الملف السياسي: بقدر ما أوضحت الحرب القذرة التي يشنها شارون على الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية، حالة الضعف التي وصل اليها النظام العربي الاقليمي بقدر ما أكدت هذه الأحداث مدى الحاجة العربية، الى هذا النظام قويا فعالا قادرا على الفعل والتأثير. فقد بينت الأزمة العربية الناتجة عن هذه الحرب محدودية القدرات العربية القطرية على الفعل وهو الأمر الذي كان يدعيه الكثيرون بالقول بأن الدول العربية منفردة تستطيع أن تؤثر وتحافظ على مصالحها بدرجة أكبر من قدرتها على تحقيق ذلك من خلال النظام العربي، فها هو الواقع يكشف عن عدم القدرة العربية القطرية على القيام بأي فعل يعتد به ليس لمساندة الشعب الفلسطيني في محنته فحسب ولكن في الحفاظ على مصالحه التي صارت موضع التهديد كذلك. كما أظهرت الأزمة زيف الفصل المتعسف بين الأمن القومي العربي والأمن الوطني للدول العربية، فواقع الحال اليوم يؤكد أن هناك ارتباطا وثيقا لا يمكن تجاهله من جانب أي صانع قرار سياسي رشيد عاقل بين الأمن الوطني للدول العربية منفردة، والأمن القومي العربي، فالتهديد الذي يتعرض له الانسان العربي والوجود العربي يشمل الجميع، ولا يفرق بين عربي وعربي على امتداد الوطن العربي كله، فإن كان أبو عمار محاصرا بالدبابات في مقره برام الله الأمر الذي يعيقه عن التحرك واتخاذ القرار فإن الكل على ما يبدو محاصر بدليل حالة الشلل شبه التام القائمة على مستوى القرار السياسي العربي، وإن شئنا الدقة لقلنا حالة اللاقرار العربي الراهنة. كذلك أوضحت الأزمة حقيقة سياسية هامة من حقائق السياسة العربية والتي كان البعض يحاول تجاهلها في الفترة الأخيرة وهي أن أحد المصادر الهامة لشرعية النظم السياسية العربية انما تستمد من دور هذه النظم على المستوى العربي ككل. من ناحية أخرى بينت الأزمة لأولئك الذين أضعفوا النظام العربي من قبل من خلال الممارسات الخاطئة كم كان ثمن اضعاف هذا النظام فادحا.ان الهدف من هذه المقدمة هو ايضاح الحقيقة حول النظام العربي الاقليمي الذي يحمله البعض مسئولية الحالة العربية الراهنة متناسين بقصد أو بغير قصد أن هذه الحالة هي نتاج طبيعي لممارسات خاطئة وأوهام زائفة رانت على العقول لفترة من الزمن، أوصلتنا الى ما نحن فيه الآن. ومن ثم فالنظام العربي ليس مسئولا عن هذه الحالة، لأننا لم ندعمه أو نعده للتعامل مع مثل هذه الأزمات، بل كانت هناك العديد من الممارسات التي تصب في خانة اضعافه وتآكله، وبالتالي فالمراجعة المطلوبة الآن هي مراجعة السياسات العربية تجاه النظام العربي، بعدما تكشف للجميع بعيدا عن أي اطروحات أيديولوجية مدى الحاجة العربية الى نظام عربي قوي قادر فعال، هذه القوة والقدرة والفعالية المطلوبة للنظام العربي لا تأتي من فراغ وإنما تأتي من ممارسات وسياسات أعضاء النظام أنفسهم وتنبع من ارادتهم ورغبتهم. وفي هذه الظروف لا وقت للمزايدات وافتعال الخلافات الوهمية، وتحميل مسئولية ما حدث على طرف أو أطراف دون الأخرى، أو على النظم دون الشعوب الى آخر هذه الممارسات السخيفة التي أوقعت أمتنا في هذا المأزق خاصة وأن هذه الأزمة قد أوقدت الوعي بالانتماء الى العروبة بصورة لم يسبق لها مثيل، يؤكد هذا حركة الشارع العربي في كل اتجاه بحثا عن سبيل لتقديم العون والمساعدة واداء الواجب القومي تجاه اخوتنا وأهلنا الذين يتعرضون الآن لحرب ابادة منظمة أمام أعين ما يسمى بالعالم المتحضر، والذي أثبتت الأحداث أن القيم والمبادئ التي