الملف السياسي:ان نسمع صوتا اوروبيا «غير عربي» يصف حالتنا العربية «الرسمية» بمفردات مثل: الغياب، التخاذل، التقاعس، الفرقة والاختلاف، تأخر التقنية العسكرية، تعرية اسرارنا، اهمال جمع المعلومات عن العدو، اهمال الشراكة مع قوى اخرى مناهضة للسيطرة الامريكية لعمل معادلة، الدخول في معاهدات مع حامي الحمى لألد اعداء العرب والمسلمين، وفتح اراضينا وبحارنا لقواتهم، والتنازل عن اوراق ضغط عليهم، ماذا يتبقى لنا بعد ذلك ان نقوله للقارئ العربي الذي يحترق غضبا وحزنا ونحن كذلك، وهل بقي لنا دور نحن معشر المشتغلين في مختلف وسائل الاعلام العربية؟.. نعم، نوقظ الضمائر ونبحث عن الحقائق في مشارق الارض ومغاربها، عسى ان تحدث المعجزة، وتتفجر صحوة عربية تدحض الخطط والافعال الاجرامية لشارون، وامثاله ومن يسانده في امريكا وغيرها. حول الحرب الشارونية ومستقبل النظام الاقليمي العربي، نستكشف من أوروبا مدى تأثير الحرب الشارونية الجديدة ضد الفلسطينيين واعادة احتلال اراضي السلطة، وغيرها من العناصر ذات الصلة، التقى «الملف السياسي» في هولندا بالدكتور «خووس ريتفيلد» اليساري الناشط في حقوق الانسان والباحث السياسي في متغيرات السياسة الدولية في امستردام. تالياً نص الحوار: ـ هل لحالة الموقف العربي الرسمي دور في استمرار الوحشية العسكرية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين؟ ـ بدون ادنى شك.. فغياب الارادة السياسية العربية الرسمية.. عدم تصديها بحزم للافعال الاسرائيلية.. احجام الحكومات العربية عن اتخاذ موقف عربي موحد يعلن على العالم كله دون تباين في الرأي، رضوخها لسياسة الابتزاز الامريكية باستخدام اوراق المصالح.. التقدم النووي الاسرائيلي في مقابل تأخر العرب عن حيازة تقنية صناعة الاسلحة النووية.. كشف اسرار بعض الاراضي العربية على الطبيعة والدخول مع امريكا واسرائيل في تدريبات عسكرية مشتركة.. حالة استرخاء انشطة معظم الاستخبارات العربية ضد اسرائيل.. عدم الدخول مع الدول الآسيوية في اتفاقيات عسكرية مشتركة.. توقيع اتفاقيات عسكرية مشتركة بين دول عربية وامريكا.. تواجد قوات عسكرية امريكية برا وبحرا على اراضي وفي شواطئ عربية. والذي لا يقل خطورة عن ذلك هو: ان اعضاء منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها رئيس السلطة «ياسر عرفات» منذ مغادرتهم للاراضي التونسية ولبنان، وعودة بعضهم من أوروبا للاراضي الفلسطينية، والدخول مع الاسرائيليين في مباحثات سرية وعلنية، ووضع كل اوراقهم على طاولات المفاوضات في مدريد واوسلو، ودخول بعضهم في مباحثات جانبية مع وسطاء لصالح اسرائيل، وتنازلهم نهائيا عن خيار ضغط الفصائل الفلسطينية العسكرية على مصالح اسرائيل في الداخل والخارج، كل هذه الامور مجتمعة وغيرها من العناصر التي لا اريد كشفها في وقت نزيف دماء الفلسطينيين، ادت لحالة الوضع الراهن، وهي الخطة التي بدأت ابان فترة وجود الليكودي المتطرف بنيامين نتانياهو في السلطة، وامتدت الى العسكري العمالي «باراك» ووصلت للمرحلة التي نشهدها بتنفيذ العسكري الليكودي شارون لخطة اسرائيلية، من وجهة نظري هي ليست بالخطة الجديدة، وطالما هي تأجلت لعدة مرات لعدم ملاءمة الظروف التاريخية السياسية الدولية، الى ان حانت فرصة ما بعد 11 سبتمبر، وحدث ما نراه جميعا الآن. ـ نرى مؤشرات هذه الخطة ونتائجها الى الحد الذي وصلت اليه وفقا لما هو متوافر من معلومات.. لكن هل لها ابعاد اكثر من تصفية بعض قادة السلطة، واعادة احتلال الاراضي الفلسطينية؟ ـ بالطبع نعم.. وحينما انتشرت معلومات عن «سلام العرب مع اسرائيل..» وحملات اعلامية في معظم بلادكم العربية على المستوى الجماهيري تنمي هذه الفكرة، خفيت معلومات كثيرة كان ومازال من حق الشعوب ان تعرفها، اما اولى واخطر هذه الابعاد فهي: ان الاستراتيجية السياسية على جدول قائمة الاجندة الاسرائيلية تهدف الى توطين الشعب الفلسطيني، من في الداخل ومن في الشتات في الصحراء المصرية، ورفضت مصر ذلك العرض الاسرائيلي الذي كانت تضمنه امريكا بخطة مارشال سرية لبناء دولة للفلسطينيين، كما رفضت السعودية ذلك، وكذلك الاردن، هذا الرفض اكد للاسرائيليين ان المعركة بينهم وبين الفلسطينيين مستمرة، فكانت خطة القضاء على القيادات الفلسطينية هي الاجندة السرية الاسرائيلية، وما عمليات مفاوضات السلام الا لكسب الوقت، وتجميع قادة المقاومة الفلسطينية في المصيدة القائمة الآن لتصفيتهم، اما جسديا واما بث الاحباط واجهاض قدراتهم. اما البعد الثاني فهو: حرص اسرائيل على ان تنشغل الحكومات العربية في قضايا فرعية، وتبعد عن أسس الصراع، ولو لفترة زمنية، واتوقع ان الوضع الحالي سيرجع القضية الفلسطينية لربع قرن، حتى يحدث الآتي: 1ـ حدوث تغييرات في قيادات السلطة الفلسطينية، وهو امر اصبح حتمياً بفعل الاوضاع الراهنة بغض النظر عن كيف سيتم، بفعل اسرائيل، او بفعل الاوضاع الداخلية الفلسطينية. 2ـ لجنة تقصي حقائق، وسجلات لشهداء، وحملات عن الخراب والدمار الذي احدثته الحملات العسكرية الاسرائيلية. 3ـ جمع التبرعات لاعادة الإعمار وتشييد البنية التحتية من جديد. 4ـ مطالبات ومساجلات حول تبادل الاتهامات، والوقوع في شرك البحث عمن هم مجرمو الحرب حقيقة، وقضايا هنا وقضايا هناك. 5- اعادة الوضع الى ما قبل الحملة الشارونية. 6- البدء من جديد وفقاً للمتغيرات التي حدثت في مفاوضات سلام، لكن مع حكومة اسرائيلية جديدة، في ظل «راعٍ امريكي» جديد، ودعني لا اقول يرعى ماذا؟! اما البعد الثالث فهو: تغيير الديموجرافية السكانية والنفسية للفلسطينيين، فعدد القتلى الفلسطينيين الذي حدث يؤثر بدون شك على نسبة المواليد، وحول هذه النقط بالذات اذكر ان المخاوف الاسرائيلية من تزايد المواليد في الشعب الفلسطيني، يثير رعب اسرائيل من حدوث معادلة سكانية لا تريدها. ـ هل تتوقع تأثيراً على مستقبل النظام الاقليمي العربي؟ ـ لقد تحدثت عن عدد من النقاط ووصفتها بأنها ستستغرق حوالي ربع قرن، اسرائيل تلعب باوراق بعيدة المدى، وحققت منذ وفاة كل من ملك الاردن، وملك المغرب، والرئيس السوري، جزءاً من الهدف، وهي تنظر الآن لحدوث تغيير في مصر بقدوم نظام جديد، فحكومة الحزب الوطني في مصر، هي ارث ومزيج من اعداء لاسرائيل، فعبدالناصر كان عدواً لها اعتمد الحرب سياسة، وخليفته السادات اعتمد السلام سياسة، والاولى والثانية كانتا حروباً على اسرائيل، ولعلي اذكر هنا ان سياسة السادات افقدت الاسرائيليين اوراقاً كثيرة، واستمرار النظام الحالي في مصر برئاسة مبارك «العقلانية»، اضاعت وتضيع هي الاخرى فرصاً على جر مصر لحرب تريدها، حتى يتحول العنصر الزمني الذي تريده من ربع قرن الى 50 سنة، تطيل امد اسرائيل وربما تتمكن من الحصول على مكاسب جديدة!، وهي ـ تراهن ـ على وجود مزيد من الشباب رؤساء وملوك للعرب، اعتماداً على دراسات نفسية لدى جهاز الاستخبارات الاسرائيلية الموساد، بمساعدة قسم الدراسات النفسية في «المباحث الفيدرالية الامريكية إف بي آي» التي يسيطر عليها اليهود اكثر من غيرها من الاجهزة الاخرى، ولا اقول السي آي ايه في هذا الاطار، اعتماداً على ان صغار العمر اكثر حماساً ومن السهل الهاب مشاعرهم، وهو الامرالذي يسهل تفجير المنطقة العربية وجرها لحرب جديدة. ـ وما هي الخيارات الواجب على صناع القرار العربي طرحها للخروج من هذا الحصار؟ ـ المسألة يجب ان تكون اكثر من خيار امام الحكومات العربية، فيجب معرفة ان اسرائيل في معظم الظروف تصنع المناخ لخلق مشكلة او صراع تفجره، وهو نوع من الاستراتيجية السياسية، وطبعاً ليس لدي «وصفة دواء للعرب»، لكن ابسط الامور ان يتعلم العرب من اخذ زمام المبادرة في صراعهم مع اسرائيل، ولا اقصد بذلك الحرب، وانما في السلام، في طرح القضية بشكل جديد على اجندة السياسة الدولية، خلق خطاب اعلامي عربي ايضاً جديد، لعرضه باستمرار على الرأي العام العالمي، ليس في وقت تفجر المشاكل وارتفاع حدة الصراعات، وخلاصة القول انه على العرب التحرك وقائياً واستشرافياً، وقراءة السياسة والعقلية الاسرائيلية بأسلوب اكثر دقة.