باشرت الحكومة الاسرائيلية بعد اسبوعين من العدوان بترتيب انجازاته السياسية التي يتوجب ان تقدمها للمجتمع الاسرائيلي الذي دخل في حالة «ترانس» او «اكستازا» من نشوة لابد لحكومة اسرائيل ان تقولبها وان تحولها شعوريا الى نشوة انتصار. ومن هنا اهمية اعتقال مروان البرغوثي الرمزية والقضاء بكل ثمن على جيوب المقاومة في جنين ونابلس، ومن هنا اصرار شارون على اعتقال من تدعي اسرائيل انهم على علاقة باغتيال زئيفي. يجب ان يبرر شارون بداية الحرب ونهايتها بـ «انجازات» عينية يعرضها على المجتمع الاسرائيلي، وربما ايضا على الولايات المتحدة. فحتى شارون لا يستطيع الاكتفاء بالحالة الشعورية الهستيرية لتبرير ما قام به. عليه ان يبرر ويفسر ويشرح. واذا كانت المهمة المعلنة للحرب هي «القضاء على البنية التحتية للإرهاب» فعليه ان يظهر ولو بالديماجوجيا كيف تم ذلك. ويحاول شارون ان يعرض «الانجازات» بلغة مفهومة امريكيا من تراث العدوان الامريكي على الشعب الافغاني بشكل يبرر العدوان الاسرائيلي: ضرب البنى التحتية «يقابلها ضرب معسكرات التدريب في افغانستان»، اعتقال الآلاف «يقابل معتقل جوانتنامو»، اغتيال واعدام الاسرى والمعتقلين المناضلين «يقابله بن لادن مطلوب حيا او ميتا). قد تجد اسرائيل مقابلا امريكيا لقصف المدنيين ولكنها لن تجد مقابلا للنزعة التخريبية لجنودها ولسرقة الممتلكات ولمنع العلاج عن الجرحى. والأهم من ذلك كله ان اسرائيل لن تستطيع ان تختزل الموضوع الفلسطيني الى «مسألة ارهاب»، ولا حتى في الولايات المتحدة ذاتها. وذلك لوجود حالة اسمها الاحتلال والاستيطان. قد لا يفهم الرأي العام الامريكي ما يفهمه الرأي العام الاوروبي عن حالة الاحتلال الكولونيالي، وقد يعتبر الاستيطان كلمة ذات دلالات ايجابية استخلصها المواطن الامريكي من الذاكرة الجماعية حول تاريخه وتاريخ بلده الاستيطاني كما نقلت اليه عبر برامج التدريس والافلام والاغاني. ولكن المواطن الامريكي يفهم كلمة التمييز العنصري والابارتهايد، كما يفهم مطالب ديمقراطية من نوع حق تقرير المصير والانتخابات الحرة، وهكذا. وكلها مطالب يناضل الفلسطيني من أجلها. سيكون من الصعب بل المستحيل الغاء الحق الفلسطيني او تهميشه كقضية ارهاب حتى في الولايات المتحدة ذاتها. ويصح هذا، كما يصح غيره من آفاق العمل السياسي، اذا ما طور الفلسطينيون، كحركة سياسية ومجتمعية وكحركة تحرر، وبشكل لا يحتمل التأجيل، الاستراتيجية اللازمة للتعامل مع الوضع الجديد الذي نشأ بعد العدوان الاسرائيلي الاخير والشامل، خاصة بعد ان دفع شارون بسياسات القوة الى حدودها القصوى، وكشف بذلك عن حدود سياسة القوة. من هنا ننطلق الى مستقبل النضال الفلسطيني بالبناء على ما حصل ولكي لا نبدأ من الصفر. في خضم النقاش حول جرائم الحرب التي ارتكبتها اسرائيل في جنين ونابلس واثناء اجتماع عرفات باول يوم الاحد 14/4، اقرت الحكومة الاسرائيلية اقتراح شارون وجيشه اقامة مناطق عازلة كثيفة التواجد العسكري بمظاهر فصل مادية حادة على الارض حول المدن الفلسطينية القريبة من الخط الاخضر: طولكرم وجنين