تملأ الادارة الامريكية الدنيا بالحديث عن خشيتها من تعرض المدن الامريكية الكبرى لموجات من الهجمات بالأسلحة الجرثومية التي قد تحصد أرواح الملايين. وقد مضت السلطات الامريكية قدماً فأعدت سيناريوهات مختلفة لمواجهة هذه الاحتمالات . وعلى الرغم من حملات واشنطن المناهضة لتطوير اسلحة الدمار الشامل، الا انها تلتزم الصمت المطلق ازاء ما لدى اسرائيل من اسلحة تقدر بما لا يقل عن 400 قنبلة نووية. ومؤلف هذا الكتاب هو بروفيسور ليونارد كول الاستاذ المساعد للعلوم السياسية والتقنية بجامعة روتجرز ، وقد حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا عام 1961 وعلى الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا عام 1970 وله العديد من الابحاث والمؤلفات في موضوع هذا الكتاب. في أثناء تحليقه على متن الطائرة فوق المحيط الهادي كانت تنتاب كيل اولسون مشاعر متضاربة، كان ميمما وجهه صوب طوكيو التي اطلق في احدى محطات المترو بها غازات السارين السامة، قبل ذلك بثلاثة ايام وتحديدا يوم العشرين من مارس 1995. لقد كان توقع اولسون حدوث شيء مماثل. وعلى الرغم من ان معرفته المسبقة منحته شعوراً بالرضا، لكنه كان يأمل في أن تكون توقعاته خاطئة. لقد ادى الهجوم بالسارين السام الى وفاة 12 راكبا واصابة 5500 بحالات مختلفة في المحطة بطوكيو. وكان أولسون الذي لم يتجاوز عامه الاربعين، وتبدو ملامحه طفولية، يعمل نائبا تنفيذيا لرئيس معهد التحكم بالاسلحة البيولوجية والكيماوية. وهي مؤسسة خاصة في الكسندريا بولاية فرجينيا الامريكية. وما ان وصل ومعه رئيس المعهد، مايكل مودي، الى طوكيو حتى حوصر بالتساؤلات حول مدلولات الحادث بالنسبة للولايات المتحدة. واراد اولسون ان يكتسب فهما كاملا باجراء مباحثات مع المسئولين اليابانيين. ولا شك فإن زيارة سابقة لمدينة موستوموتو اليابانية في ديسمبر الماضي أوحت اليه بتلك الخاطرة في المقام الأول. من موتسوموتو الى طوكيو احتل حادث طوكيو مانشيتات الصحف في معظم انحاء العالم، لكنه لم يكن غاز السارين الاول الذي يطلق في مدينة يابانية. وكانت موتسوموتو السباقة في تسجيل وقوع حادث مماثل. وتعد هذه المدينة الواقعة على بعد مئة ميل الى الغرب من طوكيو، منتجعا جبليا يبلغ سكانه 200 الف نسمة. وفي السابع من يونيو 1994 وفي العاشرة والنصف مساء بدأ السكان يشعرون بالعياء. وقال البعض ان الاعراض بدأت بشعور غريب في العينين والحنجرة واعرب الكثيرون عن شكواهم من الشعور بالغثيان والقيء وبصعوبة في التنفس وكان الامر كما لو ان الانسان يضع نظارات سميكة. وبدت الاشكال أو المناظر مشوشة. ويتذكر احد الضحايا: «بدأت اسمع اشياء، واصبت بالغثيان، وتحلل الضوء ليصبح عدة ألوان». وعثر رجال الانقاذ على العشرات من الاشخاص غائبين عن الوعي، بينما شعر اخرون بالغثيان وبصعوبات في التنفس، وفي اليوم التالي كان نحو سبعة اشخاص قد لفظوا انفاسهم، في حين ان 200 شخص غيرهم كانوا يعانون من اعياء مرضي. وانتشرت في الشوارع طيور ميتة وكلاب وقطط لفظت انفاسها وفي بركة اسماك طفا السمك على وجه الماء، بعد ان نفق. وقال شهود ان غمامة غريبة هبطت على المدينة خلال الليل، واصيب المسئولون بالارتباك لأن المنطقة لا