تملأ الادارة الامريكية الدنيا بالحديث عن خشيتها من تعرض المدن الامريكية الكبرى لموجات من الهجمات بالأسلحة الجرثومية، التي قد تحصد أرواح الملايين. وقد مضت السلطات الامريكية قدماً فأعدت سيناريوهات مختلفة لمواجهة هذه الاحتمالات . وعلى الرغم من حملات واشنطن المناهضة لتطوير اسلحة الدمار الشامل، الا انها تلتزم الصمت المطلق ازاء ما لدى اسرائيل من اسلحة تقدر بما لا يقل عن 400 قنبلة نووية. ومؤلف هذا الكتاب هو بروفيسور ليونارد كول الاستاذ المساعد للعلوم السياسية والتقنية بجامعة روتجرز ، وقد حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا عام 1961 وعلى الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا عام 1970 وله العديد من الابحاث والمؤلفات في موضوع هذا الكتاب. قبل العام 1991 كانت كل الانظار تتجه الى تطوير العراق لأسلحته الكيماوية وعدم الاهتمام كثيراً بما يفعله لتطوير أسلحته النووية او الجرثومية، ويعود ذلك لأن الرئيس العراقي استخدم الاسلحة الكيماوية على نطاق واسع في صراعاته ولم يتم التعرف على حجم البرنامج النووي العراقي، الا في اعقاب حرب الخليج الثانية، عندما تم اكتشاف وضع متقدم لتطوير هذا السلاح، او هكذا ذهب البعض الى القول من دون ان يعرف مدى دقة هذا القول. كما ان برنامج تطوير العراق للأسلحة الجرثومية لم يكن جلياً قبيل حرب الخليج الثانية. وظهرت التقارير المبكرة الاولى التي تتحدث عن امتلاك العراق للأسلحة البيولوجية في 1988، وتحدث مسئولون امريكيون عن انباء وتقارير حول تطوير العراق اسلحة تنشر التيفوئيد والكوليرا والجمرة الخبيثة وتم انتاج هذه الاسلحة وتطويرها في «سلمان باك» على بعد 40 ميلاً الى الجنوب الشرقي من بغداد. وفي العالم التالي نبهت تقارير صحفية الى ان العراق يقوم بتطوير عناصر الاسلحة الجرثومية واعترفت مؤسسة امريكية بأنها كانت مصدراً لمواد بيولوجية وقامت مؤسسة «ايه.تي.سي.سي» وعنوانها في روكفيل ميدلاند، وهي مؤسسة خاصة غير ربحية، كانت تقوم بجمع وحفظ وتوزيع مزارع أجسام مجهرية ومواد بيولوجية اخرى، وتضمن مدراء مجلس الشركة ممثلين عن 22 رابطة بيولوجية امريكية شمالية. وقدمت هذه المؤسسة قائمة بمواد بيولوجية قامت بتصديرها الى العراق ما بين العامين 1985 و1989 وشملت القائمة بكتيريا مرضية ومواد مسممة وعناصر اخرى، وكانت الوكالات التي تتلقى تلك المواد هي لجنة الطاقة النووية العراقية ووزارة التجارة ووزارة التعليم العالي وشركة تصنيع الادوية الحكومية وفي الثاني من مايو 1986 شحنت هذه المؤسسة 24 دفعة من عناصر تضمنت مواد جرثومية تؤدي الى الاصابة بالتيتانوس والجمرة الخبيثة وعناصر جرثومية بكتيرية سامة اخرى وكانت هذه العناصر مدرجة بأنها غير معدية. وانتقد السناتور دونالد ريجل رئيس لجنة المحاسبة والاسكان والشئون الحضرية وزارة التجارة الامريكية لأنها سمحت بتصدير عناصر يمكن استخدامها في الحرب الجرثومية الى العراق. محطات في مسيرة من المعروف تاريخياً