والقدس. وإضافة لحملة الاعتقالات الواسعة الهادفة الى ضبط النضال الفلسطيني والتحكم به يشكل قرار الحكومة الاسرائيلية يوم 14 ابريل الجاري بالفصل الديموغرافي الامني في مناطق جنين وطولكرم والقدس نقطة فصل وتحول بين ما قبل العدوان وما بعده. لأنه يشكل بداية علنية لنظام الابارتهايد المزمع اقامته في فلسطين. لقد اعلن شارون في جلسة الحكومة ان الخطوط التي سيرابط على طولها الجيش الاسرائيلي ليست حدوداً سياسية. الامر الذي يؤكد ان القرار الحكومي الاسرائيلي ليس بداية لإنسحاب من طرف واحد وانما هو اقامة لنظام ابارتهايد من الفصل العنصري الديموغرافي كحقيقة واقعة وبدون صفة دستورية او رسمية. فما دام شارون لا يجد شركاء فلسطينيين للتفاوض حول «مرحلة انتقالية طويلة المدى» فإنه سيفرض هذه المرحلة من طرف واحد. وأي تعديل على هذا الفرض الاسرائيلي سوف يتطلب توجها فلسطينيا للتفاوض عليه، الامر الذي سيتكفل تدريجيا وبفعل متطلبات الحياة اليومية بفرض أجندة مفاوضات جديدة لا تدور حول القدس او اللاجئين او المستوطنات او الحدود بل حول شروط وظروف التعايش في ظل الظرف الانتقالي المفروض. واذا ما رغب الفلسطينيون بتطوير المفاوضات سياسيا مع اسرائيل فسوف تدور المفاوضات حول الكيان السياسي الفلسطيني وحدوده وطبيعة علاقاته مع اسرائيل. فقط في هذه الحالة تنسحب اسرائيل الى حدود سياسية متفق عليها، ولو كمرحلة انتقالية، ولا علاقة لهذه الحدود بقضايا الحل الدائم واوسلو. لقد كان قرار مجلس الامن بضرورة انسحاب القوات الاسرائيلية من المدن التي اجتاحتها قرارا ناقصا وعاجزا فاسرائيل سوف تخرج منها بغض النظر عن هذا القرار وعن «الضغط الامريكي»، لأنها لا تريد ولا ترغب بإدارة حياة السكان. ولكن جرائمها يجب الا تمر بغير عقاب، ويكمن التحدي السياسي في تحويل انسحابها الى بداية المعركة ضد نظام الابارتهايد. فتجلي «الانتصار» الاسرائيلي على قرى الفلسطينيين ومدنهم ومخيماتهم، يكون برأي شارون ورئيس اركانه بفرض شروط اسرائيلية من طرف واحد على الارض دون مفاوضات، اهم هذه الشروط المادية التي تفرض على الارض هي هذه العوازل الامنية بعرض 5 كم، والتي تحول التجمعات الفلسطينية الى معازل خلف اسلاك شائكة وحواجز واسوار. في ظل هذا الابارتهايد تتحول المناطق «أ» التي كانت تحت مسئولية السلطة الفلسطينية الأمنية الى مناطق «ب» بمسئولية امنية اسرائيلية تدخلها اسرائيل متى شاءت و«عند الحاجة»، الا اذا «تعاون» الفلسطينيون امنيا مع اسرائيل. ويشكل اقامة نظام الابارتهايد من الفصل العنصري المحكم اضافة الى هذا النظام او التشكيل الامني الجديد هدف هذه المهمة العسكرية العدوانية الحقيقي. لقد نشأ وضع جديد بعد العدوان الاسرائيلي الأخير، وليس الآن الوقت لمناقشة خلفيات هذه الحالة الجديدة والاستراتيجيات الفلسطينية، او انعدامها، في المرحلة السابقة وما يهمنا الآن هو تشخيص طبيعة المرحلة القادمة رغم وعبر هذا الدمار المخيف. لا الحالة انتصارًا فلسطينيًا ، معنويًا او ماديًا ، ولا الحالة قريبة من الترانسفير، الذي يحوله بعض الندابين الى