يوجد فيها أي مصنع كيماوي. وعلى الرغم من ان وسائل الاعلام الخارجية لم تول الحدث اهتماما كبيرا فان الصحف اليابانية واصلت منح الحادث تغطية واسعة. وقالت صحيفة «مينتشي» ان الاطباء عثروا على مستويات منخفضة مثيرة من «الاستيلكولينستيراس» ويعرف ان الانزيم ضروري للحفاظ على نشاط الجهاز العصبي طبيعيا، وافترضت النتائج ان الحادث ناجم عن التعرض لمادة «الاورجانوفوسفات» التي تخفض مستويات الانزيم. والمعروف ان الاورجانوفوسفات هي مكونات توجد في بعض المبيدات الحشرية وجاء في مقالة نشرتها صحيفة «مينتشي» ان الشرطة شكت في رجل يقطن في الجوار كان يقوم بمزج مواد كيماوية لصنع مبيد حشري لرشه في الحديقة. ويعرف ايضا ان الاورجانوفوسفات يشكل احد مكونات غاز الاعصاب، لكن ذلك لم يذكر في المقالة. بعد يومين، تبين ان المشتبه به بائع معدات زراعية كان اول شخص ينقل الى المستشفى. وفي سريره في المستشفى نفى اتهامات الشرطة، وقالت صحيفة «مينتشي» انه «اذا كان الرجل يقول الحقيقة، فان الامر ربما يكون قد وقع بسبب حادث» وحملت القصة التي اوردتها الصحيفة عنوان «لغز الغاز السام».وفي الرابع من يوليو اعلن ان الغاز هو السارين. وصور على أنه حادث عرضي، واعتمد في تشخيص السارين استنادا الى تحليل الماء الموجود في بركة عند منزل المتهم. وافترض مؤرخ علوم ياباني ان المشكلة اعتمدت على المصادفة، وقال: «من المعقول تماما ان الغاز انطلق نتيجة مكونات جرى التخلص منها في البركة». وواصلت السلطات اليابانية التحقيق في الامر بينما رأت ان ظهور غاز السارين كان ناجما عن حادث عرضي. وفي الوقت ذاته اعترف محققون بجهلهم تجاه ذاك العنصر وذكروا انهم اجروا تحقيقات خارج اليابان لمعرفة المزيد حوله. بعد شهرين من الحادث تراوحت التخمينات بين تسرب غاز من قنابل من مخلفات الحرب العالمية الثانية الى قيام كوريا الشمالية بشن هجوم ضد اليابان، وتركت الزيارة التي قام بها كيل اوسلون في ديسمبر 1994 انطباعا لديه مختلفا عن ذلك الذي قدمته السلطات اليابانية. ورأى ان التحقيقات التي قامت بها الاستخبارات اليابانية وجهاز مقاومة الارهاب قد تكون حدثت بعيدا عن الرأي العام، ولكنه كتب في تقرير عقب زيارته لليابان يقول: يشار الى حادث موتسوموتو عادة من قبل السلطات اليابانية ووسائل الاعلام في اليابان على انه حادث عرضي ولكن هناك أدلة مؤكدة تفيد انه مهما كانت القصة كاملة في تلك الليلة من شهر يونيو، فإن الاحداث في تلك المدينة الصغيرة لم تكن سوى مصادفات عرضية. ولكن هذه القضية بحاجة الى المزيد من الانتباه، باعتبارها قضية خطيرة تستدعي مرحلة تالية من الرعب الارهابي. ثلاثة أسباب اعتبر أولسون الحادث عملاً متعمداً وجرى التخطيط له باحكام لثلاثة اسباب اولاً: على الرغم من ان انتاج السارين لم يكن صعباً بالنسبة لكيماوي ولا حتى انتاجه الذي يعد عملاً تافهاً فإن المادة الاصطناعية لم تكن شيئاً يمكن القيام به عن طريق الخطأ او الصدفة. ثانياً: على الرغم من ان يونيو شهر ماطر بطبيعته في اليابان، فقد تم توقع ايام عديدة جافة قبيل وقوع الحادث، ويعرف ان السارين لا ينتقل بعيداً في الجو الجاف ولقد كانت التنبؤات الجوية دقيقة للغاية ورأى أولسون ان «شخصاً ما توقع