ان العراق وايران وقعا في عام 1925 على بروتوكول جنيف، الذي يحظر استخدام العناصر الكيماوية البكترولوجية في الحرب، ومع ذلك فقد استخدم العراق الاسلحة الكيماوية على نطاق محدود في 1982. وفي نوفمبر 1983 ألقى العراقيون قنابل تحتوي على غاز الخردل في محاولة لاخراج القوات الايرانية التي كانت قد احتلت مناطق عراقية قبل شهر وفشلت المحاولة في البداية وبعد ان احتلت القوات الايرانية جزر مجنون العراقية قرب البصرة في فبراير 1984 صعد العراقيون من هجماتهم الكيماوية جنباً الى جنب مع الاسلحة التقليدية، وفي مارس اعلن الايرانيون ان العراق استخدم غاز الخردل وليس الاسلحة التقليدية في قتل 1200 وجرح أكثر من 5000 جندي ايراني. وعلى الرغم من تشكيل الامين العام للأمم المتحدة وقتئذ خافيير بيريز دي كويلار للجنة تحقيق واعلان الولايات المتحدة استخدام العراق للأسلحة الكيماوية الا ان الاعلانيين كانا منفصلين، ولم يحتج احد في العالم على خطورة الوضع، وبعد شهرين واثناء تجاهل المواقف العراقية اجاز مجلس الأمن الدولي مشروع قرار عربي بإدانة ايران لمهاجمتها السفن التجارية في الخليج وقد صوتت الولايات المتحدة لصالح القرار وجاءت الادانة ضد ايران بأغلبية 13 صوتاً ولم يصوت احد ضد القرار. وفي نوفمبر 1984 اعادت الولايات المتدة علاقاتها الدبلوماسية كاملة مع بغداد بعد ان كانت انقطعت غداة العدوان الاسرائيلي في 5 يونيو 1967. واستمر نمط السلوك الامريكي والدولي نفسه من دون تغيير حتى نهاية الحرب العراقية ـ الايرانية واستمرت العلاقات عادية مع العراق وكأن شيئاً لم يحدث. وفي السابع من يوليو 1987 صادق مجلس الأمن بالاجماع على القرار 598 الذي يدعو الطرفين الى وقف القتال. وفي يوليو 1988 وافقت ايران على وقف اطلاق النار بموجب القرار الدولي 598 ووصف صحفيون اهمية الأسلحة الكيماوية في اتخاذ قرار وقف القتال وجاء في احد هذه التقارير: يبدو ان استخدام العراق للغازات السامة ترك تأثيراً حاسماً على معنويات الايرانيين وبسبب مقاطعة الغرب لايران لم يتمكن الايرانيون من شراء الأدوية والأقنعة الواقية من الحرب الكيماوية وبدا ان معظم تلك الادوية غير عملية تحت وطأة الحرارة القاسية في جبهات القتال القريبة من مياه الخليج ولذلك عندما كان الايرانيون يتعرضون لهجمات بالأسلحة الكيماوية كانوا يوقفون القتال وينسحبون وباتت آلة الحرب الايرانية، تدريجياً وببطء، تتراجع الى حد التوقف. المسئولية على عاتق من؟ ترددت انباء في وقت لاحق من الحرب مفادها ان الايرانيين استعملوا الأسلحة الكيماوية، وقد جاء هذا الاتهام في حينه على لسان طارق عزيز وزير الخارجية العراقي آنذاك وشاعت الظنون حول ان القنابل اليدوية التي ضبطت في ايران على ايدي محققين دوليين لم تكن سوى ذخائر عراقية، ومن جهة ثانية رأى الصحفي مارتن يان ان الرئيس جورج بوش (الأب) بالغ كثيراً اثناء الحديث عن الترسانة العسكرية الكيماوية للعراق لأن هاجسه ومخاوفه كانت تنبع دوماً من الرئيس العراقي