في عام 1958، وفي ذروة حرب التحرير الجزائرية، حينما بدأ العرب يفجرون اهدافا فرنسية في الجزائر، وفيما كانت باريس توافق ضمنيا على ممارسة التعذيب ضد الجزائريين على يد الجيش الفرنسي، وفيما كان قادة هذا الجيش، يطالبون باطلاق أيديهم والسماح لهم بفعل كل ما يريدون لانهاء «الارهاب»، نشر الفيلسوف الفرنسي ريمون آرون كتيبا بعنوان «الجزائر والجمهورية» ومن دون ان يهتم بأقوال اي من طرفي هذه الحرب، شرح ارون، بتحليله الهادئ، الاسباب التي تجعل فرنسا مضطرة للتخلي عن احتلالها للجزائر. ففرنسا لم تكن لديها لا الوسائل ولا الارادة لفرض الحكم الفرنسي على العرب في الجزائر ولا لان تعطيهم حقوقا مساوية لتلك التي يتمتع بها الفرنسيون داخل فرنسا. واذا ما بقي الفرنسيون في الجزائر فان الازمة لن تتحرك الا باتجاه المزيد من التدهور، وبالتالي سيصبح من المحتم عليهم بشكل اكبر ان يبادروا بالتعجيل بالرحيل ـ لكن في ظل ظروف اكثر سوءا بالنسبة لهم، وبعد ان يتركوا في الجزائر تركة اكثر مرارة. كما ان الضرر الذي كانت فرنسا تسببه للجزائريين لا يفوقه الا الضرر الذي يسببه الفرنسيون لبلادهم ذاتها وبغض النظر عن ان القرار كان يبدو مستحيلا لهم، فلا بديل عن صيغته البسيطة ومفادها ان فرنسا يجب ان ترحل. بعد مرور اربع سنوات على كتيب ارون هذا، اخرج شارل ديجول جيوش دولته من الجزائر قبل ان تتأزم الامور اكثر. وبعد 50 عاما من الاضطهاد والاستغلال البشعين في جنوب افريقيا، سلم البيض السلطة للاغلبية السوداء، التي حلت محلهم من دون اعمال انتقا منهى تراث الاستبداد الابيض. فهل الشرق الاوسط مختلف جدا عن باقي العالم؟ وجهة النظر الفلسطينية تقول ان القياس بالاستعمار ينطبق على حالتهم، وان السوابق الخارجية تنطبق على وضعهم، غير ان الاسرائيليين يصرون على رفض هذا الطرح. ان معظم الاسرائيليين لا يزالون رهائن قصة تفردهم عن العالمين. وبعضهم يرى ان هذا التفرد نابع من وجود دولة يهودية قديمة جدا في الاراضي التي توجد عليها اسرائيل اليوم. اما غيرهم فيرون انه نابع من وعد الهي لهم بامتلاك اراضي «يهودا» و«السامرة» فيما يكرر اخرون سرد حكايات الهولوكوست والزعم بانها تخول اليهود تعويضا لهم من المجتمع الدولي. وحت الذين يرفضون منهم مثل هذه المزاعم بحقوق خاصة يقولون ان الجغرافيا تلعب دورا حاسما في الدفاع عن تميزهم. ويقولون اننا نعاني من نقاط ضعف كبيرة، واننا محاطون بالاعداء، واننا لذلك لا نستطيع ان نجازف بارتكاب اي خطأ، ولو كان الخطأ الوحيد، لأنه قد يكون الاخير، فالفرنسيون كان بمقدورهم ان ينسحبوا، ليبقى المتوسط فاصلا لهم عن الجزائر، وجنوب افريقيا بلاد شاسعة، اما نحن فليس لنا اي مكان نذهب اليه. واخيرا، وراء كل رفض اسرائيلي للرضوخ لحتمية القرارات الصعبة، يوجد الدعم الضمني الامريكي لهذا الرفض. وفي مقابل