اختلافاً في الطقس واستغل الفرصة». واخيراً، فإن غياب حاوية لنقل او توليد غاز الاعصاب «يشير الى جهد مخطط لاخفاء هوية الجهة المسئولة». والواقع أن احداً لم يعلن مسئوليته عن اطلاق الغاز، واوحى ذلك لأولسون بأن الحادث كان عملاً تجريبياً وفي النتيجة جاء في تقريره ان: «الاشخاص المسئولين عن حادثة موتسوموتو يتفهمون ان كمية كبيرة من غاز الاعصاب تطلق في اجواء دافئة في موقع حضري مزدحم، مثل مخازن جنزا، او نظام مترو انفاق رئيسي، يمكن ان يؤدي الى نتائج كارثية. واكتفت السلطات اليابانية بالقول انها تواصل التحقيق في اتجاهات عدة لكن تقريراً اخبارياً اذيع في التاسع عشر من مارس 1995، اي بعد 9 اشهر من الحادثة، اشار الى ان السلطات اليابانية مقتنعة الآن بأن هجوم موتسوموتو كان عن قصد وسبق اصرار والاكثر من ذلك فقد اعتقدوا ان الحادثة كانت تجربة قام بها ارهابيون. وبدا توقيت القصة غريباً ففي اليوم التالي أطلق عنصر غاز اعصاب من محطة مترو انفاق في طوكيو، وتعرفت الشرطة بسرعة على العنصر باعتباره غاز السارين واثبتت تجربة موتسوموتو في الحقيقة انها استعداد لشن الهجوم في طوكيو. وترددت انباء الهجوم الذي شهدته طوكيو في كل مكان، وذكر المانشيت الذي نشرته صحيفة «ديلي نيوز» النيويوركية قراءها بضعفهم ازاء مثل هذه الهجمات، وقالت: «ان هجوم غاز الاعصاب في طوكيو يكشف عن حقيقة مريعة في نيويورك، وهي ان المدينة ليست مستعدة لمواجهة اي اعمال ارهابية كيماوية».وعندما حطت طائرة خطوط اوليمبوس الجوية في رحلتها من اثينا الى مطار كيندي لم يتمكن الركاب من مغادرة الطائرة طوال ثماني ساعات بعد ان ذكر ان هناك قنبلة غاز سام على متنها، وكان لابد من فحص الطائرة وتفتيشها تفتيشاً دقيقاً وفي النهاية لم يعثر على شيء، وسجلت القضية تحت تصنيف «انذار كاذب». وذكرت صحيفة «ريكورد» في نيوجيرسي ان الشرطة كانت تقوم بدوريات على طول خط الانفاق بين هوبوكن ونيويورك سيتي «بحثاً عن طرود غير عادية» ووجهت الاوامر للموظفين في الانفاق بأن يكونوا على أهبة الاستعداد تحسباً لوجود اي شيء غريب او مثير للشبهات وسعت مدن اخرى لتبديد مخاوف مواطنيها والركاب فيها. واعلنت سلطات انفاق متروهات لندن انه تم العمل «بالاجراءات المضادة للارهاب المعمول بها منذ امد طويل» واطمأن ركاب متروهات في موسكو الى انه تم انشاء «حجرات آمنة» لتفكيك اي قنابل لم تنفجر. أين الحقيقة؟ حتى قبل حادث طوكيو اصبح المحققون اليابانيون يشتبهون بجماعة دينية يطلق عليها اسم «أوم شينريكيو» (الحقيقة العليا) بأنها ضالعة في حادث موتسوموتو وبعد أيام قلائل من هجوم طوكيو فتش رجال الامن اليابانيون مجمع أوم شينيريكو قرب جبل فوجي واكتشفوا هناك اطناناً من المواد الكيماوية التي تلزم لصنع غاز السارين والمواد السامة الاخرى. وفي الاسابيع التالية، تم اعتقال ابرز عناصر المجموعة الدينية التي يتجاوز عدد اعضائها الـ 10 آلاف شخص، ويشمل ذلك العضو القيادي الكارزمي شوكو آزاهارا. ويعرف ان العديد من اعضاء هذه المجموعة حاصلون على درجات علمية عالية وتمكنوا من بناء المصانع الكيماوية، حيث يتم انتاج السارين والعناصر الاخرى في مجمع أبنية الجماعة واعترفوا خلال الحجر في مركز الشرطة بالمسئولية عن اطلاق غاز السارين في موتسوموتو وطوكيو. وقال قادة الجماعة ان الهجوم الذي وقع في نفق القطارات في طوكيو كان بواسطة السارين المعبأ في احد عشر كيساً مختوماً ودس اعضاء جماعة اوم الاكياس في 5 عربات من قطارات مترو الانفاق خلال ساعة الذروة، وعندها قاموا بخرق الاكياس مستخدمين رؤوس مظلات مدببة.