، بقصد توضيح ما يدور في الكويت للقاريء الخليجي والعربي، لان الحالة الكويتية وشئونها السياسية وشجونها الاعلامية تؤثر في منطقة الخليج، وتتأثر بها، وطالما ان التوجهات العامة في الخليج تسعى الى المزيد من الانفتاح والشفافية، فمن العقل ان ترصد هذه التوجهات التجربة الكويتية التي بعد اربعة عقود، مازالت لم تكتمل في جذورها، ولا في تكوينها البنيوي، ولافي قواعدالممارسة، وذلك من اجل الاستفادة من دروس الكويت ومن فوائد الممارسة فيها واخفاقاتها. يمر على المشهد السياسي في الكويت ثلاثة تحركات تستخلص الصحافة الكويتية من متابعتها المانشيتات والتحليلات والاعمدة. اولا: تحرك ما يطلق عليه شباب العائلة الذين فوضوا شابين من العائلة الموقرة، هما الشيخ سالم صباح الناصر، والشيخ مبارك جابر الاحمد، اكبر ابناء الامير، لمقابلة الشيخ سالم العلي، للحديث حول الشأن الداخلي، وهما شخصان يعملان بعيدا عن السياسة، ولا يطمعان في مناصب، وتقول صحافة الكويت بأن هذا التحرك جاء موازيا لتحرك قامت به بعض الشخصيات الكويتية، وهدف الطرفين، شباب العائلة والشخصيات الكويتية، هو تحريك الشأن السياسي الداخلي من أجل الحفاظ على الثوابت الكويتية تعزيزا للهدوء والاستقرار. ثانيا: وما يشاع عن فكرة ايجاد مجلس ثان، مجلس شورى او اعيان كرديف لمجلس الامة الحالي. واخيرا، تكاثر التلويحات بالاستجوابات التي يطرحها بعض النواب لمساءلة بعض الوزراء، جاء دور وزير التربية منها في الاسبوع الماضي، وعلى لائحة جدول اعمال الاستجواب، اسم وزير المالية، واحيانا وزير العدل. تتم هذه التحركات في بلد صغير، اهله اقلية فيه، وهمومه الخارجية كثيرة، مع ارتباطات استراتيجية، اعتاد على الحوار منذ ولادته، قوته من الاجماع السياسي الذي تميز به، والذي شكل محور القوة في الجبهة الداخلية. وقد لفت نظري، الحديث الطويل الذي اجراه احمد السعدون رئيس مجلس الامة السابق، وزعيم المعارضة حاليا، مع صحيفة «الرأي العام» الكويتية، يوم الخميس الموافق 25 ابريل، وهو حديث لا يمكن ان يمر دون تمحيص، بسبب مكانة احمد السعدون ومحتوى المقابلة ومضامينها السياسية. جاء رد السعدون عن سؤال حول ما يشاع عن المجلس الرديف، وكان رده مايلي: «ان بلد مثل الكويت لا يمكن ان يكون لها الا مجلس واحد، وهو ما اكدت عليه المذكرة التفسيرية للدستور، ونصوص الدستور نفسه، وفكرة مجلس ثان معناه تنقيح الدستور، وعندئذ نتحدث عن تعديل للدستور، سواء كان بمجلس او بمجلسين، موقفي منها هو الموقف الرافض تماما لاي محاولة تهدف المساس بالدستور، وخصوصا ان الدستور لم يكتمل الايمان به من قبل البعض، اذ عطلت الحياة الدستورية عام 1976، وعام 1986، حتى الحل الدستوري غير مقبول ما لم تكن هناك اسباب غير عادية. الدستور ليس قرآنا فمن وضع الدستور، هو المجلس التأسيسي عام 1962 وضع مبدأ واحدا وهو ان الدستور يجوز ان يعدل خلال الخمس سنوات الاولى، ويمكن ان يعدل بعد ذلك لكن الى المزيد من الحريات. ويضيف النائب السعدون بأن الدستور لم يطبق بالكامل الى الان، وعندما يكون الحديث عن ممارسة اي خطوة من الخطوات، او اي سلطة من السلطات التي يملكها مجلس الامة في الجانب الرقابي تثور ضجة، لان هناك اناسا منذ البداية، ومنذ الحديث عن وضع الدستور، كان لهم موقف من الديمقراطية وموقف من المشاركة الشعبية. ويبرز السعدون رأيه بأن نظام الكويت ليس نظاما برلمانيا كاملا، وانه اخذ بحل وسط حتى يتمشى هذا الحل الوسط مع الاوضاع السائدة في الكويت انذاك، واعطى مثالا على الوسطية، بحق الوزراء المعينين من خارج المجلس في التصويت داخل مجلس الامة، اذا كان التعديل الى الافضل، فيفترض ان تكون ممارسة التصويت داخل مجلس الامة من خلال الاشخاص الذين اتى بهم الناس عبر الصناديق وليكن التعديل الى المزيد من الصلاحيات لصالح السلطة التشريعية. والمقابلة طويلة، لكن محورها هو تعديل الدستور والاصرارعلى ان يكون التعديل الى المزيد من الصلاحيات وليس التقليص. وأود ان ابدي ملاحظات موجزة عن التجربة الكويتية التي ادخلت الكويت في حالة من السيولة اثرت على مساراتها في جميع الجوانب. اولا: جميع من يشتكي من التجربة الكويتية محقين في شكواهم، من نواب او وزراء، من موظفين، ومن القطاع