في أكثر من حوار مع وسائل الاعلام العبرية، قلناها واضحة صريحة وبلغة عبرية سليمة جداً: الأمم المتحدة اعترفت باسرائيل، مؤتمرات القمة العربية الأخيرة اعترفت باسرائيل، منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية اعترفتا باسرائيل، وأمريكا وروسيا والصين واليابان ومكرونيزيا اعترفت باسرائيل. الدولة الوحيدة في العالم التي لم تعترف باسرائيل بعد، ليست سوى.. اسرائيل وقلنا في ما قلنا إن تصرفات إسرائيل تعكس انعداماً كاملاً للثقة بالنفس، فالمناخ الروحي السائد في المسلكية الاسرائيلية الرسمية هو مناخ الهجاناه والإيتسل والليحي والفرقة 101 ودورية القيادة العامة (سييرت مطكال). وإطلاق صفة «الدفاع عن البيت» على الاجتياح العسكري الأخير هو أيضاً دليل على انعدام الثقة بالنفس. ومن الدلائل الصارخة على غياب الحد الأدنى من الثقة بالنفس تلك المحاولة البائسة للزج بالعرب المواطنين في اسرائيل في دعاوى تآمرية تزعم أن الرئيس عرفات حاول ضم هؤلاء إلى «مجهوده الحربي» علماً بأن الرئيس عرفات وجميع القادة السياسيين للسلطة الوطنية أصرّوا دائماً على أخذ وضع الجماهير العربية الاستثنائي هنا بعين الاعتبار، وأكدوا دائماً على تعددية أشكال النضال الفلسطيني تبعاً لتعددية المواقع التي يتوزع فيها هذا الشعب، واعتباراً للتفاوت الجيوبوليتي الذي يحكم حياته وممارساته وإمكانياته ومجالات تحركه. تقدم إسرائيل نفسها دائماً بأنها الدولة الأكثر استقراراً ورسوخاً في المنطقة وبأن جيشها هو الأقوى، وترى أنها دولة «أبدية» ومن ثم فأنها ترى ان القدس «الموحّدة» هي عاصمتها الأبدية. وسرعان ما تسقط المؤسسة الحاكمة في التناقض المروّع بين تصريحاتها القوية وشكوكها الأقوى. وعشية احتفالها بالذكرى الرابعة والخمسين لانشاء اسرائيل تهتم هذه المؤسسة باستطلاعات رأي حول السؤال عما إذا كانت إسرائيل ستدوم أم أنها زائلة. وفي 16/4 الجاري نشرت وسائل الإعلام بلهجة احتفالية استطلاعات رأي أجرتها معاهد متخصصة تشير إلى أن 9 بالمئة فقط يعتقدون أن إسرائيل زائلة بينما يرى 84 بالمئة أنها ستتمكن من البقاء. ثمة مثل صيني قديم وحكيم يقول: «مجنونة هي الجزيرة التي تعادي البحر».. ولا بأس بتعديل هذا المثل ليناسب واقع الحال بحيث يصبح: لا ثقة بالنفس لدى الجزيرة التي ترفض مسالمة البحر والتعايش معه ومن الناحية العلمية السيكولوجية الصرف فإن مسألة «الثقة بالنفس» لا يمكن إلا أن تكون مرتبطة بالوعي الخاص وبالمشروع الخاص، فإذا كانت «جزيرة» إسرائيل لا تضمر نوايا الشر والحرب والتوسع الاستيطاني إزاء «البحر» العربي، فسيكون من شأنها أن تكتسب قسطاً من «المناعة» و«الثقة بالنفس».. أما إذا كان ما تقترفه قيادتها الآن هو مقدمة «المخفي الأعظم» في فكرها ووجدانها وتطلعاتها فستظل عرضة للتآكل أمام أمواج البحر الكبير وستظل ثقتها بنفسها.. يوك. وهنا تكمن المسألة الجوهرية!