تملأ الادارة الامريكية الدنيا بالحديث عن خشيتها من تعرض المدن الامريكية الكبرى لموجات من الهجمات بالأسلحة الجرثومية التي قد تحصد أرواح الملايين. وقد مضت السلطات الامريكية قدماً فأعدت، سيناريوهات مختلفة لمواجهة هذه الاحتمالات . وعلى الرغم من حملات واشنطن المناهضة لتطوير اسلحة الدمار الشامل، الا انها تلتزم الصمت المطلق ازاء ما لدى اسرائيل من اسلحة تقدر بما لا يقل عن 400 قنبلة نووية. ومؤلف هذا الكتاب هو بروفيسور ليونارد كول الاستاذ المساعد للعلوم السياسية والتقنية بجامعة روتجرز ، وقد حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا عام 1961 وعلى الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا عام 1970 وله العديد من الابحاث والمؤلفات في موضوع هذا الكتاب. أدهش الاجتياح العراقي المفاجيء للكويت في مستهل التسعينيات العالم كله، واغضب على نحو خاص الدول العربية التي رأت فيه انتهاكا لروح التضامن العربي، وتعزز هذا الشعور بسبب الدعم العربي السابق للعراق في حربه ضد ايران، بما في ذلك رفض الاعتراف بأن العراق استخدم اسلحة كيماوية، وعلق الشيخ علي الخليفة الصباح وزير المالية الكويتي على ذلك في تصريحات أدلى بها لصحافي امريكي فقال: «لم نكن نرغب في ان ينهار العراق، لأن شعورنا الأخوي كان يجمعنا. لقد قلنا ان ايران كانت البادئة بالحرب، ولكن الحقيقة وكما نعرفها فإن العراق كان الباديء باشعال الحرب». وتعززت معارضة الاجتياح العراقي للكويت لأسباب موضوعية أخرى فلم تخف السعودية قلقها من ان تتعرض بعض مناطقها الشرقية للاجتياح، ولم تكن الولايات المتحدة ولا أوروبا سعيدتين بأن يقوم العراق بالسيطرة على 20% من الامدادات النفطية العالمية. بعد اربعة ايام من الاجتياح العراقي اتخذت الامم المتحدة (مجلس الأمن) قرارا يقضي بفرض عقوبات تجارية ضد العراق، ولم يكن القرار سوى واحد من اثنى عشر قرارا استصدر خلال الشهور الثمانية المقبلة تهدف الى اجبار العراق على الانسحاب. وبدا العالم مستعدا للوقوف في وجه التمدد العراقي. وثار غضب الرئيس الامريكي جورج بوش، وشبه الرئيس العراقي بهتلر. ولاحظت ايلين سيلينو ان هذا الوصف يعزز مكانة الرئيس العراقي في بلاده «لان العراقيين خلال الحرب العالمية الثانية صفقوا لهتلر عندما ضرب بريطانيا. وكما يرى العراقيون فإن خطأ هتلر الوحيد كان انه خسر الحرب». لا سمح الله لكن ردود الفعل التي ابدتها ادارة بوش الأب حيال مخاطر ترسانة اسلحة الدمار الشامل العراقية كانت بطيئة وبعد شهر على الاجتياح العراقي للكويت، كان موقف وزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر لا يزال غامضا ازاء الوضع النهائي للأسلحة العراقية غير التقليدية. وفي سبتمبر 1990 سأل عضو الكونجرس الامريكي ستيفن سولارز بيكر عن تلك الاسلحة وماذا سيكون مصيرها في حال انسحاب العراق من الكويت. ورد بيكر قائلا ان المسألة سيتم حلها في اطار سياسة «هيكل امني» في المنطقة وتساءل سولارز المحبط بتهكم قائلا: «هل من الممكن اقصاء الاسلحة النووية والكيماوية والجرثومية العراقية بدون التدمير المادي لبرامج تطويرها؟». ولم يكن لدى السياسة الأمريكية مواقف اكيدة من ذلك إلا عشية الاجتياح. وفي جهود اللحظات الاخيرة لوقف التحرك العسكري العراقي، فإنه كان لا يزال هناك موقف لتوفير وسيلة للرئيس العراقي حتى يمكنه الاحتفاظ بترسانته الكيماوية والجرثومية. وعندما التقى طارق عزيز وزير الخارجية العراقي في جنيف في التاسع من يناير ببيكر أومأ هذا الاخير الى انه طالما لم يستخدم العراق