موضوع طبيعي للنقاش. ولا يجب ان يطرح مثل هذا الموضوع كأنه امكانية وسيناريو من ضمن امكانيات عديدة، بل كأنه آخر الدنيا، وليس فقط للفلسطينيين. مميزات الوضع الجديد: 1ـ حالة الفصل العنصري المقبلة، ويتطلب التعامل معها استراتيجيات نضالية موحدة ذات طابع وطني ديمقراطي يميز حركة تحرر وطني تناضل من اجل العدالة والمساواة ضد العنصرية والاستيطان الكولونيالي والقمع والعنف الاحتلالي المستخدم. هذه استراتيجية تتضمن المقاومة لجعل حالة الاحتلال ذات ثمن للاحتلال ولكن بشكل يمكن المجتمع الواقع تحت الاحتلال من احتمال هذه المقاومة على المدى البعيد. 2ـ تحول امريكا من حليف اسرائيل في الصراع الى طرف فيه. وهذا يعني انه من غير الممكن الاعتماد على هامش استقلال في الموقف الامريكي تلعب فيه دور وسيط منحاز لصالح اسرائيل. وتحول امريكا الى طرف لا يعني ان الاستراتيجية يجب ان تكون مواجهة شاملة معها او توسلها، وانما يجب ان يعني هذا عدم توقع انجازات من الاستراتيجية الدبلوماسية القائمة. يجب مواجهة الموقف الامريكي سياسيا خارج وداخل الولايات المتحدة في المجتمع الامريكي ايضا. وهذا لم يتم حتى الآن فقد انتقلت منظمة التحرير الفلسطينية من النضال من اجل اعتراف امريكي الى توسل الهامش الدبلوماسي الامريكي المستقل عن التحالف مع اسرائيل في المفاوضات. 3ـ تكشف عجز الحالة العربية الرسمية بشكل فاضح. فكل ما صدر رسميا عن الدول العربية اثناء هذه الحرب ورغم كل الجعجعة هو اجتماع لوزراء الخارجية العرب يوم 6 ابريل اقر التوجه لمجلس الامن بغرض طلب فرض عقوبات على اسرائيل بموجب الفقرة 7، من ميثاق الأمم المتحدة التي تلزم بتنفيذ قرارات مجلس الأمن، ثم ما لبثوا ان تراجعوا عن قرارهم، هذا كل شيء. عن هذا تمخضت الحالة السياسية العربية. المسئول العربي المتوسط متعاطف مع الفلسطينيين وحاقد عليهم في الوقت ذاته لأنهم يكشفون له عن عجزه. ويضطرونه الى احراج ذاته واحراج الولايات المتحدة لو اراد ان يرخي لتعاطفه العنان، ولو اراد ان يتفاعل مع مزاج شعبه السياسي. قد يدفع هذا الشعور الى التآمر مع الولايات المتحدة اذا كان من غير الممكن او المرغوب مواجهتها. ورغم تورط الولايات المتحدة في العدوان الاسرائيلي وتواطؤها معه، الا ان اسرائيل لم تظهر تفهما لحاجات الولايات المتحدة الامريكية بعده واثناءه. ولم تعر اسرائيل نداءات بوش اي اهتمام، كما لم تستعجل اية مهمة تفهما لحرج الولايات المتحدة مقابل حلفائها من الانظمة العربية. ولم تكتف اسرائيل بذلك بل اوفدت رؤوس الكونجرس من ديموقراطيين وجمهوريين للتأثير على رئيس الولايات المتحدة ليس فقط لصالح العدوان الاسرائيلي، بل ايضا لمساعدة اسرائيل على ان تحصد نتائجه السياسية. ولم يكتف شارون بصمت كولن باول في المؤتمر الصحفي وامتناعه عن التعبير حتى عن الموقف الامريكي العلني من الانسحاب الاسرائيلي من المدن الفلسطينية، بل تجاوز ذلك الى طرح تصوره للابارتهايد كرؤيا سياسية يتمخض عنها العدوان. لم يجد باول فكرة سياسية اسرائيلية واحدة ذات قيمة يتقدم بها للفلسطينيين او للعرب. ودون