وتوصلت لجنة تحقيقات امريكية منبثقة عن مجلس الشيوخ الى ملاحظات تحبس الانفاس، ومفادها ان خطأ في تحضير غاز السارين وفي تدني مستوى جهاز الرش ادى الى التقليل من عدد الضحايا. وابلغ خبراء في الاسلحة الكيماوية اعضاء اللجنة بأنه لولا تلك الاخطاء للقي عشرات الآلاف مصرعهم بسهولة في انفاق المترو المزدحمة بالركاب ويستخدم ما لا يقل عن خمسة ملايين ياباني هذه الانفاق يومياً. واكتشفت اجهزة الامن اليابانية خلال تفتيش مجمع سكني تابع لجماعة أوم ادلة دامغة على تورط هذه الجماعة بتطوير اسلحة جرثومية ايضاً واكتشفت كميات ضخمة من بكتيريا تسبب التسمم مخزنة في 160 برميلاً، واستخدمت لتوليد المزيد من البكتيريا وتنتج هذه البكتيريا المواد السامة بكميات محدودة وخزنت فيما يمكن تشبيهه بترسانة حرب بيولوجية. أما العناصر البيولوجية الأخرى فقد انتجت في مبنى خاص لجأت السلطات اليابانية الى اغلاقه لم يدخله أحد الا في نهاية العام 1995 بسبب مخاوف من وجود مواد خطرة فيه. لقد كان الدافع وراء هجوم طوكيو غريباً فقد عثرت الشرطة اليابانية على وثائق في ملفات جماعة أوم تتنبأ بأن هجمات الغاز ستسهم في قتل نحو 90 في المئة من سكان المدن الكبرى، وان العالم سيتعرض لنازلة كبرى في العام 1997. ولن يبقى على وجه الارض سوى أعضاء الجماعة. ولم تكن حادثة طوكيو سوى تجربة باتجاه تحقيق هذه النبوءة، وآمن زعماء هذه الطائفة بأن معظم سكان الارض سيختفون في حمام من الحرب الكيماوية والجرثومية التي ستمهد لها أوم. وفي الاسابيع التي اعقبت هجوم طوكيو، وقعت حوادث هجمات كيماوية مشبوهة. ففي التاسع عشر من ابريل ظهرت ابخرة ذات رائحة غريبة في محطة القطارات الرئيسية في يوكوهاما ونقل أكثر من 500 شخص الى المستشفيات لاصابتهم بالتهابات في الحنجرة والسعال واعراض اخرى، وبعد يومين ظهرت أبخرة في محلات كبرى للبيع في يوكوهاما ونقل نحو 25 شخصا الى المستشفى وهم يعانون من مشكلة مماثلة. في الخامس من مايو عثرت عاملة تنظيفات على كيسين بلاستيكيين في غرفة استراحة في محطة مترو انفاق مزدحم. وتأكد رجال الأمن ان عناصر من طائفة اوم قاموا بوضع الكيسين في المحطة. الاول كان مملوءا بصوديوم السيانيد والثاني بحمض الكبريتيك وجهز الكيسان للثقب بواسطة محفز اوتوماتيكي لاندماج الكيماويات التي ستنتج غاز السيانيد. ووضع الجهاز بالقرب من نافذة للتهوية تحتوي على مروحة تصل انابيبها الى منصة وقوف القطارات. فلولا تدخل تلك العاملة لكان آلاف المسافرين قد لفظوا انفاسهم الأخيرة. وواجهت الشرطة اليابانية اخفاقاً في كشف الجهة الحقيقية وظنت ان هناك اشخاصا كانوا يقلدون طائفة «أوم شينديكيو» في الحوادث الماضية. وانها على حد شكوكهم، لم تكن وحدها الضالعة في كل تلك الحوادث. ولكن الشيء الذي لا يمكن اغفاله هو أن نمطاً جديداً من الاعمال الارهابية بدأ يتمخض ويضرب جذوره