منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار جدار برلين، شهدنا تصاعداً تدريجياً لمنطق الهيمنة الامريكية على العالم في محاولة لفرض نظام دولي جديد ينسجم ومفهوم القوة المتفردة، مثلما ينسجم مع حجم المصالح التي تريد الولايات المتحدة تحقيقها بعد زوال القطب الاخر او المنهج الاشتراكي. كثيرة هي التداعيات منذ ذلك الحين، وكثيرة هي الانهيارات، فقد رأينا عالما بأكمله يتداعى ويظهر مفهوم وسلوك سياسي جديد بلغ أقصى مداه في ما اطلق من حرب امريكية شرسة مطلع هذا القرن بدعوى حرب الارهاب. ونجد ان اول الانهيارات كان انهيار القوى الشرق اوسطية وقيادة هذه المنطقة بالعصا الى اتفاقية لم يكن لهم فيها ناقة او جمل فكانت اوسلو، ومعها تداعى النظام العربي والامن العربي وانساقت المنطقة الى مجهول دمر كل ما بناه العرب من محاولات الاستقلال السياسي في السابق. ومع وحدة المانيا وانهيار جدار برلين وتداعي الاتحاد السوفييتي السابق بدا ان النظام الاوروبي الذي سعى للوحدة لمواجهة القطب المنفرد، يتصدع من الداخل، فمشاكله مع امريكا تفاقمت خاصة بما يتعلق بالامن الاوروبي، والناتو، ومحاولة الاستقلال بالقرار السياسي خاصة بعد انتهاء حرب الخليج الثانية وظهور اسباب كانت خافية على الحلفاء الاوروبيين مما اظهرته وثائق سرية للكونجرس الامريكي سمح بنشرها مطلع هذا القرن. ونجد اوروبا قد عانت مشاكل انتهاجها طريقا جديداً جمع بين الاشتراكية وبين النظام السياسي الذي تطرحه واشنطن وعليه ساد منطق الاشتراكية الجديدة في محاولة لتقزيم المشاكل الحاصلة داخل الاتحاد الاوروبي من أجل اتمام الوحدة الاوروبية. وعجز الاتحاد الاوروبي حتى هذه اللحظة عن الانسلاخ من حظيرة الهيمنة الامريكية ونجد ان كل الحروب التي قادتها امريكا على مدى اكثر من عقد من الزمان انقاد اليها الاوروبيون طوعا احيانا وكرها احيانا اخرى، والأسباب كثيرة لعل أهمها انفراد الولايات المتحدة بالقوة والتسليح، ذلك البند الذي لم تستطع ميزانيات اوروبا جميعا ان تعززه لتطور قدرتها العسكرية. ومن اوروبا الى اسيا حيث شهدنا تداعيات كثيرة في القارة الاسيوية وكان واضحا منهج الاحتواء الذي مارسته امريكا لابتلاع هذه القارة، فأحاطت بها من المحيط الهادي عبر استراليا التي باتت الشرطي الامريكي في المنطقة وعبر الدخول من بوابة الصين، ثم انتهاء من غربها عندما اطلقت حرب القرن لتتمركز في القلب الاسيوي ولتمهد لتوسيع الناتو اولا وهي المهيمنة عليه، ولتستولي على ثروات بحر قزوين. ولم تكن افريقيا بمنأى عن محاولات الهيمنة الامريكية وفرض منطق القوة ومنطق المصالح الامريكية، فأزاحت الولايات المتحدة حليفها اللدود فرنسا ومدت اذرعها على القارة السمراء ذات الموارد البكر والارض الثرية. النظام الامريكي الجديد اتخذ عناوين كثيرة لتحقيق مصالحه واهدافه كان اهمها واخطرها حرب الارهاب التي سوق لها الرئيس الامريكي الجديد قبل ان يبدأ حكمه، عندما لوح بحرب «ستنتصر فيها المباديء الامريكية». وكنتيجة لتلك السياسة نجد أن انهيارا كاملا في النظام الدولي قد حصل، وضاعت حقوق كثيرة لم يعد احد بجرؤ على المطالبة بها، وكسب الامريكيون اذعانا عربيا وصل حدود التقاعس عن اي فعل لردع الهمجية الاسرائيلية المدعومة من امريكا والتي أبادت الزرع والضرع، كما كسب الامريكيون عجزا اوروبيا عن النهوض بارادة مستقلة عن الاذرع الاخطبوطية الامريكية، اما لماذا؟ فلأننا تركنا الوحش ينمو في احشائنا حتى تفجر وفجرنا معه. ل. ع