ترسانته من أسلحة الدمار الشامل ضد القوات الامريكية فإنه يستطيع الاحتفاظ بها وقال «اذا اندلع الصراع لا سمح الله واستخدمت الاسلحة الكيماوية والبيولوجية ضد قواتنا فإن الشعب الامريكي سيطالب بالانتقام، ولدينا كل الوسائل التي تمكننا من تحقيق ذلك. ليس هذا تهديدا بل تعهد بأنه اذا ما استخدمت مثل هذه الاسلحة فإن هدفنا لن يكون تحرير الكويت فقط بل التخلص من النظام. وسيتحمل اي شخص يأمر باستخدام هذه الاسلحة المسئولية في المستقبل». وبصرف النظر عن التسامح الضمني ازاء ترسانة الاسلحة العراقية غير التقليدية، طالما لم تستخدم ضد الامريكيين، فإن بيكر تحدث لأول مرة عن اسلحة كيماوية وجرثومية لدى العراق، وحتى ذلك الحين لم يتسرب من كواليس السياسة الامريكية سوى القليل عن الاسلحة البيولوجية العراقية حتى الشهر الرابع قبيل الحرب. وقبل ذلك تحدث مسئولون امريكيون عن ان العراق يجري ابحاثا خاصة بالحرب الجرثومية، لكنه لم يقم بتطوير اسلحة جرثومية فعلية، وفي سبتمبر 1990 تغير التقييم الامريكي بعد ان اوضح ويبستر مدير «السي. آي. إيه» ولأول مرة ان العراق يمتلك «مخزونا كبيرا» من الاسلحة البيولوجية وقد دعم هذا القول تقارير استخبارية وجهت الى لجنة الخدمات العسكرية التابعة لمجلس النواب الامريكي. بعد 3 أشهر وفي يناير 1991 كان مسئولون عسكريون يحاولون بكل عصبية توفير ضمانات حول ان القوات الامريكية ستحظى بالحماية في حال تعرضها لأية هجمات بالأسلحة الكيماوية والجرثومية وجرى تطعيم بعض القوات ضد الجمرة الخبيثة والاسلحة السامة. كما زودت القوات الامريكية بلقاحات مضادة لغازات الاعصاب وزودت بأقنعة وبألبسة الهدف منها حمايتها من الاسلحة الجرثومية والكيماوية. وفي نطاق الحرب الجرثومية فإن التحصينات الطبية يمكن ان تكون غير فعالة اذا اطلق العراقيون عناصر جرثومية غير متوقعة، وحتى وإن استخدم العراقيون عنصرا معروفا مثل بكتيريا الجمرة الخبيثة فإن امكانية الوقاية منه غير اكيدة. واعترف كولونيل رونالد وليامز قائد معهد الابحاث الطبية الخاصة بالامراض المعدية في فورت ديتريك بأنه: «اذا تعرض شخص حاصل على تلقيح لجرعة كبيرة من بكتيريا الجمرة الخبيثة، فإن الوقاية لن تكون فعالة. وفي كل الاحوال فإن المضادات الحيوية لم تكن ستحمي الجنود ضد اجيال من الجمرة الخبيثة قام العلماء العراقيون بتطويرها». ويلخص هذه الحقيقة الجوهرية ما ذكره المراسل مالكولم براون في صحيفة «نيويورك تايمز» اذ قال ان «كابوس الاسلحة الجرثومية هيمن على تفكير خبراء الطب العاملين في القوات المسلحة الامريكية وأدت الابحاث التي استغرقت سنوات طويلة الى التقليل من احتمال التوصل الى خطوات لحماية القوات ضد كل عناصر الاسلحة البيولوجية». الخوف الاكبر اعتقد قادة الجيش الامريكي ان اسلحة الدمار الشامل الموجودة بحوزة القوات العراقية ستمكنها من الانتصار. فخلال الايام الاربعين من الحرب استطاعت قوات التحالف تدمير الجزء الاعظم من البنية التحتية للقوات العراقية، وشمل ذلك، افتراضا، مرافق انتاج الاسلحة الجرثومية، ومع ذلك فإن الجنرال نورمان شوارتزكوف قائد قوات التحالف بقي متخوفا وخشي على نحو خاص من الاسلحة الكيماوية وخشي الاسلحة الجرثومية وذلك عندما بدأت العمليات البرية في أواخر فبراير، حيث قال في هذا الصدد: كنت أخمن حدوث 12 سيناريو يقوم خلالها العراقيون بتحقيق النصر بتكلفة عالية وذكرت اعضاء قيادة الاركان بأنه «سيكون لديكم اكبر جيش في العالم، واذا اختاروا ان يتصدوا ويهاجموا فستلحق في صفوفكم اصابات واذا اختاروا استخدام الاسلحة الكيماوية