هل السؤال عن جدوى الربح والخسارة السياسية من إغلاق سفارة العدو اليهودي سؤال في محله؟ وفي المقابل يسأل آخرون هل من المقبول أن يسير اليهود في شوارعنا وهم يشعرون بكل هذه الراحة والطمأنينة؟ تقول المعارضة: لم تحرك كل المظاهرات والاعتصامات المتعاطفة مع معاناة الشعب الفلسطيني الحكومة لاتخاذ قرارها بإغلاق هذه السفارة، بالإضافة إلى طرد السفير تلبية لمطلب شعبي عبر عنه إجماع شعبي وافر. وفي الوقت الذي ساد شعور محلي عام في بداية الحرب اليهودية الشاملة ضد الفلسطينيين بان «الرسمي» سيقوم باتخاذ قرار وشيك بالتصعيد ردا على الجرائم الإسرائيلية بعد ان استكمل الجهد الرسمي ما في سلته من جهد دبلوماسي بدأت الاصوات شبه الرسمية تشكك في جدوى اتخاذ مثل هذا الإجراء ثم تبع هذا تأكيدات مسئولة «بان الاردن لا ينوي طرد السفير الإسرائيلي». وفي مقابل رأي الحكومة الأول بأن «الحوار مع الاخر مفيد وناجع واكثر جدوى من اقفال الخطوط جميعها بين الأردن واسرائيل» تمسك الرسميون بعد أن اغلقت مصر لممرها مع دولة الكيان بالرأي القائل أن من مصلحة الفلسطينيين عدم إغلاق سفارة إسرائيل في عمان. كل هذه المبررات تعامل معها الاردنيون وفق شرائحهم المختلفة بطرق متباينة فالشريحة الأولى المعارضون السياسيون الأبديون للنهج الحكومي وهم الرافضون لكل تلك المبررات، والشريحة الثانية المؤيدون الأبديون المقتنعون دوما بالخطاب الرسمي، أما الشريحة الثالثة فيعبر عنها الناظرون إلى المسألة وفق النظرة الشرعية، في مقابل شريحة رابعة هم الاوسع انتشارا من «المواطنين العاديين» المطالبين بضرورة إغلاق السفارة وطرد السفير واتخاذ الحكومة للمواقف الأكثر تشددا من الكيان المحتل. من حيث الجانب الشرعي فقد اسس علماء الشريعة الإسلامية في حزب جبهة العمل الإسلامي في فتوى لهم صدرت أخيرا تقول ان قطع العلاقات مع العدو الصهيوني واجب شرعاً فماذا يعني ذلك عمليا. أما عن الشريحة الرابعة من المواطنين العاديين فلم تفلح السنوات العشر التي قضاها الأردن في كنف الديمقراطية أن تقنعها بأنها تستطيع أن تفعل شيئا لا تريده الحكومة، والشواهد على ذلك كثيرة اخرها كانت المظاهرات الداعية إلى قطع العلاقات مع دولة الاجرام الإسرائيلي. وبسبب ربما ذاك الشعور الذي لا يستطيع المرء التعبير عنه وانما فقط يحسه وبقوة جراء طول الخبرة والدربة أعرب العديد من المواطنين الذين التقتهم البيان بان هناك وإن نسبة بسيطة لاتخاذ الحكومة لاي اجراء تصعيدي ضد إسرائيل ويقول هؤلاء الذين لاحظت البيان خشيتهم حتى من ذكر اسمائهم ان الحكومة «قابضة» على معاهدة السلام بكل قوة، ولا يشي أي من تحركاتها انها تسير وفق خطة إذا لم تستجب إسرائيل لها فان الحكومة الأردنية ستكون مضطرة لقطع العلاقات أو تجميدها. أحد الطلبة الجامعيين كان اكثر وضوحا عندما قال إن المشكلة في أن الحكومة تسأل نفسها ماذا بعد أن تنتهي «الأزمة» ويجلس الفلسطينيون والاسرائيليون على طاولة المفاوضات .. ماذا تفعل بقطع العلاقات هذه، على الرغم من أن اتخاذ اجراء مثل الطلب من إسرائيل استدعاء سفيرها كخطوة أولى أو حتى تجميد كافة العلاقات الدبلوماسية امر لا يكلف السياسة الأردنية كثيرا مستقبلا