الخاص، ومن البسطاء من الناس، ومن غيرهم، فلكل شريحة حقها في الشكوى والتذمر، والسبب يعود الى ما قاله النائب المخضرم احمد السعدون بأن تجربة الكويت حل وسط، وغير مكتملة، وفيها الكثير من النواقص، وهي ليست الديمقراطية التي نعرفها في الغرب، سواء في مجلس العموم، او في البيت الابيض. ثانيا: يغيب عن دستور الكويت ثلاثة عناصر هي جوهر الديمقراطية، وهي تداول السلطة، ومعارضة تشكل حكومة الظل والبديل، والمساءلة الجماعية، وليست الفردية تجاه وزير، وانما تجاه الحكومة بكل اعضائها. ومشكلة الكويت ان حكوماتها السابقة، والمستقبلية، لا تملك حزبا تعتمد عليه في تمرير المشاريع والقوانين والمقترحات، ولانها لا تعتمد على قاعدة حزبية مناصرة في البرلمان، تلجأ الى اساليب العلاقات العامة، والتحالفات، والاغراءات، وتستنهض الحس الوطني، ولكنها ترتيبات لا تنفع في العمل السياسي الذي لا يتورع عن اللجوء الى الممنوعات في سبيل الفوز السياسي. ثالثا: لم تستطع الحكومة تمرير قانون المرأة، ولاتوقف موضوع صندوق التنمية وبنك التسليف، وبند التأمينات الاجتماعية، وترشيد الانفاق، وقوانين الخصخصة، وتفكيك دولة الرفاه، كل ذلك يعود الى انعدام توفر الاغلبية التي تشترطها الديمقراطية لاي حكومة لتتمكن من التشريع. والخلل في انحسار الانضباط، والتعدي على النظام العام، والقانون، والاستخفاف بكل اجراءات الدولة، كل هذه العناصر هي وليدة وضع الاقلية التي تعيش فيه الحكومة امام البرلمان. رابعا: لا يمكن في العمل السياسي الاعتماد على النخوات والشهامة، والحس العادل للنائب او على سلطة الضمير، وعلى امانة السياسيين في دعمهم لقوة المنطق الذي تتسلح به الحكومة، فلا منطق في ممارسة السياسة، ولذلك تحتكم الحكومات الديمقراطية الى الاغلبية التي تملكها، واذا ما تعثرت في الحصول على الاغلبية، تستقيل الحكومات وتخرج من السباق، كما نرى في بريطانيا، او تدخل في ائتلاف مفيد كما هي حال ايطاليا والهند. وقد اثبتت تجربة الكويت بأن التجمعات السياسية داخل البرلمان هي رمال متحركة نحو رياح المصالح، فلا يمكن الاطمئنان لها. ماذا تعمل الحكومة، في هذا الوضع غير الطبيعي؟ خامسا: يكمن الحل في التفكير في تشكيل الحكومة من القوى التي تملك اكثر الاصوات في البرلمان، والتي يمكن ان تتآلف مع النظام الحاكم، على طريقة فرنسا في التعايش المتعاون ,co-habritaion هذا اذا ما استبعدت تماما صيغة الاحزاب السياسية التي تشكل الحكومة عند الفوز بالاغلبية، وهي الممارسة الصحية للديمقراطية لكن الكويت بسبب اوضاعها، وبيئتها لا تستطيع التعايش مع نظام الاحزاب الذي سيوفر الدعم للحكومة، لكنه سيقضي على الكثير من الثوابت الراسخة في القناعات الكويتية. سادسا: ستبقى الحالة الرملية سواء في وجود مجلس او مجلسين او ثلاثة، لان العلة ليست في العدد، وانما في الدستور، الذي زركش الكثير من التوابل الديمقراطية وتحاشي آليتها الفاعلة في حكم الاغلبية البرلمانية، وفي حق المعارضة في اخذ مكانها عند الاخفاقات. ولا اشارك النائب السعدون في اتهاماته لمن يسميهم خصوم الدستور الذين لا يؤمنون به، ليس هذا بيت القصيد في الحالة الكويتية، وانما هو في التحاشي المقنن للتعامل المباشر مع ادوات العمل البرلماني المتعارف عليه عالميا، وهو التحاشي الذي جاء في الدستور وقننه الدستور، بمواده المكثفة. سابعا: واخيرا، يطالب البعض، كما قرأت في الصحافة الكويتية، عقد مؤتمر وطني عام لبحث الحالة في الكويت، ومع تقديري لهذا المقترح، لا ارى الحل في مؤتمر عام، وانما ارى الفائدة ان تشخص عيوب الدستور الكويتي من قبل مجلس الامة وبمبادرة حكومية، لكي يتم تجاوز الجمود الذي عطل الارادة الشعبية في تشريع قوانين يطالب بها المجتمع، وتحرك الكويت نحو التطور والانفتاح. واذا كان هناك ضجر من التجربة البرلمانية، وهو ضجر له كل المبررات، فمرده الى عيوب تنظيمية في العمل الديمقراطي لم يدخلها الدستور في بنوده الكثيرة. والخلاصة.. ان العمل السياسي محكوم بقواعد وضوابط واضحة، يعرف كل طرف فيها حقوقه ومسئولياته، ولا يلتفت الى نداءات استغاثة ولايعرف لغة الاسعاف، وهو الشيء الذي تجاهله دستور الكويت، وهو دستور نخوة وفزعة ومروءة، يستخف بها السلوك السياسي.