يروج لها هذا العالم المتحضرانما يخضع عند الحاجة اليها لضغوط القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاعلامية، حقيقة هناك قوى شريفة مؤمنة بمبادئ الحق والعدل والحرية وحقوق الانسان الا أنها لم تصل بعد الى مرحلة القدرة على التأثير القوي في القرار السياسي الدولي. إن الأمر اذن يستدعي وقفة مع النفس أولا ومع الآخرين ثانيا خاصة أولئك الذين أقام العرب سياساتهم بالاعتماد عليهم، فقد أوضحت الأزمة أنهم في جبهة الطرف الآخر، شركاء أو متواطئين. أوهام السياسة العربية وفي هذا الاطار لابد من التخلص من بعض الأوهام السياسية التي بنيت على أساسها السياسة العربية وأوصلتنا الى هذا المأزق المشئوم الخانق، وذلك كمقدمة للخروج من نفق هذه الأزمة. وأول هذه الأوهام يتعلق تحديدا بالولايات المتحدة الأمريكية التي تحول موقفها من موقع الوسيط المنحاز لاسرائيل الى موقف الشريك الكامل لاسرائيل في هذه المواجهة التي تحدث الآن على الأراضي الفلسطينية وبالرغم من أن الولايات المتحدة برهنت على تحولها الى هذا الموقف الجديد قولا وفعلا،الا أن العرب يصرون حتى الآن على أن الولايات المتحدة هي وسيط منحاز فحسب، وازاء هذا الاصرار العربي لا تجد الولايات المتحدة ما يمنعها من ممارسة الخداع والتضليل للجانب العربي، من أجل تعميق الأزمة العربية، واستمرار حالة الشلل العربي القائمة فهذا يتوافق مع مصالحها ومصالح اسرائيل حليفها الاستراتيجي المدلل، الذي يشن حربا باسمها في الشرق الأوسط ضد ما تسميه واشنطن بالارهاب، خاصة وأن هذه الممارسة لا تكلفها سوى بعض التصريحات الغامضة أو الوعود الأكثر غموضا التي سرعان ما يتم التراجع عنها، أو اصدار قرارات من الأمم المتحدة غير ملزمة ولا يمكن تنفيذها في ظل المعطيات الراهنة، هذه السياسة الأمريكية الهدف منها ازدياد حدة حالة الشك وعدم اليقين التي يعيشها صانع القرار السياسي العربي، بما يؤدي الى استمرار حالة اللاقرار لأطول زمن ممكن، ولا مانع في هذا الاطار من استخدام كافة أساليب الحرب النفسية ضد العرب لاشعارهم بالعجز والهزيمة أو لدفعهم الى اتخاذ قرارات خاطئة في وقت غير ملائم، وهذا كله يصب في المحصلة النهائية في صالح اسرائيل والولايات المتحدة ويأتي خصما من الرصيد العربي المتآكل، ومن ثم فالهدف هو الحاق المزيد من الضعف بالجانب العربي، للوصول به الى مرحلة الاستسلام والاعتراف بالهزيمة. الوهم الثاني الذي يجب التخلص منه يتمثل في القول بأن العرب خياراتهم محدودة في ظل المعطيات الراهنة، وأنهم لا يستطيعون الخروج من هذا المأزق الا من خلال خيار واحد هو الاستسلام لمطالب واشنطن وتل أبيب، فمن هذا الذي يستطيع أن يواجه القوة العظمى اليوم وحليفتها؟ وهكذا ينسجون خيوطا متشابكة حول العقول والنفوس لاشاعة اليأس والاحباط. والواقع أن هناك خيارات عربية عديدة أولها خيار رفض الاستسلام للمطالب الأمريكية والاسرائيلية، خاصة وأن الشعوب العربية قد رفضت هذا الخيار، كما رفضته من قبل عام 1967، فكان المقدمة الأولى لمعركة 1973، كما أن ما حدث في نابلس وجنين يؤكد أن قوة اسرائيل انما تستمد أساسا من الضعف العربي، بدليل هذا الصمود العظيم في نابلس وجنين من قبل عشرات من المقاتلين المسلحين بأسلحة خفيفة ولكنهم استطاعوا منع الجيش الاسرائيلي بعتاده الثقيل المتطور من اقتحام البلدين حتى نفذت ذخيرتهم،ان هذا يؤكد أن خيار مقاومة الغزو والاحتلال والتخاذل هو خيار متاح وممكن بشرط الاعداد والتجهيز الملائم والمدروس