ذلك لا يستطيع باول، ولا حتى بمساعدة بعض العرب، اقناع الفلسطينيين بمناقشة موضوعات وهمية مثل وقف اطلاق النار «بين من ومن؟» او اعطاء تأكيدات حول «مكافحة الارهاب» في المستقبل. لم تتبن السلطة الفلسطينية حتى اليوم المقاومة كخيار استراتيجي، ولكنها مع ذلك لا تستطيع ان تفاوض بتعابير مثل «وقف اطلاق النار»، او ضرورة «مكافحة الارهاب». ويبدو ان اسرائيل والولايات المتحدة «يطبخان» معادلة ما تمكن الاسرائيليين من الادعاء ان في حوزتهم بعد ان «أنجز» العدوان ما «انجز» جوابا سياسيا على المبادرة العربية للسلام من قمة بيروت. لقد استنتجت الادارة الامريكية الحالية من فشل الإدارة السابقة في كامب ديفيد ان السبب يعود جزئيا الى عدم منح الدول العربية دورا كافيا فيه وفي الاعداد له، وان القيادة الفلسطينية لا تستطيع وحدها، دون سند عربي واسع، التوصل الى تسوية على قضايا كبرى مثل القدس واللاجئين. وتحاول اسرائيل استغلال هذا الاستنتاج الامريكي لاقتراح مؤتمر اقليمي للسلام. ويعتبر المزاج السياسي العربي عموما النموذج العربي- الدولي المشترك للتفاوض افضل من المسارات المنفردة وتناقضاتها، ولذلك يبدو اقتراح شارون وكأنه تبن لاستنتاجات الادارة الامريكية الحالية بما يتوافق مع المزاج السياسي العربي. ولكن اقتراح شارون ليس اقتراحا لمفاوضات سلام بل لحوار عربي اسرائيلي بعد العدوان. ويشترط شارون استثناء عرفات، الامر الذي يعني تقبل العرب اهداف العدوان الاسرائيلي الاخير كحقائق ناجزة. كما لا يقبل شارون مبادرة السلام العربية اساسا للمؤتمر الاقليمي الذي يقترح، وهو بالتالي مؤتمر غير ملزم للحوار وليس للتوصل الى تطبيق شروط تسوية متفق عليها. والأنكى والامر ان المؤتمر الدولي لا يدعو سوريا ولبنان للمشاركة، وذلك لتتحول هذه الى مطالب. فاذا استهجن البعض عدم دعوتهما تصبح الدعوة انجازا. لقد احسنت سوريا ولبنان صنعا بعدم الرد اطلاقا على موضوع المؤتمر، دلالة على عدم أخذ هذه الفكرة بجدية، وحتى دون انتقاد تغييبهما لئلا يفسر ذلك كمطلب. في ظل المعطيات الحالية يبدو ان الاقتراح المادي والملموس الوحيد هو اقتراح الابارتهايد، ويجب ان تقابله سياسات مقاومة ملموسة ذات استراتيجية موحدة. يتطلب واقع الأبارتهايد في حالة فرضه برنامجا سياسيا واستراتيجية مقاومة موحدة مشتقة منه. هذه الاستراتيجية وحدها قادرة ان تستثمر حتى التضحيات الاخيرة التي تمت في غيابها، فهي قادرة ان تبدأ بشن الحملة على اسرائيل كدولة ابارتهايد كولونيالي تعج بمجرمي الحرب الذين يجب محاسبتهم. ليست الأولوية الآن للمعركة الدبلوماسية بل لمعركة شعبية تشن عالميا وفي العالم العربي بلغة ديمقراطية مفهومة ضد مجرمي الحرب الاسرائيليين. هذه المعركة كفيلة بنشر المزاج السياسي اللازم لاستقبال المعركة السياسية والدبلوماسية القادمة ضد نظام الابارتهايد. مع شارون بلغت سياسة القوة الاسرائيلية حدودها، والعمل السياسي الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية بعدها اذا كانت محكومة باستراتيجية هي ربح صافٍ للفلسطينيين وخسارة لاسرائيل.