في الارض. في أوكلاهوما سيتي اما بالنسبة للامريكيين فقد غطى حادث تفجير المبنى التجاري في اوكلاهوما سيتي على الاحداث الخطيرة في اليابان حيث ادى تفجير شاحنة داخل المبنى الى مصرع 169 شخصا وهو الحادث الارهابي الذي لم تشهد الولايات المتحدة له مثيلاً على اراضيها من قبل واستمر التلفزيون القومي الامريكي يعرض عمليات انتشال الجثث لاسابيع وباتت العمارة العملاقة المهشمة صورة تطغى على تفكير العامة. اعتقدت السلطات الامريكية ان الاشخاص الذين قاموا بتدبير عمليات التفجير ينتمون الى جناح يميني متطرف يعتبر الحكومة الامريكية غير شرعية وبدأت وسائل الاعلام والمسئولون الرسميون بالتركيز على المنظمات المتطرفة وتعزز قلقهم احتمال قيام هذه المنظمات بالمزيد من الاعمال الارهابية. وابرز حادث اوكلاهوما سيتي ارهاباً بالمتفجرات ولكن بعد شهر من وقوع حادث التفجير اظهرت تقارير اخبارية ان الارهاب الجرثومي والكيماوي لم يغب عن الذاكرة. ووجهت شرطة اوهايو اتهامات الى فني مختبرات يدعى لاري دبليو هاريس لتلقيه مواد مسروقة وحصوله على بكتيريا عن طريق الخداع.وكما ذكر سابقا فإن هاريس حصل على ثلاث قوارير تحتوي على البكتيريا التي تسبب الطاعون الدبلي وفي الخامس من مايو طلب الجراثيم من مؤسسة بيولوجية طبية في روكفيل في ماريلاند تعرف باسم «أمريكان ثايب كولتشر كوليكشن». وارسل الطلبية من تلك البكتيريا الى مختبر ابحاث وهمي وزعم انها لم تصله يوم 9 مايو كما كان يتوقع. وفي اجراء تمويهي فاشل اتصل بالمؤسسة الآنفة للذكر ليبلغها نفاد صبره ازاء التأخر في تسليمه الطلبية، لكن المسئولين في المؤسسة تشككوا في مصداقية هاريس، واتصلوا بمراكز السيطرة على الامراض وبوكالات حكومية اخرى. وقد أبدت هذه المؤسسات اهتمامها وتباعت الامر بفضول. وعندما حققت مراكز السيطرة على الامراض والوقاية منها مع هاريس حول احتياجه للبكتيريا قال انه كان يعتزم القيام بأبحاث جرثومية على فئران لمواجهة غزو عراقي بفئران تحمل طائفات جرثومية مطورة. وكشف زملاء هاريس في العمل أنه طالما تبجح علانية بأنه ينتمي الى العرق الابيض النقي. ولدى تفتيش منزله عثرت الشرطة على منشورات وعينات عنصرية معادية للاجناس الاخرى فضلاً عن شهادة عضويته في تنظيم يدعي تفوق الامم الآرية. وقال المدعي العام الامريكي ان آراء هاريس لا تتطابق مع القضية. لكن منظمات حقوق الانسان شعرت بانزعاج بالغ. وذكرت إحدى المنظمات ان هاريس يحمل في عقله اكثر من مجرد التحصن من صدام حسين! وفي يوليو اتهمت السلطات الامريكية هاريس في عمليات خداع هاتفية وبريدية وحكم عليه بالسجن لمدة 6 اشهر فقط. والحقيقة انه لو لم يجر هاريس اتصال متابعة مع مؤسسة «امريكان تايب» لما كان أثار أي ظنون. لقد كانت البكتيريا في طريقها اليه، وكانت شحنته مثلها مثل آلاف الشحنات التي ترسلها المؤسسة الى المختبرات العلمية المنتشرة حول العالم. وعلى سبيل المثال فان البكتيريا المسببة للطاعون الدبلي قد تكون مرغوبة لتطوير اللقاحات أو للتحقيق في دورة حياتها. وتستخدم جميع تلك الطائفات الجرثومية لاغراض مشروعة افتراضا وفي الابحاث وتعقيم المستشفيات والمعالجات الطبية لكن خطورتها تكمن في النوايا السيئة من استخدامها.