ضدكم فقد ينتصرون في المعركة، ففي الماضي استخدم صدام غاز الاعصاب وغاز الخردل وعناصر مسممة للدم في المعركة وعلى الرغم من انه لم يقصف الخفجي (في السعودية) بالاسلحة الكيماوية، فإنني لا أزال أتوقع ان يقوم بذلك عندما يبدأ هجومنا. وأعتقد ان قواتنا ستصل الى الحواجز في الساعات الاولى من بدئنا للهجوم واذا عجزنا عن اقتحامها وتعرضنا للضرب بالأسلحة الكيماوية، فإن ذلك سيعزز مخاوفي الشديدة والكوابيس التي أتمنى ألا تقع وهي تعرض قواتنا لسيل من القذائف الكيماوية. لقد زودنا قواتنا بمعدات وقائية ودربناها على مقاومة اي هجمات كيماوية لكن لا تزال المخاطر جاثمة دائما، وهي التسبب في ارباك قواتنا، وأسوأ من ذلك جعلها تصاب بحالة من الهلع». ويؤكد استطلاع للقوات التي شاركت في حرب الخليج الثانية ان اولى مخاوفهم كانت تنصب على احتمال استخدام العراقيين لأسلحة الدمار الشامل. وتضمن الاستبيان الذي وزع على نحو 2500 جندي وضابط في اعقاب انتهاء الحرب، والذي قدمه معهد ابحاث الجيش الامريكي للعلوم السلوكية والاجتماعية، مسائل خاصة لـ «الاداء البشري في القيادة والتحكم» خلال الحرب. وتم استطلاع الاراء حول سلسلة من الموضوعات بما فيها القيادة والقدرات القتالية والاستخبارات وفعالية الاسلحة. ومن بين كل اسئلة الاستبيان لم يكن هناك سوى سؤال واحد خصص لعنوان الاسلحة الكيماوية، ومن ناحية استنتاجية يشير الى الاسلحة الجرثومية. وانعكست هذه المخاوف في المقالات والتقارير الصحافية التي كان يبعث بها المراسلون في مواقع تسمح لهم بتغطية بعض تفاصيل الحرب. وشعرت الصحافية موللي مور أثناء مرافقتها لقوات مشاة البحرية الامريكية بالقلق، وهي تنصت لشرح أحد المدربين حول تأثيرات الهجوم البيولوجي، ويقول في هذا الصدد: «عند الاصابة بالجمرة الخبيثة لن تظهر التأثيرات على المصاب قبل يومين أو ثلاثة أيام، وأول الأشياء التي ستلاحظونها ظهور نقط سوداء على البشرة. وعند تلك المرحلة سيكون أمامكم بضع ساعات أو دقائق للعيش. وستشعرون بأن عندكم احتقانا، وبعدها ستشعرون بصعوبة في التنفس، وعند تلك المعاناة ستلفظون أنفاسكم». إنذار كاذب في الوقت الذي انتهى المدرب من سرد تفاصيل آثار الجمرة الخبيثة، شعرت مور بموجة من الغثيان والصداع واحتقان في الرئتين. وفي وصفها لتجربة أخرى أوضحت نطاق الفزع الذي يمكن ان تسببه الهجمات الكيماوية «في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل في العشرين من يناير 1991 كانت بضع دبابات تتخذ مواقعها في الصحراء السعودية. كان بعض أطقم الدبابات يغطون في النوم في حين كان آخرون يراقبون الطائرات الحليفة وهي تتجه شمالا الى الكويت. وكان سرجنت ماكي يقوم بدورة المراقبة. وسرعان ما دبت الحياة في جهاز الاستقبال وأخذت تتردد كلمات «غاز! غاز! غاز! ليس ذلك بالتدريب». وجحظت عينا ماكي، وشعر بعمى ليلي مفاجئ. وباتت صرخاته تشق سكون الليل وهو، يردد «غاز! غاز! غاز! ليس ذلك تدريبا». وردد ماثيوز: «يا إلهي لا شك ان الامر سييء!» وفي تلك الاثناء قفز من كيس النوم محاولا ارتداء ثيابه المضادة للاسلحة الكيماوية، ومضى يتلمس طريقه في الظلام لدخول الدبابة. لقد كان الظلام حالكا وفي حمى انفعالاته كاد ان يطيح بديلاني من فوق الدبابة، وكان على عجلة من أمره لدخول الدبابة. وتمتم ديلاني ببضع كلمات بالكاد كانت أذناه تسمعها وردد قائلا: «لا بأس عليك! لا تنفعل! اهدأ! اهدأ!» وقفز خلف ماثيوز وأغلق باب القمرة وفي تلك اللحظات اكتشف انه كان يضع قناع الغاز ويرتدي ملابسه الداخلية. وكان الوقت قد فات ولم يعد باستطاعته العودة الى الخارج لارتداء بزته المضادة للأسلحة الكيماوية. وفي غضون ذلك كان ماكي قد دخل الى الدبابة واضعا القناع فوق وجهه وعلى أذنيه سماعات جهاز الراديو. وكانت الفوضى في الخط الأمر رقم واحد قد تكررت في جميع صفوف خطوط الدبابات، واستمر الصوت يصرخ من مقر القيادة: «هذا ليس تدريبا! غاز! غاز! غاز!». أما ساقا بيج فكانتا ترتعشان من دون ان يستطيع السيطرة عليهما من شدة الخوف. وحدث نفسه قائلا: «اهدأ! آه يا إلهي! أين قناعي؟ أحتاج الى قفازي! ماذا يجري؟». أما ماثيوز فقد شعر وكأنما قلبه كان يدق ملايين الدقات في الساعة فيما راح يعصر جسمه في قمرة القيادة. وفجأة شعر بأولى الأعراض، وبدأت عيناه تدمعان، وكان يعلم ان جسمه سيتجه الى الاصابة بالتشنجات في أي لحظة. لقد كانت مشاعر القلق بغيضة، ولا تحتمل وفكر فجأة بحقن الاتروبين الموجودة في مقر كيس الخيش الكتاني المرتبط بالقناع. وتساءل عما اذا كان بامكانه غرس تلك الحقنة، التي تبدو مخصصة لحصان، في فخذه عندما يحين الوقت؟ وشعر بضيق الأنفاس حتى انه توقع ان ينهار، وأخذ يسعى للحصول على الهواء بأي طريقة. ينبغي أن التقط النفس الاخير قبل ان أموت، لكنه لم يتمكن من التنفس بل أحس بأن النهاية قريبة. أما بيج المصاب برهاب الأماكن المغلقة فكان يرتدي البزة الكيماوية، عندما شعر بحرق في يده. وبدأت عيناه تؤلمانه. وكان الغاز يتسلل عبر القناع. يا إلهي! لقد كان يتنفس ذلك الغاز الذي أخذ يدخل الى رئتيه، وصرخ لعل أي شخص من حوله يسمعه «هل ثقب قناعي؟» «ألا ترون؟ هل قناعي مثقوب؟». وأخذت الدقائق تسير ببطء. فلم يكن الموت سريعا ولا سهلا، بل سيكون الموت مؤلما ومأساويا، فكل عرض جديد يعذب كل جندي حتى يخضع بدنه لنوبات عنيفة من التشنج ويستلقي وهو يضطرب على ارضية الدبابة. وفجأة، أخذ جهاز اللاسلكي يصدر اصواته المزعجة، لكنه في هذه المرة قال: «انذار كاذب! اخلعوا أقنعتكم!». وأخذت الأيدي المرتعشة تخلع الأقنعة عن الوجوه التي أغرقها العرق، ولا شك في انه لو ان الانذار كان حقيقيا للفظ بضعة جنود مارينز انفاسهم من فرط الذعر. وكان أحد جنود المارينز اخذ يجهش بالبكاء، بعد ان فشل في العثور على قناعه، واستسلم منتظرا ان يلفظ انفاسه في أية لحظة. مخاوف اسرائيلية لقد استقت مور تلك القصص من لقاءات مع العسكريين ومن ملاحظات دونتها ومن القوات في الميدان. وأوجد الانذار الكاذب لحظات من الفزع. لقد جاء الانذار الكاذب ليلا وفي الشتاء عندما لم تضف حرارة الصحراء المزيد من الانهاك للجنود الذين كانوا يرتدون الملابس الواقية. وبعد انتهاء الحرب ارتدى مفتشون دوليون أقنعة أثناء تفتيش المرافق الكيماوية كما ارتدوا البسة خاصة اخرى. واكتشف خلال مراجعة أدائهم انه «في ظروف حرارة الصحراء اللاهبة لا يمكن ارتداء الألبسة الواقية في منطقة مصابة بالغاز أكثر من 15 دقيقة لان الجسم لن يتمكن من تحمل لظى الحرارة». ولذلك فإنه حتى في حال غياب التهديدات المعادية فإن ارتداء المعدات الواقية سرعان ما تصبح شيئا لا يطاق. والآن يمكن فهم حقيقة انتزاع الجنود الايرانيين للأقنعة الواقية وفرارهم من ميدان أغرق بالاسلحة الكيماوية. ولذلك يمكن تخيل كيف كان رد فعل قوات التحالف في تلك الأجواء الصحراوية اللاهبة. لهذا وضع كل «اسرائيلي» الأقنعة الواقية من الغازات السامة عقب اطلاق صافرات الانذار باقتراب غارات جوية. فقد خشي الاسرائيليون من ان تكون الصواريخ التي أطلقها العراقيون صوبهم محملة برؤوس كيماوية أو جرثومية. لقد أدى اطلاق الصواريخ العراقية إلى اصابة كل فرد اسرائيلي برعب فظيع.