له، هناك أيضا خيار التأجيل، تأجيل البت النهائي في الصراع العربي الاسرائيلي، وهو ما لا تريده واشنطن الآن، لأن الظرف الموضوعي القائم يتيح تسوية نهائية تحقق مصالح اسرائيل وواشنطن، وهو ما يعني اعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة العربية وفقا للاستراتيجية الأمريكية الاسرائيلية في المنطقة، ومن ثم فما يجب أن يعيه العرب أن المسألة ليست في التوصل الى أي حل للمشكلة الفلسطينية، وإنما ما يترتب على هذا الحل من اعادة رسم الاطار العربي الكامل بما يتلاءم مع هذا الحل، وهو ما يفهم من تصريحات شارون وجورج بوش الأخيرة سواء بدعوة الأول لعقد مؤتمر جديد للسلام أو دعوة الأخير لمشاركة العرب في الحرب ضد الارهاب في الشرق الأوسط. من ناحية أخرى هناك لدى العرب العديد من البدائل الأخرى كالبديل الاقتصادي والذي يشمل النفط والمقاطعة الاقتصادية، واعادة بناء التحالفات العربية الاقليمية والدولية وغيرها، مع ملاحظة أن استخدام هذه البدائل يتطلب دراسة متعمقة للواقع القائم الآن وذلك من أجل التوصل الى الوسائل الملائمة لتوظيف هذه البدائل، فاستخدام النفط اليوم كأداة من أدوات المواجهة لا يمكن أن يكون على غرار ما حدث في عام 1973، لأن الظروف قد تغيرت والمقاطعة الاقتصادية تحتاج الى أساليب جديدة تتلاءم مع متطلبات العصر، من أجل زيادة فعاليتها وقدرتها على التأثير. إذن القول بأن خيارات العرب محدودة هو وهم من الأوهام التي يتم الترويج لها من أجل شل السياسة العربية ومنعها من الفعل أو على الأقل محاولة الفعل، الأمر الذي يعمق من الأزمة العربية. الوهم الثالث الذي يجب التخلص منه يتعلق بعدم جدوى النظام العربي، وأنه المسئول عن هذه الأزمة، وقد أوضحنا بعض جوانب الضعف في هذه الرؤية من قبل ونضيف بأن الولايات المتحدة واسرائيل تدركان مدى أهمية هذا النظام بالنسبة للعرب بدليل أن المتتبع للسياسة الأمريكية تحديدا منذ عام 1990 وحتى الآن لن يجد أي صعوبة في ادراك أن أحد أهدافها هو الحيلولة دون نهوض هذا النظام أو استعادته لقوته، يؤكد هذا أن التصعيد الحالي في الموقف قد جاء بعد قمة بيروت الأخيرة التي نجحت في التوصل الى حل للحالة الكويتية العراقية، وهي المسألة التي كانت تعوق حركة هذا النظام على مدى عقد من الزمان،ان هذا الترابط في التحرك الأمريكي الاسرائيلي المستمر لاجهاض أي محاولة لاستعادة النظام العربي لموقعه الطبيعي يؤكد أهمية هذا النظام بالنسبة للعرب، باعتباره مصدرا للقوة في حالة نهضته. إن التخلص من مثل هذه الأوهام يتيح الفرصة لقراءة الواقع القائم الآن قراءة موضوعية بعيدا عن التهويل أو التهوين من أجل التوصل الى الاسلوب الملائم للتعامل معه، وهنا لابد أن نشير الى أن هناك فارقا بين الواقعية الحميدة والواقعية الخبيثة، الأول تسعى الى تفهم الواقع من أجل تقييمه وتطويره، والثانية تقوم على الاستسلام لهذا الواقع، بدعوى أنه ليس في الامكان أفضل مما كان.. فارق كبير بين الأمرين، الأول يسعى الى الخروج من نفق الأزمة وتقليل الخسائر تمهيدا لتحقيق المكاسب والمصالح، والثاني يتجه الى المزيد من التأزم وضياع المصالح وزيادة الخسائر، وإن كان للأزمة القائمة من فائدة، فإنها تتمثل في أنها قد أسقطت أوراق التوت عن الكثير من الأوهام التي زيفت الفهم والادراك والسياسات العربية الأمر الذي أدى الى هذه الأزمة التي نرى أنها أزمة العرب وليست أزمة نظامهم الاقليمي. ـ استاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان