بيان الاربعاء: تجد دول مجلس التعاون الخليجي الست من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية نفسها في مأزق سياسي كبير بالنظر إلى موقع إسرائيل في استراتيجية كلا الطرفين فالخليج كان، ولا يزال، غير مقتنع بجدوى إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، بوصفها أحد الأطراف الإقليمية التي تملك رؤية خاصة بها لإدارة المنطقة وفق حسابها الخاص وبعيدًا عن الولايات المتحدة. أما الولايات المتحدة ورغم إدراكها لقيمة تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، فإنها تخشى أن يؤثر ذلك على العلاقات التاريخية الاستراتيجية الوطيدة التي تربطها بدول الخليج، لذا ورغم التطور الذي لحق بموقف الجانبين من إسرائيل منذ حرب تحرير الكويت خاصة بعد دخول الأطراف الثلاثة، دول الخليج الست من ناحية ممثلة في مجلس التعاون والولايات المتحدة من ناحية ثانية وإسرائيل من ناحية ثالثة وأخيرة في إطار مشروع التسوية السلمية بمنطقة الشرق الأوسط في مؤتمر مدريد للسلام الشهير - فإن مسار التطور ذاته لعملية السلام زاد دول مجلس التعاون الخليجي اقتناعًا بأن إسرائيل لا تملك المشروع السياسي الذي يؤهلها للاندماج في الوسط العربي المحيط والذي يقضي بدوره بالتنازل عن أطماعها الإقليمية ونياتها العدوانية والتوسعية. - وقد تكون بعض دول الخليج في فترة سابقة قد استجابت لظروف المرحلة التي دشنت فيها العملية السلمية في الشرق الأوسط ووافقت على فتح مكاتب للملحقين التجاريين الإسرائيليين فوق أراضيها، إلا أن ذلك لم يعبر أولاً عن توجه عام لدى دول المجلس الست ولم يؤشر ثانيًا بأي شكل من الأشكال عن إمكانية التنازل عن الحقوق العربية في إقامة علاقات مع إسرائيل، لاسيما أن دول الخليج لم تأل جهدًا في تأكيد ضرورة التزام تل أبيب وتنفيذها - أولا وقبل كل شيء للقرارات الدولية ذات الصلة الخاصة بعملية السلام وبخاصة للقرارين 242 و338 كشرط مسبق لدفع علاقاتهما السياسية والاقتصادية إلى الأمام. بل إن كثيرًا من دول الخليج الست أعلنت صراحة عن تجميد محاولات «التطبيع» مع الكيان الإسرائيلي، وإغلاق مكاتب التمثيل التجاري البيني وسحب مبعوثيها في ملحقياتها بتل أبيب، وانتقد كبار المسئولين فيها الممارسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني متهمة واشنطن بالتخلي عن دورها وعدم نزاهتها في القيام بالدور المطلوب منها في ردع الجانب الإسرائيلي وإرجاعه إلى جادة الصواب. وحقيقة الأحداث تعكس إدراكًا خليجيًا واعيًا بخطورة المسعى الإسرائيلي نحو السلام والتطبيع مع دول المنطقة بضغط أمريكي، وذلك لأن الغرض من ذلك أبعد من مجرد الاندماج والعيش بسلام مع دول الشرق الأوسط بالنظر إلى التحالف الاستراتيجي باستخدام كل إمكانياتها لحماية المصالح الحيوية الأمريكية في دول مجلس التعاون الخليجي وتعزيز ترتيبات الأمن الأمريكي في المنطقة بما يعني التقليل من مشاكل نقل القوات في الظروف الطارئة واستخدام القواعد الجوية والبحرية الإسرائيلية إذا دعت الحاجة، فضلاً عن استخدام إسرائيل كمخزن للعتاد الحربي بما يسهل اللجوء إليه وقت الحاجة. ويمكن القول إن تفكير إسرائيل تجاه الخليج مر بثلاث مراحل: الأولى: منذ الغزو العراقي للكويت حتى نهاية حرب تحرير الكويت، واعتقدت فيها تل أبيب أن دول الخليج ستهرول إلى تطبيع العلاقات معها ردًا على ما اعتبرته موقفها من قضية تحرير الكويت حين أحجمت عن الاشتراك في الحرب وعن الرد على الصواريخ التي كان العراق يطلقها على أراضيها. وفي هذه المرحلة تفاءلت إسرائيل بفتح أبواب المنطقة أمامها وتقدمت بمشاريع سياسية واقتصادية تعبر عن كون إسرائيل باتت طرفًا في نظام إقليمي أوسع من النظام العربي ذاته يمكن انطلاقًا منه أن تصبح رائد هذا النظام وزعيمه. لكن هذه المرحلة مرت دون أن تفتح دول الخليج علاقاتها مع إسرائيل. وقد يبدو السبب راجعًا في ذلك إلى انشغال دول المنطقة آنئذ بمراجعة أولويات مصادر التهديد التي تتعرض لها، وهل تشمل العراق إضافة إلى إسرائيل أو أنها تقتصر على العراق وحده. المرحلة الثانية وتمتد حتى عام 1996 ولم يكن لإسرائيل فيها أي علاقات رسمية مع الدول العربية باستثناء مصر والأردن والمغرب، غير أن الفترة شهدت تطورات جوهرية أعقبت المشاركة الخليجية في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 عن طريق ممثل لدول مجلس التعاون ومشاركة دول خليجية في المحادثات متعددة الأطراف واستضافة بعض هذه المحادثات كسلطنة عمان التي استضافت اجتماعات لجنة الموارد المائية في أبريل 1994 واختيرت مسقط لتكون مقر المركز الدولي لتطوير تكنولوجيا تحلية مياه البحر، واستضافت الدوحة في مايو من نفس العام لجنة الحد من التسلح، وكذلك فعلت المنامة لتكون مقرًا لاجتماعات لجنة البيئة في أكتوبر من العام نفسه ووفرت هذه الاجتماعات قنوات للاتصال المباشر بين هذه الدول وإسرائيل أقلها السماح لمسئولين إسرائيليين بزيارة هذه الدول، وإن كان الأمر لا يقتصر على ذلك إذ تجاوز فتح الحدود ليشمل الأسواق وإلغاء المقاطعة الاقتصادية من الدرجتين الثالثة والثانية. وقدر وزير الخارجية القطري حجم المبيعات الإسرائيلية للأسواق الخليجية في أواخر يناير 1996 من خلال إعادة تصديرها عبر أطراف ثالثة بأكثر من ملياري دولار، وقرار الكويت عام 1993 بالتحلل من المقاطعة غير المباشرة مع إسرائيل وقرار مجلس التعاون نفسه في سبتمبر 1994 برفع المقاطعة من الدرجتين الثانية والثالثة ضد إسرائيل. أما المرحلة الثالثة والتي مازالت آثارها تتوالى حتى وقت كتابة هذه الدراسة فقد تلت عام 1996 عندما فاز زعيم تكتل الليكود بنيامين نتانياهو بالانتخابات وقام بتشكيل وزارة لم تقدم شيئًا لعملية السلام، الأمر الذي ألقى بظلاله على مسار تطور العلاقات الخليجية الأمريكية التي توترت بسبب عدم تواني واشنطن عن دعم ومساندة إسرائيل ماديًا ومعنويًا بالرغم من عدم التزام الأخيرة بقرارات الشرعية الدولية ومواصلة انتهاكاتها لحقوق الشعوب العربية المحتلة. وتؤكد المواقف المؤيدة للولايات المتحدة من إسرائيل رسوخ حقيقة الدعم الأمريكي اللامشروط لإسرائيل ومن ثم عدم الأخذ في الاعتبار مواقف الرفض الخليجي للسياسات الأمريكية تجاه المنطقة وإسرائيل تحديدًا، ويذكر في هذا الإطار جميع القرارات التي تلقي باللوم على إسرائيل في اندلاع الحرب أو تلك التي تقضي بعودة المتحاربين إلى حدود 4يونيو 1967 وتلك التي تتعلق بحقوق الشعب العربي الفلسطيني وتقرير مصيره وإنشاء دولته المستقلة والتي طرحت أمام الجمعية العامة أو مجلس الأمن للتصويت عليها منذ الستينيات من القرن الماضي. دلالات وجذور ويكشف هذا التطور التاريخي عن دلالة في غاية الأهمية والخطورة وهي أن جذور تبني الولايات المتحدة للرؤية الإسرائيلية وللموقف من الصراع العربي الإسرائيلي أكثر رسوخًا من جذور العلاقات الخليجية الأمريكية ومن ثم فإنه لايمكن التعويل على تاريخية العلاقات بين الجانبين إذا ما كان هناك تعارض بين ذلك والتحالف الاستراتيجي الإسرائيلي الأمريكي، لأن الولايات المتحدة ستأخذ صف إسرائيل وعلى حساب الدول الخليجية، الأمر الذي يتطلب فعلاً خليجيًا عربيًا تملك مقوماته دول الخليج في ميادين الصراع السياسية والاقتصادية والعسكرية بما يحقق في النهاية وحدة الموقف وربط هذا الموقف من الدول الأخرى وخاصة الولايات المتحدة وإسرائيل ومصالحها في المنطقة بما يتفق ومصالح دول الخليج الاستراتيجية. وبالنظر إلى جملة من العوامل يمكن تبيان أسباب احتلال العلاقات الإسرائيلية الأمريكية أولوية قصوى من منظور صانع القرار في واشنطن وذلك بالمقارنة بالعلاقات الخليجية الأمريكية. وهذه العوامل هي من القوة والرسوخ لدرجة أن أحدًا في الإدارة الأمريكية أو في الحكومة الإسرائيلية لا يستطيع القفز فوقها أو تجاهلها وهي مستقلة عن عواطف أو ميول هذا الرئيس أو ذاك، فإسرائيل لها دور في استراتيجية الهيمنة الأمريكية على مناطق العالم الحيوية، وتدرك واشنطن أهمية أن يكون لها ذراع بالمنطقة تطمئن لها ولن تجد إلا إسرائيل وذلك في مقابل الاعتقاد الراسخ بأن إسرائيل لا يمكن أن تعتمد على أي طرف آخر يقوم بحمايتها سوى الولايات المتحدة ذاتها، . ولإسرائيل أهداف مشتركة مع الولايات المتحدة في المنطقة قد تتماشى مع بعضها وقد تتناقض في الشكل والأسلوب ولكنها تتفق في الجوهر. فالطرفان يعملان على الحؤول دون تفشي مايزعمان انه «ارهاب» ومن مصلحتهما حماية بقاء الأنظمة المعتدلة ومنع الأنظمة المغامرة من امتلاك أو استخدام أسلحة فتاكة أو مدمرة، لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية شارون يؤمن في هذا الإطار بمفهوم للأمن يمكن وصفه بالشمولي ويعتبر التهديدات التي تتعرض لها إسرائيل تتعدى الإطار الجغرافي المحدود الذي دارت فيه الحروب العربية - الإسرائيلية من قبل، بما يعني وضع دول أخرى غير دول الطوق في دائرة مصادر التهديد التي يمكن أن تصيب الإسرائيليين، وهذه الدول تضم دولاً عربية وغير عربية يمكن أن تقدم الدعم والمساندة لرفع قدرات دول المواجهة المحيطة بإسرائيل ومن بين هذه الدول التي يمكن أن تناصر دول الطوق عند مواجهتها لإسرائيل كل من دول الخليج والعراق فضلاً عن إيران وباكستان. ولا تُخفي إسرائيل تلك النيات العدوانية والأطماع التوسعية، وتؤمن دول الخليج بحقيقة الخطر الذي قد تشكله إسرائيل على أمنها واستقرارها، لذلك أوقفت كل مظاهر التعاون والتطبيع مع تل أبيب وضربت المشروع الأمريكي الإسرائيلي «الشرق أوسطي» الرامي إلى إدماج إسرائيل في المنطقة وجعلها تتبوأ دور الريادة في إدارته وتسيير شئونه، وتبلور موقف شعبي خليجي رافض لكل أشكال التطبيع مع الكيان الإسرائيلي. وأنُشئت اللجان الوطنية لمقاومة التطبيع وأُعلن عن تأسيس أول مؤتمر خليجي لمقاومة التطبيع في دولة الكويت في نهاية عام 1999. الخليج والديمقراطية وامريكا شكلت مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومازالت، أحد المحددات الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى هذه اللحظة، وعملت في سبيلها من أجل تحقيق ذلك الغرض الخاص ب«دمقرطة» النظم، حتى لو كان الأمر لأهداف أخرى غير تلك المنتظرة على مستوى مراعاة الشفافية والمشاركة في الحكم وعلى مستوى مراعاة الحقوق مع الحلفاء والأصدقاء وحتى الأعداء عبر الدعوة إلى أن يكون العالم أكثر ديمقراطية. ورغم الفجوة بين ما دعت أو تدعو إليه واشنطن في هذا الشأن وبين السياسة الواقعية التي التزمت بها ناحية بعض الدول ونحّت فيها الديمقراطية وحقوق الإنسان جانبًا في حال تعارضها مع المصالح الحيوية لها لاسيما إبان فترة المد الشيوعي وضرورة احتوائه ومقاومة النفوذ السوفييتي - فقد برز اهتمام أمريكي واضح بالمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخطاب غير المباشر للولايات المتحدة تجاه بعض مناطق العالم التي يتأكد فيها عمق الفجوة والتعارض بين المصالح الأمريكية الحيوية والدعوة إلى ترجمة هذه المبادئ على أرض الواقع، خاصة في منطقة الخليج، ويتجلى ذلك عندما تطلق وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية الغربية، الأمريكية منها تحديدًا، أسلحتها وتوزع الاتهامات بين هذا الطرف أو ذاك، بدعوى «انتهاكات حقوق الإنسان» في تلك البلاد و«سجل الممارسات السيئ» من حيث قيود حرية الحركة والتعبير المفروضة وافتقاد المعايير الإنسانية الواجب الالتزام بها في أحكام العدالة المطبقة أحيانًا أخرى وهو ما يجافي الواقع في دول الخليج. ولما لم تجد واشنطن القدرة على الربط بين مصالحها وإشاعة المبادئ الديمقراطية في دول الخليج عبر وسيلتها التقليدية وهي الربط بين المساعدات الاقتصادية والعسكرية وبين الأخذ بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان نظرًا للغنى والوفرة المرتبطة بدول الخليج ونظرًا للمصالح الوطيدة التي تربط الجانبين ببعضها البعض فقد اضطرت واشنطن بين فترة وأخرى إلى إطلاق اتهاماتها بغرض الضغط واختبار ردود الفعل المحلية عن طريق التسريبات الصحفية ومقالات الرأي المحسوبة، فضلاً عن تقارير المنظمات الحقوقية الخاصة التي تصدر كلما يحين موسم فرض المطالب والحصول على المقابل، السياسي والاقتصادي المباشر، ولا يعني ذلك أن خطاب السياسة الخارجية الأمريكية على المستوى الرسمي ومؤسسات صنع السياسة لم يعبر عن هذه المبادئ وترك المجال خاويًا للمؤسسات غير الرسمية عبر الصحافة ووسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية، بل إن المؤسسات الرسمية كان لها نصيبها في هذا الإطار وظهر هذا جليًا خلال إدارة الرئيس كارتر التي ربطت بين احترام حقوق الإنسان والديمقراطية وبين حركة السياسة الخارجية رغم التحول الذي شهدته هذه الإدارة مع الغزو السوفييتي لأفغانستان وأزمة الرهائن في إيران وقوات الانتشار السريع في الخليج. وقدوم إدارة الرئيس بوش الأب وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي تم التركيز على قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ولو بالإشارة إلى أهميتها بالنسبة لجميع الدول عامة دون الدخول في تفصيلاتها والتعليق على سجل أو ممارسات أي دولة أخرى،. الرفض الخليجي للارهاب أصابت يد «الإرهاب» عددًا من بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث تزامن بدء الحرب العراقية - الإيرانية عام 1980 مع وقوع أعمال عنف استهدفت بعض مستودعات النفط الكويتية، وفي عام 1983 تفاقمت أعمال العنف تلك بوقوع انفجارات في سيارات مفخخة بالقرب من مقار السفارات الأمريكية والفرنسية، فضلاً عن الميناء الجوي ومصفاة أخرى للنفط، وتزايد وقع هذه الأعمال «الإرهابية» التي نسبت لحزب الدعوة الإسلامي الموالي لإيران والمناهض للعراق مع محاولة لاغتيال أمير الكويت ذاته في عام 1985. وبالرغم من الهدوء النسبي الذي تلا هذا العام، فإن الأعمال «الإرهابية» عادت لتضرب من جديد أمن واستقرار دول الخليج الست، فقد شهدت البحرين موجة من الاضطرابات المدنية العنيفة استهدفت تقويض نظام الحكم بدافع من جهات خارجية سعت إلى بث بذور الفتنة في صفوف البحرينيين حسب ما اكده بيان لوزير الداخلية البحريني.. وانتقلت أعمال العنف تلك إلى بقية بلدان الخليج الأخرى لاسيما المملكة العربية السعودية بعد أن استهدف انفجار ضخم مبنى بعثة التدريب العسكرية الأمريكية بالحرس الوطني السعودي بمدينة الرياض يوم 13/11/1995 وأسفر عن مقتل 5أمريكيين، تلاه وبتاريخ 25/6/1996انفجار آخر في مجمع سكني يقطنه عسكريون أمريكيون بقاعدة الملك عبد العزيز الجوية بمدينة الخُبر شرق المملكة والذي راح ضحيته 19قتيلاً أمريكيًا. ولم يتوقف الأمر عن ذلك بل تعداه إلى حوادث تخريب «إرهابية» أخرى منها حادث تفجير طريق العروبة في نوفمبر 2000 وحوادث التفجير التي استهدفت مواطنين أجانب ونسبت إلى مواطنين من بني جلدتهم في الرياض والخُبر في نوفمبر وديسمبر ويناير ومارس من عام 2000و 2001 على التوالي. وربما يكون واضحًا أن دول الخليج عانت طويلاً من الإرهاب بكل أشكاله وأسمائه وربما تكون معاناتها فاقت معاناة دول أخرى كثيرة، لاسيما أن دول المنطقة بانفتاحها وطبيعة الأنظمة القانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية السائدة فيها قد تكون أكثر عرضة من غيرها لأعمال تستهدف أمنها واستقرارها بحكم الميزات الاستراتيجية التي تحظى بها وتجعلها محط أطماع الآخرين ومحورًا من محاور التأثير على القوى الكبرى. لذا فقد انتبهت دول المجلس مبكرًا إلى خطر ظاهرة «الإرهاب» بوصفها مصدرًا خطيرًا لتهديد سلامة المجتمع الدولي وأمنه برمته وليس فقط المجتمع الخليجي، حيث أدانت دول المجلس كل ما من شأنه تقويض الأمن الداخلي، داعية إلى بذل الوسائل كافة لحماية الجبهة الداخلية. وقد أدان المجلس الإرهاب بكل أشكاله وأنواعه معلنًا وقوفه بجانب الدول التي تعرضت لمثل هذه الأعمال خاصة البحرين والسعودية، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى أبرز المواقف التالية: ـ بات «الإرهاب» بندًا ثابتًا في كل البيانات الختامية للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي منذ النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي. ـ توجيه النقد واللوم الشديد للدول التي يعتقد أنها توفر المأوى والملجأ السياسي للعناصر المشتبه في تخطيطها وتدبيرها للعمليات «الإرهابية» التي ضربت بعض دول المنطقة. ـ دعوة المجتمع الدولي إلى تنسيق جهوده لوقف أعمال العنف والإرهاب وضمان مثول مرتكبي هذه الأعمال أمام العدالة والحؤول دون استخدام العناصر المتطرفة لأراضي أي دولة أخرى لأغراض الحصول على التمويل أو التزود بالسلاح أو إتاحة الفرصة لمثل هذه العناصر في وسائل الإعلام للتحريض على أعمال العنف والإرهاب. ـ عدم الاكتفاء بإدانة «الإرهاب» ونبذه وتجاوز ذلك إلى محاولة وضع أساليب لمكافحته عبر تعزيز وتكريس التعاون بين مختلف الأجهزة الأمنية والإعلامية والتعليمية لحماية المجتمع الدولي من التأثيرات الناجمة عن تلك الظواهر الدخيلة ووضع الخطط والاستراتيجيات المشتركة لمواجهتها وإفشال مخططاتها التآمرية التي لا تستهدف سوى المواطن وترويعه بهدف خلق حالة من عدم الثقة بينه وبين أجهزة دولته الأمنية. ـ ينبع الرفض الخليجي للإرهاب بكل أشكاله وصوره من رؤية دوله الشاملة الرافضة لكل ممارسات الكيان الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني بوصفه نموذجًا لإرهاب الدولة، الأمر الذي يتطلب العمل على وقفه كسبيل وحيد لإقامة الاستقرار في المنطقة. ـ التفريق ما بين التطرف المصحوب بالإرهاب والذي قد تقوم به جماعات دينية أو سياسية في الشرق أو في الغرب وبين أعمال المقاومة المشروعة من أجل نيل الاستقلال والمكفول لها طبقًا للقرارات والأعراف الدولية، هذا من جهة ومن جهة ثانية الفصل التام بين الإسلام كعقيدة والمسلمين المؤمنين به في شتى أرجاء العالم وخاصة في المنطقة العربية والإسلامية وبين من يتمسح برداء الدين الإسلامي ليبرر ما يقوم به من أعمال لا تستهدف سوى ترويع الآمنين. فالإسلام وتعاليمه يدعو إلى التسامح ونبذ كل أشكال العنف ولا يحض مطلقًا على الإرهاب. تفجيرات واشنطن ولقد وقفت دول الخليج وقفة صريحة وشجاعة من الأحداث «الإرهابية» التي ضربت الولايات المتحدة واعتبرتها نموذجًا صارخًا يعكس خطر الإرهاب الدولي ويؤيد رؤيتها الشمولية المنددة بكل صور الإرهاب وبواعثه الداخلية أو الإقليمية أو الدولية. فقد أجمعت الدول الخليجية الست على إدانة التفجيرات، لكنها كانت حريصة على أن تشير إلى ضرورة توخي الولايات المتحدة عدم الاندفاع في توجيه اتهامات لا دليل عليها. ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى أهم مظاهر الموقف الخليجي من أحداث التفجيرات ودلالات هذا الموقف كالتالي. ـجاءت إدانة أحداث الإرهاب في الولايات المتحدة متوافقة مع الرفض الخليجي للإرهاب بشكل عام أيا كان نوعه أو جنسه أو هويته. ـ دعوة الولايات المتحدة إلى التريث وعدم الاندفاع في إصدار أحكام الإدانة والسعي إلى الانتقام دون التأكد من الأدلة الدامغة التي تدين الجهة المرتكبة للتفجيرات الإرهابية. ـ ضرورة توافر الدعم الكامل لأي تحالف دولي ضد الإرهاب تقوده الولايات المتحدة، بمعنى إيجاد اتفاق كامل بين كل الأطراف المعنية حول ماهية «الإرهاب» الواجب مواجهته ومن ثم الاتفاق على مبادئ ثابتة للمواجهة لا تعتمد الكيل بمكيالين. ـ إبداء الاستعداد الكامل لتعاون الدول الخليجية ضمن الجهود الدولية لمحاربة الإرهاب مع الحرص على ألا يصيب أبرياء آخرين بالضرر والتصدي للإرهاب ودحره بعد تحديده تحديدًا لا يخلطه بغيره من الأمور. ـالتأكيد على أن الأراضي الخليجية لن تستخدم لضرب أي دولة صديقة أو شقيقة، وهو الأمر الذي على ما يبدو أثار حفيظة واشنطن التي اعتقدت أن تكفلها بأعباء حماية الأمن الخليجي يعطيها الحق في طلب أي شيء من الدول الخليجية والاستجابة له. ـ العمل والتنسيق دبلوماسيًا في وسط المحيطين الإقليمي والدولي للحد من مظاهر الإرهاب، لاسيما على صعيد تجفيف منابع تمويل الجماعات والمنظمات التي يشتبه في كونها «إرهابية» والتحقيق مع الجمعيات الأهلية التي يمكن أن تكون على صلة تمويلية أو تنظيمية بالجماعات المتطرفة. ـ انتظرت واشنطن من دول الخليج على ما يبدو موقفًا مغايرًا للموقف الذي أبدته من الأحداث بحكم العلاقات الوطيدة التي تربط الجانبين سواء على المستوى التاريخي أو الاستراتيجي.. لكن تعامل دول مجلس التعاون الخليجي مع الإرهاب ينطلق من ثوابتها الراسخة التي تميز سياستها الاستراتيجية المستقلة. ـ رفض الربط بأي شكل من الأشكال بين الكفاح الوطني المشروع الذي يقوم به الفلسطينيون في وجه سلطات الاحتلال الإسرائيلية وبين «الإرهاب» الذي تقوم به بعض الجماعات الخارجة عن صحيح الدين الإسلامي. هذا بالإضافة إلى رفض الربط بين الإسلام والمسلمين من جهة وأعمال العنف والإرهاب التي لا تخلو منها أي دولة من الدول من جهة ثانية وبالتالي رفض حملة التشويه الإعلامي الغربي التي تعرض لها الإسلام والمسلمون في أعقاب العمليات الإرهابية، معتبرة إياها محاولة لفرض الضغوط وممارسة عمليات ابتزاز غير مقبولة. ولذلك يلاحظ أهم بنود البيان الصادر عن الاجتماع الخليجي الاستثنائي الذي انعقد أواخر شهر سبتمبر من عام 2001 وجاء فيه. ـ إن دول المنطقة لا يمكن أن تقدم أي مساعدة أو تعاون مع الولايات المتحدة أو غيرها إذا كان هناك استهداف لأي دولة عربية. ـ ضرورة عدم الإعلان عن اتهامات لأشخاص أو جهات بالمشاركة في تنفيذ أو دعم الهجمات التي حدثت أو غيرها من الأعمال الإرهابية قبل التأكد من صحة المعلومات والتحقيقات. ـ التحذير من أن يؤدي الانشغال العالمي بتداعيات الأحداث إلى إغفال ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إرهاب الدولة الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية وتصعيدها الخطير للوضع في المنطقة. وتكشف القراءة الدقيقة للبيان عن أسباب تباين الموقفين الأمريكي والخليجي من طبيعة الرد على أحداث تفجيرات ال11 من سبتمبر عام 2001، فلقد توقعت واشنطن أن تستجيب الأخيرة لما قد تتطلبه عمليات المواجهة الأمريكية في إطار حربها الشاملة ضد ما أسمته ب«الإرهاب». بيد أن دول مجلس التعاون الخليجي في البيان المشار إليه سلفًا: ـ لم تذكر أي جهود يمكن أن تقدم لدعم وتأييد الولايات المتحدة في جهودها لمحاربة «الإرهاب» مقتصرة على التعاون الأمني والاستخباراتي. ـأكدت على عدة شروط وضوابط للمشاركة في التحالف الدولي الذي سعت واشنطن إلى تدشينه ومنها أن يكون التحرك ضد «الإرهاب» محدد الأهداف وأن يحظى هذا التحرك بتأييد المجتمع الدولي ومناصرته وألا يستغل للإساءة إلى سمعة العرب والمسلمين. ـ رفضت سياسة العقاب العشوائي الجماعي التي كان من الممكن أن تقوم بها الولايات المتحدة ضد دول كثيرة يشتبه في وجود مراكز إيواء ودعم وتمويل وتدريب الجماعات ذات الصلة بتنظيم القاعدة المتهم في تورطه في أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ـ ربطت ضمنيًا بين ممارسات إسرائيل التعسفية كصورة صارخة من صور إرهاب الدولة وبين عدم الاستقرار الذي قد تشهده المنطقة نتيجة لما قد يظن أنه «عنف متبادل» بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث طالب البيان بمعاودة تسليط الضوء على قضية الشرق الأوسط ووجوب العمل لوقف سياسة التعنت الإسرائيلي. ـ الحد من اتفاقيات الدفاع والأمن المشتركة بينها وبين الولايات المتحدة والتي تفترض تقديم كلا الطرفين الدعم اللازم وقت الحاجة إليه، بمعنى ألا يقتصر دور هذه الاتفاقيات على تأمين دول الخليج فحسب وإنما يتجاوزه ليشمل دور دول التعاون اللوجيستي والاستخباراتي في حرب واشنطن ضد «الإرهاب». وعلى هذا جاءت الحملة الأمريكية الإعلامية على المملكة العربية السعودية تحديدًا والتي اعتبرت غير منبتة الصلة عن الموقف الخليجي الرافض المشاركة في الحرب الأمريكية ضد «الإرهاب» وفق القواعد والضوابط والأسس التي تفرضها الولايات المتحدة. وعكس التوتر في العلاقات السعودية الأمريكية إمكانية تحول العلاقات السعودية الأمريكية بدعوى التردد في التعاون الكامل مع التحالف الدولي المناوئ للإرهاب من علاقات مصلحية وطيدة إلى علاقات وقتية مشكوك في ديمومتها وبقائها. لكن الحقيقة الراسخة أنه ورغم التوترات في العلاقات الناتجة عن اختلاف المواقف وتباينها لا يمكن اعتبارها أزمة سياسية وذلك لوجود مصالح استراتيجية مشتركة بين الجانبين قد تفوق أي خلافات قد تطرأ مستقبلاً في وجهات النظر.