اعترفت أكاديمية اسرائيلية في جامعة تل أبيب بزيف وفجاجة الحملة الدعائية الاسرائيلية لطمس معالم مجزرة الجيش الاسرائيلي في جنين. وقالت البروفيسيرة تانيا راينهرت ان العالم خارج فقاعة الاعلام الاسرائيلي يرى الحقيقة، وان الاسرائيليين لن يعرفوا حقيقة ما جرى قبل مرور وقت طويل. وكشفت في مقالها المنشور في صحيفة «يديعوت احرونوت» ان صديقها الرسام والمثقف تل أبيبي قتل خلال نزهة في سيناء على يد مصري في عملية ثأر وانتقام للشهداء الفلسطينيين. الى نص المقال: «كل دعايتنا عن انه لم تقع مذبحة في جنين تسقط أمام مشاهد الخراب والدمار والجثث هناك. فالناس خارج فقاعة اعلامنا يرون الامور بطريقة مغايرة، أما نحن فنحتاج الى وقت آخر كي نستوعب ما فعلناه هناك». في اسرائيل، علقت جنين كمشكلة اعلامية. فالجيش والحكومة الاسرائيليين يعتقدان، على ما يبدو، انهما ينتصران في المعركة على صياغة الوعي، اذ تمسكوا بعدد من المباديء الحديدية. تعتيم اعلامي خارجي المبدأ الاول: لا صور في الزمن الحقيقي! الجيش الاسرائيلي لم يسمح لأي صحيفة بالتسلل الى جنين في وقت الحدث. وهكذا فانه لا توجد سوى شهادات فلسطينيين فروا من المخيم والنفي التام من الجيش الاسرائيلي لها، وفي هذه الاثناء يمكن الاستمرار في مهمة التدمير بصمت. وبعد عدة ايام هادئة كهذه تقرير في 9/4 بأن محافل في الجيش الاسرائيلي بدأت مع ذلك تقلق: «عندما سيرى العالم الصور لما فعلناه هناك، سيلحق هذا بنا الضرر الفادح». وقد روي عن بيريز انه حتى تفوه بالكلمة المحذورة «مذبحة» (ولكنه نفى ذلك في وقت لاحق). قبضة ورقابة حديدية المبدأ الثاني: السيطرة التامة على وسائل الاعلام المحلية تتيح نقل كل رسالة، وفي 10/4 تشكلت هيئة اعلامية، ووسائل الاعلام المحلية لم تكف منذئذ عن النقل بوفاء نادر أوامرها. اولا وقبل كل شيء، انه لم تكن هناك أي مذبحة: كان هناك قتال، بخسائر فادحة لقواتنا. وبالفعل، فان الجيش لم يمر هناك من بيت الى بيت وأطلقوا النار على الجميع ـ رجالاً ونساء واطفالاً. ولم يطرح أي مصدر فلسطيني الحقائق على هذا النحو. ففي جنين ببساطة جرى التجاهل لحقيقة ان في البيوت التي محيت كان هناك أناس. قتلى بعدد غير معروف ملقون بين أنقاض المنازل التي دمرتها اعمال القصف والجرافات. وآخرون توفوا متأثرين بجراحهم في الأزقة. أو صرخوا لأيام من تحت الأنقاض الى ان صمتوا. هكذا يتبين من شهادات رجال الاحتياط التي بدأت تتسلل الى وسائل الاعلام. «الاوامر كانت واضحة جدا: اطلاق النار على كل نافذة، وتطريز كل بيت سواء كانوا يطلقون النار منه أم لا... كان شيوخ ونساء واطفال يمكثون هناك طوال الوقت... لم يسمحوا لهؤلاء الاشخاص بأي فرصة للخروج من المخيم» (عوفر شيلح، في هذه الصحيفة، 19/4). هناك كثيرون يكفي فيهم هذا الوصف لاثارة القرف لديهم، ولا يعنيهم أبدا اذا كان صحيحا تسمية هذا بالمذبحة. وينبغي على ما يبدو الشرح لهؤلاء بأن الحديث لا يدور عن قتل مدنيين بل عن قتال. حسب الجيش الاسرائيلي كان في المخيم، في منطقة يحتشد فيها بكثافة خمسة عشر ألف نسمة، بضع عشرات من «الارهابيين» المطلوبين وبضع مئات من المقاتلين المسلحين. مما هو مسموح عمله في ظروف قتالية كهذه؟ الهيئة الاعلامية توضح: كان يمكن محو مخيم اللاجئين عن بكرة أبيه بكل سكانه بعدة ضربات دقيقة من طائرات اف 16 والتخلص بذلك من كل «الارهابيين» دون أي اصابة تقع بالجيش الاسرائيلي، ولكن هذا الجيش خاطر بالقتال في المنطقة توفيرا للضحايا الفلسطينيين. واذا كان هذا هو مدى الامكانيات، فان الجيش الاسرائيلي أثبت في جنين انه جيش انساني!! مقتل فنان اسرائيلي في سيناء سيمر وقت آخر الى ان نستوعب ما فعلناه في جنين، لا توجد لدي بعد الكلمات للحديث عن ألمي الشديد على الشعب الفلسطيني. ولهذا فاني سأتحدث عما فعلناه بأنفسنا. صديق عزيز علي قتل قبل يومين في نزهة له في سيناء. تل ابيبي، رسام ومفكر، من دائرة الرافضين. قاتله كان مصريا بحث عن ثأر من قتلة الشعب الفلسطيني. ولم ير الفارق بين صديقي وبين اولئك الشبان اللطيفين من الاحتياطيين في جنين. انهم حقا يبدون متشابهين. ايتي آنجل الذي أجرى اللقاءات معهم في القناة الثانية، اول امس، قد يكون نجح في اقناع الكثيرين بفقاعتنا الصغيرة في ان مثل هؤلاء اللطيفين لا يمكنهم، بحكم طبيعتهم، ان ينفذوا مذبحة. ولهذا فانه لم تقع مذبحة ـ كانت معركة. ونحن على ما يرام. ولكن خارج الفقاعة لا يرون ايتي آنجل، بل يرون بقايا جنين، اننا نقيم ضدنا كل العالم الاسلامي.