ودفعته مواقفه المضادة الى استنتاجات غير واقعية وافترض متجاهلاً الادلة التي توصل إليها محققون دوليون (الأمم المتحدة)، ان الايرانيين ألقوا قنابل غاز على السكان الاكراد في حلبجة. وكتب ادوارد سعيد المفكر الفلسطيني واستاذ الادب الانجليزي في جامعة كولومبيا يقول: «في أحسن الظروف لم يتم التأكد من ذلك». واعتمد سعيد مثل يان على دراسة لكلية اركان الحرب الامريكية التي افترضت ان الايرانيين هم الذين يتحملون المسئولية وكرر ستيفن بلليتيه احد ضباط الاستخبارات الامريكية السابقين ومشارك في الدراسة، عام 1992 ان هناك بدون شك ادلة على ان القنابل الغازية الايرانية هي التي قتلت الاكراد». لكن الآراء التي تتهم الايرانيين باستخدام قنابل الغاز ضد الاكراد ضعيفة وهي محدودة المصدر، ففي تقارير دعمها محللون عسكريون قال الجيش الامريكي ان المسئولية تقع على عاتق العراقيين واكثر التقارير اصراراً كان تقرير ورد من «مرقاب الشرق الاوسط» وهي مؤسسة غير رسمية تعنى بحقوق الانسان، وقال مسئولون من هذه المنطقة انه في ضوء الوثائق، التي ضبطت بعد فحص الاطباء الشرعيين واجراء لقاءات مع المئات من الاكراد توصل المحققون من هذه المنظمة الانسانية الى أدلة مفادها ان العراق هو المسئول الوحيد عن تلك الهجمات ضد الاكراد، وهي أدلة واضحة وضوح الشمس وانتقد تقرير المنظمة «مسئولين امريكيين يواصلون التضليل». واستناداً الى مصادر اخبارية عدة اقتبس ديليب هيرو عن مصادر ايرانية مطلعة قولها في اوائل العام 1988 ان القيادة الايرانية لن تستخدم الاسلحة الكيماوية لأن «الاسلام يحظر على مقاتليه افساد البيئة حتى ولو كان ذلك في سباق الحرب الجهادية». اذا كانت هناك مزاعم تشير الى استخدام ايران للأسلحة الكيماوية ضد العراق، فإن الأدلة التي تفيد ان العراق استخدم الأسلحة الجرثومية لا تقوم على أدلة قوية ومع ذلك فإن الصحفيين الفائزين بجوائز دولية وليم بوروز وروبرت ويندريم يعتقدان ان هذه الاقوال قابلة للتصديق، ورصد الصحفيان الامريكيان امراضاً واعراضاً قالا انها قد اكتشفها اطباء اكراد وايرانيون بين ضحايا من يعتقد انهم اصيبوا نتيجة لهجمات عراقية بأسلحة جرثومية تحتوي على مواد تسمم الطعام وغاز الغرغرينة والجمرة الخبيثة والثولارميا، وهو مرض يؤدي الى التهاب في الغدد الليمفاوية (حمى الارانب) فضلاً عن اصابات بالحمى الشديدة وتميع الدم كما نقل الصحفيان الامريكيان عن وثائق قالا انها ضبطها مقاتلون اكراد بعد حرب الخليج الثانية توجه القوات العراقية باجراء جرد سنوي «لمواد كيماوية وجرثومية». لكن الوثيقة العراقية غامضة حول استخدام مواد جرثومية واظهرت الامراض والاعراض قلقاً دولياً ازاء استخدام اسلحة جرثومية ويمكن ان يكون مصدر تلك الامراض اعراض طبيعية او نتيجة الاصابة بالعدوى بسبب تلوث الجروح او اصابات اخرى. معلومات أمريكية متضاربة مهما كانت المعلومات التي تشير الى استخدام العراق لأسلحة جرثومية او استخدام ايران لأسلحة كيماوية مشكوك فيها، فإن