من جديد اندلع الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومرة اخرى تقوم الادارة الأمريكية بإلقاء اللوم على طرف واحد فقط، هو الطرف الفلسطيني. ففيما تقوم القوات الإسرائيلية، باجتياح المدن والقرى الفلسطينية يدعو الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته ياسر عرفات الى المبادرة بإنهاء الأعمال «الارهابية» ضد إسرائيل، بما في ذلك الأعمال التي تقوم بها جماعات لا تخضع لسيطرته بشكل مباشر. فما ينظر اليه في الولايات المتحدة على انه موقف عادل ومحايد، تنظر اليه جميع دول أوروبا والعالم، وليس دول الشرق الأوسط وحدها، على انه دعم أمريكي مطلق للاعمال الهمجية والغوغائية التي تقوم بها إسرائيل. وفي واقع الأمر فقد تسبب الرئيس الأمريكي جورج بوش، في ضوء دعمه المطلق لإسرائيل، في ايجاد تحالف عربي يدعم العراق ضد الولايات المتحدة. كما ان الصراع العربي ـ الإسرائيلي ادى الى حدوث انقسامات بين الولايات المتحدة وحلفائها الاوروبيين بشأن الحرب ضد تنظيم القاعدة. ولا يسع المرء الا ان يتمنى ان تؤدي المعارضة الدولية للسياسات الأمريكية بشكل متدرج الى اعادة تقويم العلاقات بين أمريكا وإسرائيل لصالح الطرفين. لقد مرت العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية بمرحلتين. في المرحلة الأولى، التي بدأت منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 حتى حرب 1967، كانت واشنطن تقدم الدعم لإسرائيل، في ضوء سياسة أمريكا الأوسع نطاقاً بشأن الشرق الأوسط، وفي ضوء الاستراتيجيات الدولية. فعلى الرغم من ان ادارة ترومان كانت تدعم قيام إسرائيل، الا ان ادارة ايزنهاور عارضت محاولة إسرائيل وفرنسا وبريطانيا للاستيلاء على قناة السويس المصرية عام 1956، وبعد حرب 1967 بين إسرائيل وجيرانها العرب، وقفت معظم الدول العربية بجانب الاتحاد السوفييتي السابق، وتكونت كتلة من الدول الشيوعية ودول العالم الثالث في الأمم المتحدة لمناهضة إسرائيل والولايات المتحدة بشكل روتيني. فإسرائيل والولايات المتحدة حينذاك اضحتا حليفتين، بحكم طبائع الامور. وبعد سقوط سور برلين، لو كانت هناك اعادة تقويم عملية للموقف، لكان اتضح ان إسرائيل لم تعد تمثل حليفاً ذا قيمة كبيرة لأمريكا. ولكن على مدار أكثر من عقد من الزمان أخذت السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل تعتمد على السياسة المحلية الأمريكية بالقدر ذاته الذي تعتمد فيه على الاستراتيجية الأوسع نطاقاً للولايات المتحدة، وذلك لأن اللوبي المناصر لإسرائيل أضحى هو الأقوى في واشنطن. وهذا الدعم الأمريكي لإسرائيل ـ بصرف النظر عما تمارسه من سياسات ـ أعطى الضوء الأخضر لليمين الإسرائيلي المتشدد لكي يستخدم وسائله القمعية الوحشية ضد الفلسطينيين بل وضد عرب عام 1948 الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية. وبينما لا تشير وسائل الاعلام الأمريكية الى الأمر إلا نادراً، فإن الحقيقة تظل أن إسرائيل تحتل الأراضي الفلسطينية منذ 35 عاماً، وتنكر حقوق ثلاثة ملايين فلسطيني، وتحكمهم بكل وحشية. ويبدو من العسير ان نضفي على القضية طابعاً انسانياً في الوقت الذي يقدم هذا الدعم غير المستحق لمثل هذه السياسات. هل آن أوان انطلاق مرحلة ثالثة في العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية؟ فبينما ينبغي لأمريكا ان تواصل العمل على ضمان بقاء دولة إسرائيل في اطار حدود معترف بها دولياً، آن الأوان للاعتراف بأن مصالح إسرائيل لا تتماشى دائماً مع مصالح أمريكا كما تتماشى معها مصالح الدول الاخرى الحليفة لواشنطن مثل بريطانيا واليابان. وبعد انتهاء المرحلة الاستعمارية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، اصبح اهم معيار للأمور ـ حتى أهم من حقوق الانسان ـ هو مبدأ تقرير الدول لمصائرها، والذي يعني انه لا ينبغي ان يُحكم اي مجتمع ضد ارادته من قبل اجانب. الاعتبارات العملية لا تسمح لكل امة ان تكون لها دولة. وعلى الرغم من ذلك فإن حق تقرير المصير هو المبدأ الذي برر استقلال كل من أمريكا وإسرائيل عن الامبراطورية البريطانية، وهو المبدأ نفسه الذي يبرر تحرير الفلسطينيين من نير إسرائيل. وليست هناك حاجة للقول انه عندما تلحق دولة فلسطينية ذات سيادة بركب الدول المستقلة، فإنه يجب عليها ان توافق على التخلي عن التكتيكات الثورية وتلتزم بمعايير ومبادئ القانون الدولي والدبلوماسية الدولية، كما فعلت أمريكا عام 1775 وكما فعلت إسرائيل عام 1948. وعند صياغتهم لاستراتيجية جديدة للشرق الأوسط تقوم على مصلحة شخصية مستنيرة، يمكن للأمريكيين ان يسترشدوا بمبادئ قديمة قدم الجمهورية الأمريكية ذاتها. ففي عام 1793، أصدر الرئيس الأمريكي الاسبق جورج واشنطن اعلاناً يفيد باتخاذ موقف أمريكي محايد تجاه كل من فرنسا وبريطانيا اللتين كانتا في حالة حرب وقتها. وقام حزب أمريكي قوي يناصر فرنسا بشن حملة مفادها ان كلاً من فرنسا وأمريكا تشتركان في قيم ومُثل جمهورية ليبرالية واحدة، ودعا الى العودة الى التحالف الفرنسي ـ الأمريكي الذي كان موجوداً ابان الثورة الأمريكية. ولكن الكسندر هاميلتون، أول وزير للخزانة في أمريكا وأكبر مفكر في السياسة الخارجية بين مؤسسي أمريكا الأوائل قال انه «ربما يقوم فرد في مواقف متنوعة، بالانخراط في مشاعر من الكرم أو حب الخير بدافع الحصول على تقدير أو مكافأة، ليس فقط من دون ان ينتبه لمصلحته الشخصية ولكن حتى على حساب هذه المصلحة. ولكن لا يمكن، إلا نادراً، تبرير ان تسلك أي حكومة مثل هذا المسلك. وقال هاميلتون محذراً اننا (الأمريكيون) ينبغي ان نكون حريصين على الا «نغالي في تقدير الصداقات الاجنبية ونعطي لها قدراً اكبر مما تستحقه، وان نأخذ حذرنا من الارتباطات الاجنبية.. فالنفود الاجنبي هو بحق بمثابة حصان طروادة الذي يمكن ان يهدد أي جمهورية». وبعد مرور قرنين على تلك المقولة، لا يمكن أن تكون هذه النصيحة الآن أكثر فائدة للشعب الأمريكي. عن «نيوزويك»