كانت الهواتف معطلة، وجبهة عين الرمانة ـ الشياح تشتعل، كانت الحرب التي بدأت في لبنان (13) ابريل من العام 1975 تقاس بالجولات، وكانت الجولة الثالثة اقساها، فقد تحددت خطوط التماس، وظهرت الاسلحة الثقيلة، ومعها رصاص القناصة لا يوفر حتى الكلاب والهررة لدى الطرف المعادي. قالوا إن الدكتور حسين مروة محاصر في منزله في الشياح، على خطوط التماس، وقالوا انه اصيب برصاصة قناص. كان حسين مروّة استاذي في الجامعة اللبنانية، نتعلم معه اللغة العربية، ولكننا نادراً ما كنا نناقشه فيها. كان ماركسياً والحوار سواء في قاعات الدراسة أو في منزله كان سياسياً، يحمل سخونة القذيفة ولكن الاستاذ لم يكن الا هادئاً، تطرح عليه السؤال عن حدث يجري الآن فيحيلك الى التاريخ ويذكر الشواهد، كان يحمل ذاكرة العصور والقارات، وكنت ومازلت اعتبره احدى منارات هذه الامة، ولذلك عندما قيل انه محاصر ومصاب في منزله، غادرت مكتبي في جريدة «السفير» وذهبت اليه. كانت القذائف تتهاطل كالامطار، عندما دخلت بوابة البناية التي يسكنها في الشياح كانت الارض ترتجف من تحتي، وأرتجف معها، ضربت الباب بقبضتي، فالكهرباء كانت مقطوعة، ولعلني ضربته بقوة، فانفتح على عجل، وظهر وجه الاستاذ هادئاً كعادته، ابتسم عندما شاهدني، دخلت وهو يربت على كتفي، هل اكتشف ذعري؟ ان شعار المرحلة «السلاح زينة الرجال» وكنت اكره السلاح و.. الحرب. هذه حرب ضد المجتمع المدني لم يكن حسين مروة مصاباً ولا محاصراً، كان شاحباً بعض الشيء، وعندما جلس خلف الطاولة الصغيرة في مكتبه لاحظت مجموعة اوراق امامه، سألته: تكتب.. وكل هذا القصف من حولك؟ قال: ما هي آخر اخبار الجبهات؟ اجبت على الفور: مشتعلة، ويتحدثون عن اقتحامات، قال: كأنك تتحدث عن خط بارليف أو ماجينو، الاقتحامات تعني غرفة او طابقاً او مبنى او حياً.. هكذا هي الحروب المحلية دائماً، خطوط تماس متداخلة، تطلق نيرانها عشوائياً، ولكن الامر يختلف في المخيمات، تل الزعتر ربما يكون الهدف المقبل. قلت: ولكن ماذا تفعل هنا؟ انتقل لفترة، الى ان تنتهي الجولة؟ قال: اية جولة؟ حرب اسرائيل هذه ليست ضد الفلسطينيين، بل ضد المجتمع المدني العربي كله، لبنان هو دولة المجتمع المدني، والحرب ليست لبنانية أو فلسطينية بل اسرائيلية تريد «عسكرة» المجتمع المدني، ما يجعلها اقدر على تحطيمه، ان اسرائيل لا تخاف البندقية بل الكتاب، لا تخاف القنبلة بل الفكر. قال حسين مروة عباراته الاخيرة وهو ينتقل من خلف مكتبه ليجلس على اريكة خضراء عتيقة الى جواري. اضاف: استند بذراعك على هذه الاريكة فترتاح، انها صلبة وثابتة، التاريخ هو اريكة المستقبل، عندما تستند اليه ترتاح. وسقط حسين مروة فيما بعد برصاص متطرفين، ولكن بعد ان انهى اخر كتبه عن المادية التاريخية والاسلام، ولعله استشهد بسببه. حركة المقاومة .. الصهيونية اتذكر حسين مروة اليوم وبين يدي الطبعة الثانية من كتاب «تاريخ الشرق الاوسط» تأليف البروفيسور في جامعة اوهايو الامريكية سيدني نيلتون فيشر، وكانت الطبعة الاولى صدرت في العام 1959، واعيدت طباعتها ست مرات، ويشرح المؤرخ الامريكي جهود القادة الصهاينة خلال الحربين العالميتين الاولى والثانية وجهود الوكالة اليهودية لاستقطاب قادة الفكر والعلماء لتسهيل هجرتهم الى فلسطين وليس الى امريكا، كما كانوا يرغبون، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ويضيف في فصل تحت عنوان «حركة المقاومة الصهيونية» ان القيادة السياسية في الوكالة اليهودية وكانت تضم في العام 1945 كلاً من بن جوريون ووايزمان وموشيه شاريت اعطت موافقتها في ذلك العام على القيام «بحملات ارهابية»، العبارة للمؤلف، وباستخدام «اقصى انواع القوة» لارغام الحكومة البريطانية على السماح بهجرة مئة الف يهودي في ذلك العام الى ارض فلسطين، وهكذا انطلقت المنظمات السرية الثلاث: الهاجاناه، الارجون، وعصابة شتيرن، في اكتوبر من ذلك العام بمهاجمة المخافر ومراكز الشرطة البريطانية، ونسف خطوط سكك الحديد، واغراق القوارب، ومهاجمة مراكز تجميع الذخائر في تل ابيب، وقتل افراد الحراسة والامن، والسطو على البنوك، وصولاً الى نسف فندق الملك داوود في القدس، ما ادى الى مقتل (91) شخصاً وجرح ما يزيد عن 55 اخرين. ووفقاً للمؤرخ الامريكي فإن حملة الارهاب التي اشترك فيها اليمين واليسار الصهيوني، رغم الصراع بينهما، تصاعدت بعد وصول لجنة التحقيق التي ارسلتها الامم المتحدة (اونسكوب) وصار يتم خطف وشنق البريطانيين في الشوارع، وعندما استدعى المفوض البريطاني بن جوريون للتحقيق، انكر بن جوريون علاقته بالعصابات الارهابية، قال: نحن قيادة سياسية، وهناك في كل شعب متطرفون تصعب السيطرة عليهم. إرهاب؟ سمّوه ما شئتم قادة الحركة الصهيونية، كما يقول التاريخ، كان آخر ما يهمهم ان يطلق عليهم اسماء من نوع «الارهابيون»، كانوا يبنون المجتمع المدني من المفكرين والعلماء ومعه التنظيمات السرية من «الارهابيين»، أليس هذا ما فعله اللبنانيون فيما بعد، عندما اطلق ذلك المجتمع المدني الخارج من الحرب حركة المقاومة اللبنانية، ليبني بيد ويقاتل بيد، ليرغم اسرائيل اخيراً على الانسحاب؟ أليس هذا ما يفعله الفلسطينيون اليوم؟ ان التاريخ أريكة المستقبل، وأن يسمينا الغرب ارهابيين او انتحاريين، فإن دولة فلسطين وعاصمتها القدس سوف تقوم، والاسرائيليون، لم يفقدوا الذاكرة، وهم اول من يعرف هذه الحقيقة. ولعل الهجوم على الجامعات ونهب وتدمير الكمبيوترات وسجلات وزارة التربية الفلسطينية يكشف عن هذا الذعر من المجتمع المدني، وهو كان وسيبقى منجم المقاومة.