البعض لا يتردد في تأكيد ان العراق استخدم الاسلحة الكيماوية قبل الحرب ضد ايران بسنوات وقبل ان تصبح لايران قدرة كيماوية واستخدم العراق الاسلحة الكيماوية على نحو متزايد خلال الحرب بينما وقف العالم بأسره يشاهد بصمت ما يحدث. في نهاية الحرب كانت فلورا لويس الكاتبة الصحفية الامريكية من بين المراقبين القلائل الذين لم يصمتوا ازاء ما يحدث وشجبت الصحفية «الصمت الصارخ للحكومات على ما يستخدمه العراق من أسلحة كيماوية» ولاحظت ان الصمت يشجع بلداناً اخرى في المجتمع الدولي على تطوير الاسلحة الكيماوية بسبب تواطؤ المجتمع العالمي مع العراق وان ذلك يمكن ان يحدث دون عقاب. في اوائل سبتمبر اقر مجلس الشيوخ الامريكي فرض عقوبات على العراق لكن ادارة ريجان نقضت ذلك في الثاني والعشرين من سبتمبر، عندما تبنى مجلس النواب الامريكي قراراً مماثلاً وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية ان الحكومة الامريكية تجري محادثات مع العراق استغرقت اسبوعاً واعلنت «معارضة (العراق) لاستخدام الاسلحة الكيماوية» وبدت السلطات الامريكية راغبة في قبول كلمة العراق بأنه يعارض استخدام الأسلحة الكيماوية على الرغم من وجود تقارير تتحدث عن أدلة في هذا الشأن. وفي العام 1989 بدأت اصوات ترتفع بالاتهامات فقد ابدى وليم ويبستر مدير الاستخبارات الامريكية، قلقه من ان الحرب العراقية ـ الايرانية قضت على القيود المفروضة على استخدام الاسلحة الكيماوية ولم يخف امتعاضه من احتمال تلاشي القيود الاخلاقية الخاصة باستخدام الاسلحة الجرثومية ايضاً. وبالمقابل فإن السيناتور وليام روث صدم ازاء الطريقة التي تعالج الاسلوب الذي يمكن به اعادة السيطرة على الاقتناع الاخلاقي في هذا الميدان، واثار السيناتور جوزيف ليبرمان مخاوف من ان يتم تجاوز مرحلة اخلاقية اخرى «فنفقد في صمت قدرتنا على السيطرة على ارتكاب فظائع أو كبح اي عمل من هذا القبيل». لكن واشنطن الرسمية لاحظت اهمية السمة الأخلاقية باعتبارها تشكل كابحاً ضد الحرب الجرثومية والكيماوية وفي العام التالي سيكون على الولايات المتحدة ودول اخرى ان تواجه بالمصطلح والمفهوم العسكري تبعات خفض ذاك الضابط الأخلاقي. وفي اكتوبر العام 1989 وقع الرئيس بوش توجيهاً سرياً لتشجيع الشركات الامريكية الخاصة على التعاون التجاري مع العراق وشمل التوجيه معارضة «اي استخدام كيماوي او جرثومي غير مشروع» ولكن اللهجة الغالبة على التوجيه كان مفادها «علينا مواصلة السعي لتذليل الفرص امام المؤسسات الامريكية للمشاركة في اعادة بناء الاقتصاد العراقي». ولم يكن واضحاً ما يعنيه بوش «بالاستخدام غير المشروع» والمعروف ان العراق كان شريكاً في التوقيع على بروتوكول جنيف عام 1925 وهو يحظر استخدام تلك الاسلحة في الحرب وقد وقع العراق ولكنه لم يصادق على وثيقة اتفاق خاصة بالأسلحة البيولوجية عام 1972 وهي تعارض اي تطوير او امتلاك اي اسلحة بيولوجية وبموجب تلك المعاهدات فإن العراق يكون قد قام بأفعال غير مشروعة.