هذا، فان اسرائيل منذ حرب 1967 قد تغيرت بشكل يجعل من وصفها لنفسها سخيفا. انها الآن قوة استعمارية اقليمية، ويعتبرها البعض رابع اقوى كيان عسكري في العالم، وامتلكت كل مقومات الدولة، وفي المقابل فان الفلسطينيين ضعفاء فعلا. ومهما كان ما يقال عن فشل للسلطة الفلسطينية و«الارهاب» الفلسطيني، فان الحقيقة هي ان اسرائيل تمتلك ـ لو ارادت ـ المبادرة السياسية والعسكرية معا. ولهذا فان المسئولية في التحرك وتجاوز المأزق الراهن تقع اساسا على كاهل اسرائيل لكن الاسرائيليين يتعامون عن كل هذه الحقائق. ان اسرائيل لم تعد تشكل خطرا دائما على سوريا او حزب الله في لبنان او الجناح العسكري لحماس او غيرها من المنظمات. بل على العكس، لقد تنامت هذه المنظمات بفضل رد فعل اسرائيل على هجماتهم. لكن اسرائيل تكاد تنتهي من تدمير السلطة الوطنية الفلسطينية. فبعد ما حدث، مؤخرا، فان اي سياسي فلسطيني احمق بما فيه الكفاية ليصدق كلام اسرائيل سيصبح منبوذا، لقد نجحت اسرائيل في حرمان نفسها من اي شريك فلسطيني ذي مصداقية. هذا هو الانجاز المميز الذي حققه شارون، الهوية المظلمة لاسرائيل. فهذا الانسان الذي كان مشئوما بين العسكريين الاسرائيليين، نتيجة فقدانه للكفاءة الاستراتيجية ـ فنجاحه التكتيكي في حربه بالدبابات ضد الفلسطينيين لم يقابله اذن أي تقدم على صعيد الصورة الاوسع نطاقا ـ ولقد أثبت شارون أنه سييء بالقدر الذي توقعه الكثيرون منا. فقد كرر (أو في حالة طرد عرفات، حاول ان يكرر) كل أخطائه خلال الاحتلال الاسرائيلي للبنان، بل وحتى الخطابة نفسها. وفي الوقت نفسه، وبيده هو، نجح في رفع موقع عرفات الدولي الى اعلى مستوى منذ سنين طويلة، لكن اذا ما نفذ رغبته بالتخلص من عرفات واستمر منفذو الهجمات بالقنابل على تنفيذ عملياتهم، فما الذي سيفعله شارون؟ وما الذي سيفعله شارون حينما يجد ان الشبان العرب داخل اسرائيل نفسها وبفعل معاملة اسرائيل لاقاربهم في جنين ورام الله، يتطوعون لتنفيذ عمليات «انتحارية»؟ هل سيرسل بالدبابات الى الجليل؟ ام انه سيضع اسيجة مكهربة حول احياء العرب في حيفا؟. ان شارون والمؤسسة الاسرائيلية السياسية ـ وبدون ذكر المفكرين الليبراليين الذين غسلوا ايديهم من أي مسئولية لهم ـ هم المسئولون اساساً عن الازمة الراهنة، لكنهم ليسوا المسئولين الوحيدين حصراً. إذ أن الولايات المتحدة هي طرف مشارك في ايجاد هذه الكارثة سواء اعترفت بذلك او رفضت الاعتراف ذلك ان الاسرائيليين يفترضون مسبقاً ودوماً ان لديهم شيكاً موقعاً على بياض من واشنطن. ان كل مبادرات السلام في الشرق الاوسط طوال 30 عاما مضت أتت بمبادرات من واشنطن. لماذا اذن تجاهلت ادارة بوش هذا الوضع طوال هذا الوقت مثيرة سخطا دولياً ومهددة نفوذها المستقبلي في المنطقة؟ عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»