حتى وإن عاد الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات مستقبلا رغم أن ذلك، وبحسب الإجراءات الإسرائيلية والأمريكية امر مستبعد على المدى المنظور على الأقل. ويتهم شاب آخر الحكومة انها مصرة على موقفها من قطع العلاقات مع العدو دون الالتفات إلى مشاعر الاردنيين الذين يحترقون من الداخل الماً على ما يحدث في فلسطين. وتشير طالبة أخرى إلى أن موقف الحكومة من الطلبة الغاضبين على ما يجري في فلسطين يشي بالكثير وبما يمكن ان تفعله أو تتخذه من مواقف تجاه دولة الاحتلال وتقول أن الإجراءات الرسمية تجاه مشاعر الشعب تشرح كيف تنظر الحكومة وما هو موقفها بغض النظر عن التصريحات الدبلوماسية، بل ان أحد المواطنين أكد أنه على ضرورة اجتثاث السفارة الأمريكية من عمان «لانها أس البلاء». وفي ظل هذه الأجواء استبدل الشباب في الأردن بعض عاداتهم باخرى تشير إلى حراك يرشح المراقبون إلى امكانية أن ينتج مجتمعا اكثر تواصلا مع محيطه وقضاياه مما كان في السابق ويشير المراقبون إلى هذا الحراك بالقول الكثير من العادات تم استبدالها بما يتصل مع المجتمع الناضج المقاوم والذي يشعر أفراده بانهم مهددون إلى الحد الذي استبدل فيه الشباب نغمات هواتفهم النقال من تلك الاغاني العاطفية إلى نغمات لاغنيات يا وطني وزهرة المدائن وغيرها من اناشيد المقاومة بالإضافة إلى ان عودة الكوفية الفلسطينية على الاكتاف ولبس السواد والرغبة إلى عدم المبالغة في «حياة الضجيج. في الوقت الذي كرر جيل الشباب المعاصر جيل آبائه الذين كانوا لا يطربون إلا على صوت الاغاني الحماسية المقاومة، ما يعني أن الانتفاضة باتت تنتج اسلوب حياة أخرى ومختلفة غير تلك التي اعتاد عليها الشباب قبل الانتفاضة وهذا امر في غاية الاهمية. وتفاعل رجال الاعمال والمستثمرين مع هذه الظاهرة «بحسب الطلب» فاعادوا انتاج الاشرطة واقراص `dG التي عادت أخيرا إلى الاسواق والى غرف المراهقين والشباب على حد سواء كما نفض غبار تفاصيل ثقافة زمن حصار بيروت والانتفاضة الأولى التي يقال ان اوسلو ووادي عربة نجحت في تغييبها. في حين توقف الاردنيون عن إرسال «النكت» والمزحات خفيفة الظل عبر رسائل الهواتف النقالة ليستبدلوها الآن برسالة تقول «الموت لإسرائيل»، «احنا بنهتف جيل ورا جيل احنا بنكره إسرائيل». مبررات السؤال لماذا تطالب المملكة بكل شيء هل لأنها من دول الطوق؟ هل لأنها تمتلك اطول خطوط للمواجهة مع العدو؟ هل لأنها وقعت معاهدة سلام مع دولة الاحتلال؟ ام لأنها ابرز دعاة السلام في المنطقة؟ هل لأنها لعبت في السابق ادوارا كبيرة وتطالب الآن باستكمالها؟ هل الارادة السياسية في الأردن تريد اصلا استكمال العمل على هذا الدور الذي بات يكلفها الكثير؟ هل يعرف العرب أن المملكة دولة صغيرة محدودة القدرات والموارد؟ هل يعرفون أن اقتصادها لا يطيق حربا مهما كانت محدوديتها؟ كل هذه الاسئلة هي عبارة عن اجابات غير مباشرة يطرحها التوجه الرسمي ومنظروه على مطالبي الأردن بفتح حدوده لدعم القضية الفلسطينية. وفي مقابل هذه «الاجابات» يحاول سياسيون ومفكرون اردنيون طرح عدد مقابل من الاسئلة التي لم يجدوا لها حتى الآن أي اجابة ومنها: هل تستطيع أي من دول الطوق محاكاة تجربة لبنان- حزب الله؟ ولماذا الضغط فقط على المملكة وحدها؟ اليس الأردن الدولة الأقل مقدرة عسكريا واقتصاديا بين كل دول الطوق؟ ماذا عن مصر وسوريا ..؟ ما هو وجه الفرق والشبه في آن بين الأردن ومصر؟ وماذا يمكن للارادة السياسية في الأردن أن تفعل.. وما هي الخطوط الحمراء لهذا الفعل؟ لماذا لا يتم إغلاق السفارة الإسرائيلية في عمان؟ هل صحيح أن دعوة المملكة لفتح الحدود عسكريا على فلسطين اعلان انتحار أم تحرك استباقي تأسيسا على الخشية من تطبيق مقولة اكلت يوم اكل الثور الابيض؟ اليس الأردن مجبرا على التصدي للارهاب اليهودي وفق توقيته هو وليس وفق توقيت العدو؟ للاجابة على كل هذه الاسئلة سألنا صوتين من المعارضة تم اختيارهما بعناية مبتعدة عن صوتين مهمين في الساحة الأردنية وذلك «لأن رأيهما معروف مسبقا.. الصوت الأول الرسمي والصوت الاخر الإسلامي». أما الذي جرى اختيارهما فالاول كما سبق وأشرنا إليه هو الدكتور علي محافظة استاذ تاريخ الأردن المعاصر الذي يعد ابرز الشخصيات القومية في الساحة الأردنية، أما الصوت الاخر فهو النقابي الأردني المعروف علي حتر. الدكتور محافظة ذهب في مضمون حديثه كما سبق واشير إلى أن المملكة ووفق ما تطيق من قدرات وامكانات لا يمكن لها أن تفعل اكثر مما تفعل بل وذهب حد الاعتراف أن الرجاء أو التسول من الولايات المتحدة هما الطريق الاوحد للأردن ولاي دولة عربية أخرى، على ذات سياق أحد وزراء الخارجية العرب. بل ان المملكة فقدت القدرة على التأثير على الرأي العام الإسرائيلي كما كانت تفعل في السابق. ويضيف أنا اسمع الكثير من الاصوات التي تطالب الحكومة الأردنية باتخاذ مواقف اكثر تصعيدا، إلا أننا يجب أن نؤكد أن الحديث عن المملكة الأردنية الهاشمية يجب أن يكون وفق قدرات الأردن، مشيرا إلى أن من يطلب من الأردن اكثر مما يطيق يطالبه بالانتحار، خصوصا وان السياسة الإسرائيلية تتمنى لو أن فوضى ما أو تحركا اردنيا اكثر تصعيدا يتم في عمان لكي تتخذها اسرائيل ذريعة من اجل التعامل معها عسكريا ونقل الصراع من كونه فلسطيني إسرائيلي إلى صراعات جزئية هنا وهناك، ثم أن الأردن اصبح الممر الوحيد المسموح للاخوة الفلسطينيين بعد إغلاق الممر المصري. ويتساءل المؤرخ الأردني ما الذي بين يدي الأردن من امكانيات عسكرية أو اقتصادية ليقوم باللعب عليها .. هو لا يملك أي امكانيات عسكرية تستطيع التصدي للقوة الإسرائيلية، إضافة إلى الامكانيات الاقتصادية المتدهورة. ويؤكد د. محافظة أن في داخل الأردن «فئات» تسعى إلى التخريب دون أن يحدد ماهيتها ويقول انهم يريدون نقل المعركة إلى الأردن وهذا ما فعلوه سابقا في لبنان في السبعينيات والثمانينيات. ويشدد الدكتور على أن من ضمن ما هو مطلوب لمساعدة الاخوة الفلسطينيين ضمان عدم تحويل الساحة الأردنية ساحة للصراع بين الفئات المختلفة وهذا امر في غاية الاهمية. مقارنة الاردن ولبنان ولمزيد من التوضيح اعدنا طرح مجموعة من الاسئلة التي يتم تناولها في الأعلام العربي سواء من حيث متخصصين أو حتى من اسئلة للمواطنين العرب العاديين، أما السؤال الأول فهو: لماذا لا يتم فتح جبهة جديدة على طول الحدود الأردنية؟ يجيب: هذا المشهد يعني احتلال الأردن من قبل إسرائيل في مدة زمنية قصيرة وسقوط الأردن تحت الاحتلال الإسرائيلي وهذا لا يقبل به أي أردني، مهما كانت توجهاته، فالاردن هي الحلقة الاضعف، متسائلا لماذا لا تفتح سوريا حدودها، لماذا الأردن المطلوب منه ذلك. وهذا ما يتمناه شارون حتى يتم نقل الفلسطينيين الموجودين عنده إلى الأراضي الأردنية بعد أن يتم احتلال الأردن أو جزء منها. السؤال الآخر: إذا لم يكن بالامكان فتح جبهة أردنية، لماذا لا يتم مساعدة الفلسطينيين بالسلاح؟ يجيب المؤرخ الأردني: اريد أن اؤكد على أن حزب الله غير الفلسطينيين، ثم أن من يقدم المساعدات لحزب الله لم يسمح للفلسطينيين بأي نشاط عسكري على اراضيه، تأسيسا على تقديرات المواقف السياسية والظروف الموضوعية، ومن هنا اسأل لماذا يسمح للبعض بتقدير ظروفهم السياسية ولا يسمح لنا ذلك. وردا على سؤال حول مبررات اعتقال من يقوم بتهريب الاسلحة عبر الأراضي الأردنية إلى الفلسطينيين يقول: هذه الأمور تدركها إسرائيل وبمجرد أن يتحول الأردن إلى منفذ لدخول الاسلحة إلى فلسطين فسيعاقب الأردن على ذلك، فنحن نتحدث عن شارون. واستذكر المؤرخ الأردني احداث الخمسينيات عندما كان الاردنيون من أصول فلسطينية يعودون إلى منازلهم القديمة في فلسطين، وكيف كانت الإجراءات الإسرائيلية تجاه هذا التصرف، حيث يقول: عندما كان يعرف شارون أن هناك من دخل إلى فلسطين عبر الحدود الأردنية من خلال تعقب الآثار كان يقوم بدخول المناطق الأردنية التي دخل منها المواطن ويدمرها وهكذا كان الاعتداء على قبية ونحالين والقرى على الأردنية. ولكن ما الفرق بين «الحلقة الاضعف- الأردن من جهة والحلقة الاضعف - لبنان» فيما يتعلق بتجربة حزب الله.. أي هل يستطيع الأردن أن يلعب تجربة لبنان- حزب الله؟ يقول د. محافظة: إن ذلك مستحيل لان الأردن حسب المخططات الإسرائيلية هو الوطن البديل للفلسطينيين، بينما لبنان لم يكن يوما كذلك، والإصرار اللبناني على اخراج اللاجئين الفلسطينيين من اراضيهم معروف للكل، بالإضافة إلى أن الشعب الأردني غير مهيأ في الوقت الحاضر لمثل هذا الأمر. ويشير د. محافظة إلى تصريحات شارون الاخيرة في صحيفة يديعوت احرونوت والتي هاجم فيها المملكة حيث اعتبر أن دولة الاردن تمثل شوكة في قلب اسرائيل، وارتباط الاردن بالعرب لا فكاك منه، واننا لا نستطيع ان نغير توجهاتهم كما حدث، ... وان كل ما يمكن ان نفعله، في السنوات القادمة هو ان نجعل الاردنيين يعيشون في خوف ورعب دائم وان نتحكم في كل ممراتهم. ويضيف شارون .. ليست هناك أي مشكلة على الاطلاق لاسرائيل اذا رغبت في ازالة دولة الاردن من الوجود. ان دولة الاردن هذه انشأها البريطانيون ارضاء لبعض ملوك العرب، فهي تاريخياً غير قائمة، وعندما عشنا في هذه المنطقة منذ آلاف السنين لم يكن هناك قوم يدعون بالاردنيين، فلماذا نجعلهم اليوم شوكة في قلب اسرائيل، لماذا لا تكون لدينا القدرة على قصف عمان وابادة الجيش الاردني؟ وحتى نكون عادلين فان الشعب الأردني ذاته يمكن أن يعيش تحت اشراف حكومتنا بحيث نكون نحن اصحاب القرار النهائي في هذه الدولة. اما المناطق الاكثر اهمية بحسب رؤية شارون فان الاردنيين يجب ان يخلوها لصالح الشعب اليهودي القادم. وان «مثل هذه العملية لن تكلفنا كثيراً سوى الدخول الى الاردن مثلما فعلنا مع فلسطين». الدكتور علي محافظة يؤكد أن هذه المواقف التي وردت على لسان رئيس الحكومة ارييل شارون تؤكد أن على الارادة السياسية أن تكون متيقظة لكل تحرك سواء داخلي أو خارجي فمشروع شارون لا يقتصر على اغتصاب فلسطين، وانما يمتد ليصل دولاً عربية اخرى مثل الاردن. ولكن ما الحل؟ الحل الوحيد في رأي المؤرخ الأردني هو قيام نوع من الاتفاق التحالفي بين الدول المحيطة باسرائيل، مصر والاردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية كذلك، مشيرا إلى أن قيام هذا التحالف الحقيقي هو الضمانة الوحيدة للوقوف في وجه إسرائيل، إنما أن يقوم الأردن بعملية منفردة من جانبه وان يلعب دور لبنان، فهذه المطالب مجرد مطالب انتحارية ليس اقل من ذلك. ويشير إلى أن الكيان اليهودي اشهر في وجه العرب قبل العام 1948 منذ تشكيل دويلات عربية صغيرة وضعيفة من اجل ضمان افتقادها لقدرة تهديد الدولة الإسرائيلية التي ستعلن في المنطقة لاحقا. فاتفاقية سايكس بيكو قامت قبل أن يأتي وعد بلفور، ولا يمكن لمواجهة إسرائيل إلا أن تكون الكيانات المحيطة بها قوة واحدة متضامنة متحالفة بعضها مع بعض وتدرك أن إسرائيل هي العدو الوحيد المهدد لوجودها، ودون هذا الحل ستبقى الحلول المقدمة أو المنفذة للقضية الفلسطينية حلولا مؤقتة. ولكن الدكتور محافظة قبل دعوته إلى قيام هذا التحالف أكد أن «استحالة» ما هي أمام تنفيذ مثل هذا التحالف الذي يطالب به.. إذن ما الحل؟ لو كان المؤرخ الأردني صانعا للقرار الأردني ماذا يفعل للفلسطينيين؟ يجيب: لا استطيع أن اقدم لهم اكثر مما تقدم الأردن حاليا. ما دام الحكام العرب الاقوياء لا يرغبون في التحرك وفق خطة تحالفية قابلة للتنفيذ، بل أن المشهد يبدو اكثر سوداوية عندما يتهم الدكتور بعض التوجهات الرسمية بأنها لا تعير اهتماما كبيرا في هذا الصراع بين الأمة العربية واسرائيل للمملكة. إلا أنه في المقابل يستدرك قائلا كل هذا لا يحول دون اتاحة الفرصة لتعبير المواطن الأردني عن تضامنه وحزنه لما يجري لاهله في فلسطين وما يتعرضون له، وهذا يقتضي جهودا من الاجهزة الأمنية للسيطرة على الموقف من خلال السماح لهذه المظاهرات. الحل في تحالف عربي وينكر المؤرخ الأردني القول الذي يشير إلى أن المظاهرات التي تقوم في البلاد العربية مظاهرات غير منضبطة وعنيفة مؤكدا أن كل المظاهرات في العالم يتخللها مثل هذا الأشكال من التعبير وهنا يأتي دور الاجهزة الأمنية في السيطرة واستيعاب هذا الغضب وضبط ايقاعه لضمان عدم حدوث شيء خطير. ويقول إن التخوف من حوادث العنف يجب أن لا يحول دون تعبير الناس عن مشاعرها ومن يقترف عملا ضد الأمن يعاقب وهذه هي المعادلة . هنا سألنا الدكتور محافظة: إذن انت ترى أن الموقف الرسمي سليم إلا أن المبالغة في التخوف من المظاهرات هو الإجراء الذي أوقع الحكومة في الخطأ؟ فقال يجب أن نكون اكثر دقة أنا لا اقول سليما ولكن الارادة السياسية لا تستطيع اصلا أن يفعل اكثر من ذلك، فماذا يمكن أن يفعل الأردن ولم تفعله: «النفط» هل ندعو إلى قطع نفطنا عن الولايات المتحدة حتى تنصاع إلى مطالبنا.. اية اوراق للضغط يملكها الأردن ولم يلعب بها. الخطير في قول المؤرخ الأردني ليس فيما يتعلق بعدم قدرة الدول العربية على التصدي ومنع مواصلة حرب الابادة اليهودية ضد شعبنا الفلسطيني وحسب، وانما لما يرافق ذلك من مضامين أن دولا مارقة أخرى ستتعرض للارهاب الأمريكي دون أن «يستطيع» العرب فعل شيء وكأن الحرب ضد الفلسطينيين جاءت متطلبا اجباريا لاقناع العرب بانهم عاجزون وفاشلون اكثر مما يتوقعون وتماما كما حصل الأمر بعد حرب الخليج الثانية. ومن هنا إن المنطقة العربية مرشحة لتشهد بروز اكثر من باكستان على منوال حرب أمريكا في افغانستان. فالعرب بحسب المؤرخ الأردني سيضغطون على الولايات المتحدة الأمريكية بصورة من الصور، وفق مستويات تراها الارادات العربية ومن غير المرشح أن تنجح هذه التوسلات، لسبب بسيط للغاية وهو أنه حتى هذه التوسلات تتمنى تنسيقا عربيا هو الاخر مفقود. وحتى لا يفهم خطأ يقول انا لا اخون احدا، واعتقد أن جميع الحكام العرب لديهم الرغبة الصادقة في مساعدة الشعب الفلسطيني ولديهم رغبة في مقاومة المخطط الأمريكي ولكنهم عاجزون لعدم اتفاقهم على مخطط معين وكل منهم يخشى الاخر ويخشى أن ينقل ما تم بينهما إلى واشنطن. وهي مأساتنا الكبرى، المستعصية منذ عقود طويلة. ويضيف عموما المخطط الأمريكي في المنطقة ليس بالضرورة أن يتم في الاشهر القليلة القادمة بل يمكن أن يتم هذا العام أو العام القادم أو الذي يليه وذلك وفق برنامج الولايات المتحدة ورؤيتها بأن الظروف الإقليمية والدولية مهيأة الآن لتنفيذ المخطط.. وحديث المؤرخ الأردني هذا يستبعد أي رد فعل عربي حقيقي لعدة اسباب موضوعية ابرزها أن التصدي للقوة الأمريكية ممكن في حالة واحدة وهي: تشكيل تحالف عربي من دول الطوق بالإضافة إلى العراق، منوها أن هذا الخيار مستحيل حسب قوله أما لماذا فلان التجارب العربية السابقة تؤكد دائما وجود هوة ثقة واسعة بين الانظمة العربية. ولا يكترث الدكتور كثيرا للقول بأن تحرك الدول العربية لصالح الولايات المتحدة سيدفع إلى تخلخل وضعها الداخلي. ويقول إن واشنطن اختبرت الشارع العربي وقدرة الحكومات العربية على ضبط ايقاعه بالصورة المرغوبة، بالإضافة إلى أن المسئولين الأمريكيين الحاليين لا يعيرون اهتماما كبيرا للشارع العربي، وان ما يمكن أن يؤثر عليهم هو موقف انظمة الحكم العربية، وهذه المواقف كما تأكد للجميع على مدار ثلاثة اسابيع على الأقل تدور في حلقة الخوف والرعب الشديدين من أمريكا. وهذه الفوضى السياسية في المنطقة العربية لا تنسحب على الدول الحليفة لامريكا بل إن الدول العربية «المارقة- والراعية للارهاب» على حد منظار واشنطن تتعامل مع بعضها البعض وفق ذات النظرة ومن هنا يقول ردا على سؤال أن المنطق يستدعي القول بأننا سنشهد على المدى المنظور تحالفا ايرانيا سوريا لبنانيا عراقيا للتصدي للغطرسة الأمريكية: إن ليس بالضرورة، فالعرب لديهم من العقد النفسية والخلافات وعدم الثقة فيما بينهم ما يحول دوما دون ادراك خطورة ما يتحرك حولهم، ودون ادراك الحاجة الماسة للتعاون وهناك العديد من الشواهد المعاصرة وما يفترض منطقيا ان يتم حتى لو كان الامر يتعلق بالعروش والانظمة ويهددها.