الانتفاضة الفلسطينية الأبية أمر صعب وغاية في التعقيد، وأهلنا في فلسطين مثلُهم مثل بالعِ الخنجر، فلا هو ان اخرجه في مأمن، ولا ان ابقاه مكانه في أمن، ولا ان ابتلعه بناجٍ من المأساة فلو استمرت الانتفاضة، فإن حجم الألم والظلم والدم الذي سيبذلها سيتجاوز حدود الخيال الانساني الفاحش، فشارون «دراكيولا السمين» ينتعش أكثر وأكثر بامتصاص الدم، وان توقفت الانتفاضة، عاد إلى ظلمه القديم الذي كان محفزاً للانتفاضة، واستمرأ الاقامة والتوسع والطرد والاستهتار، وان استمرت الأمور تراوح على حالها بين توقف واستمرار، فإن الأهل في الأرض المحتلة سيلاقون كل صنوف الويلات الانسانية ويتحولون إلى مخيم لاجئين كبير. وهذا الفخ يمكن ان نرمز إليه بموقف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وهو محاصر مكانه، فإن لاذ إلى الصمت بدا وكأنه عاجز عن عمل أي شيء، وهو لا يريد ذلك، وإن ادان ما يسمونه بـ «الارهاب» فقد مكانته بين قومه، وهو ملاذه الوحيد والكبير، وان احتج على الظلم ورفض مايطرح عليه من فتات الحلول اتهم بكل أنواع العجز والشلل وعدم الهيمنة، وهو بذلك كالسجين الصفد الذي القي في الماء وقيل له انج ان استطعت. هذه كلها تشكل عناصر التراجيديا الماثلة أمامنا، وأي ظلم أفدح من الظلم الذي يقع على المظلوم من الظالم يتهمه ان المظلوم هو الظالم الباغي، وأي هم أكثر من هم السجين الذي لا يلقى بالاً من الخليّ الذي يقول له اصبر وتجلد، أو فاصمت واحتمل، لذلك فإنني أرى ان هذا الوضع الخطير هو الذي يرشح الانتفاضة للعودة، وبروح انتحارية لم يسبق لها مثيل، فالفلسطيني ليس أمامه أي خيار، أمام الصمت والذل إلا طلب الموت مع بعض العزة. وما يزيد الامور سوءًا ان الادارة الأمريكية الحالية ومن خلفها وأمامها الادارة الاسرائيلية تتصرفان وكأن الحرب السادسة قد انتهت بانتصار كاسح لصالح اسرائيل والشواهد الحسية قائمة لديهم كما هي في أفغانستان. فكما يسقط نظام الطالبان فإن السلطة الفلسطينية تتأرجح ومثلما تبعثر وتفكك نظام القاعدة فإن حماس والجهاد الاسلامي قد خسرا كثيراً من بنيتهما الأساسية ورجالهما الأشاوس، ومثلما نجح الأمريكان في ايجاد زعيم بديل للملا عمر، فإنهم يبحثون عن زعيم جديد، إما ان يكون وجهاً جديداً أو أبوعمار نفسه بعدما تعاد صياغته وتجديده، والسيناريوهان متشابهان، وقد اعتبر ما جرى فى أفغانستان وفلسطين هزيمة لـ «لارهاب»، ويجب ان يعترف المهزوم بهزيمته ويلقي بأسلحته ورأسه تحت أقدام أعدائه المنتصرين. ويريدون ان يقتلوا أي أمل في مساومة كريمة، أو مفاوضة محترمة باخلال ميزان القوى، فهكذا صنع الأمريكان مع المهزوم عبر تاريخهم الطويل سواء في حرب الاستقلال ضد الانجليز والمكسيك في حرب تكساس، ومع الكوبيين في مطلع القرن، والشماليين مع الجنوبيين في الحرب الأهلية التي انتهت عام 1863، وفي الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحتى في الحروب التي خرجوا فيها مثل فيتنام، فقد استسلموا لكامل المطالب الفيتنامية دون قيد أو شرط، وأما في الحروب التي لم تحسم مثل الحرب الكورية، فقد بقي الشقاق مفتوحاً منذ أكثر من نصف قرن. والسؤال الآن ماذا يمكن عمله، والخيارات أمام العرب الآخرين محدودة، ومن الواضح ان حلاً في فلسطين يفرض وخلاصته دولة فلسطينية تقوم على أسس اتفاق كامب ديفيد الذي رفضه الفلسطينيون في أواخر ايام كارتر ولكن يقوم على دفعات، وقابل للتنقيص والتعديل مع الموقف حسب الاطماع الاسرائيلية المتجددة، والأمر الثاني هو قيام دولة فلسطينية بعد أبو عمار وشارون، والأمر الثالث هو التفرغ للعراق، لضربها، والسعي لتغيير نظام الحكم فيها، ورابعها اعادة ترتيب المنطقة وفق المعطيات الجديدة. فهل من ردة فعل أمام هذا السيناريو الواضح؟ وقد نختلف في تفسير ما جرى، ولكننا اعتقد أكثر فهماً ووضوحاً للسيناريوهات التي يفصلها الآخرون لنا، وليس لنا في الواقع من قدرة على تنفيس هذا المخطط الرهيب إلا عن طريق دعم الانتفاضة حتى تغير الواقع ولعل حرباً مدروسة تعتمد على عودة الانتفاضة لضرب الأهداف العسكرية والمستوطنات، والبعد عن المدنيين، هي المعادلة الأمثل،، أما إذا لم يكن هذا ممكناً، فلنرض بالسيناريو المرسوم، فكل البدائل الأخرى لا تلاقي أي تأييد، وتجد تفسيرات لرفضها أكثر من الدوافع لاستخدامها مثل سلاح النفط، والمقاطعة وغيرها من الوسائل. وتأبى القضية الفلسطينية، إلا ان تكون الجرح في عضو من أعضاء الجسم العربي الذي اشتكى من الحمى والمرض، واكتفى بالدفاع عن ذلك ببعض المهدئات التي قد تسكن الألم ولكنها لا تعالج المرض الذي يهدد الجسم كله.