الملف السياسي: في عام 1996 ألّف الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي كتابه المثير «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل» الذي أثار جدلا واسعا في فرنسا والأوساط اليهودية الدولية إلى درجة أن صاحبه دفع ثمنا غاليا لذلك، حيث تعرض لكثير من الانتقادات، وصلت إلى حد الإهانات، فقد رأى البعض انه نفى وقوع «المحرقة» (الهولوكوست) وبعض الأساطير التي استند إليها اليهود لبناء دولتهم، وفي إسبانيا لم يجد جارودي، المعروف في البلاد بفضل عمله في مدينة قرطبة الأندلسية، حيث يدير متحف «برج قلعة الحرة»، لم يجد أية دار نشر مستعدة لإصدار الترجمة الإسبانية لكتابه إلا دار نشر «ايستوريا 21» في برشلونة المرتبطة بجماعة يمينية متشددة ومعادية للسامية، مما أدى إلى تعقيد الأوضاع فيما يتعلق بمصير الفيلسوف الفرنسي وترويج أعماله في البلاد. وقد يدلّ هذا المثال على قدرة جماعات الضغط اليهودية على التحرك أمام كل ما يمسّ بالدين اليهودي أو بتاريخ إسرائيل وبالحركة الصهيونية. ولكن لم يكن مطروحا الحديث في إسبانيا عن اليهود أو الحركة الصهيونية ودورها في الحياة السياسية أو في وسائل الإعلام وحتى عن العلاقات بين إسبانيا وإسرائيل، مما يجعل من الصعب على من يهتم بالقضية الاطلاع على مقالات تناول وجود اللوبي اليهودي في الحياة السياسية والاجتماعية الإسبانية. وقد يعود ذلك إلى طبيعة العلاقات السياسية بين سلطات مدريد وتل ابيب، فقد تجاهل الديكتاتور السابق الجنرال فرانكو (1975-1939) دولة إسرائيل، بل أكثر من ذلك فقد ادرج اليهود فيما أسماه «المؤامرة اليهودية-الماسونية» التي كانت تهدد استمرار نظامه الاستبدادي المعتمد على الدين الكاثوليكي، ولا بدّ أن نذكر هنا أن الدولة الإسبانية لم تعترف بدولة إسرائيل سوى في عام 1986، أي في حقبة الحكومة الاشتراكية، وذلك كشرط فرضته المجموعة الأوروبية آنذاك مقابل انضمام إسبانيا إليها. ثم جاء تطبيع العلاقات بين الدولتين والاعتراف بالدين اليهودي كاحدى الديانات الثلاث الموجودة في البلاد إلى جانب الإسلام والمسيحية طبعا، وبدأت تظهر على المسرح الإسباني مدارس خاصة لليهود (في مدريد ومليلية) وجمعيات إسرائيلية ويهودية مثل «جمعية العلاقات الثقافية بين كاتالونيا وإسرائيل» و«مركز الدراسات اليهودية والمسيحية في مدريد» و«معهد العلاقات الثقافية بين جرز باليار وإسرائيل»، والجاليات اليهودية في مدريد وبرشلونة وفالنسيا واستورياس. هل معنى هذا انه بدأت «الحركة الصهيونية العالمية» تتمكن من السيطرة على وسائل الإعلام المحلية؟ ليس من الغريب التفكير في ذلك، لاسيما إذا أخذنا بالاعتبار أن المفكّر والكاتب المجري سيمجا زيودفيلد (ماكس نوردو) أحد أهم المتعاونين مع مؤسس الحركة الصهيونية الدولية، ثيودور هرتزل، عاش في إسبانيا عدة سنوات خلال الحرب العالمية الاولى، وصحيح أيضا أن إسبانيا تحتضن العديد من الجمعيات اليهودية الدينية منها والعلمانية التي تحافظ على تراث الثقافة السفاردية ـ التي تعتبر احد جذور الثقافة الإسبانية الحديثة إلى جانب التراث العربي الإسلامي- افضل مما تحافظ عليه إسرائيل التي تهمّش السفاردين لصالح اليهود الاشكيناز، غير أن الحقيقة التي قد يلاحظها أي مراقب تشير إلى عكس ذلك، فعلى سبيل المثال رفضت المحكمة الوطنية الإسبانية يوم 14 من شهر فبراير لعام 1996 تسليم النازي «اوتو رينير»، المتهم بنفي وجود المحرقة والإشادة بالعنصرية، وهذا أمر من المستحيل أن يحدث في أية دولة أوروبية أخرى، أو في الولايات المتحدة في ذلك الوقت. وفي وسائل الإعلام لا يمكن التأكيد على أن الحركة الصهيونية تقف وراء بعضها بغض النظر عن بعض المحللين الذين يكتبون مقالات رأي موالية لإسرائيل في بعض الصحف مثل جريدة «الموندو» عادة، أو الذين يشاركون في برامج إذاعية من حين لآخر، ولكن عدا ذلك فقد صوبت الصحافة الإسبانية سهام انتقاداتها نحو الحكومة الإسرائيلية، سيما خلال الأشهر الأخيرة على إثر الحملة الهجومية التي تشنها حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون على الأراضي الفلسطينية، وكثرت المقالات والتحليلات التي تصف الحكومة الإسرائيلية بالإرهاب، كما ركز الكاريكاتوريون على السخرية وإدانة ممارسات الإسرائيليين إلى درجة انه يبدو للقارئ انه يتصفّح جريدة عربية. فقد نشرت صحيفة «البيريوديكو دي كاتالونيا»الصادرة في برشلونة يوم 15 مارس الماضي كاريكاتيرا للفنان فيريراس قارن فيه بين ممارسات الجيش الإسرائيلي في فلسطين وممارسات النازيين في جيت وارسو في بولندا، وسرعان ما ردت السفارة الإسرائيلية عبر رسالة بعث بها السفير الإسرائيلي لدى مدريد، هرلز إينبار، إلى مدير الصحيفة الكاتالونية قال فيها انه «ليست هذه المرة الأولى التي تقوم جريدتكم بنشر كاريكاتيرات تتجاوز الحدود بين النقد المشروع لسياسة ما تنتهجها حكومة معينة في بلادي وبين العنصرية والمعادية للسامية»وكما يحدث كلما يتجرأ أحد على نقد الحكومة الإسرائيلية والعنف البشع الذي تمارسه ضد الفلسطينيين تظهر على السطح «كلمة السر» وهي «المحرقة» الهولوكوست ومقتل ستة ملايين يهودي، ويتحول من ينتقد الاحتلال الإسرائيلي إلى مناهض للسامية وموالي للنازية تقريبا، كما حدث مع الفيلسوف الفرنسي جارودي. لاحظنا نفس الحكاية مع الكاتب البرتغالي المقيم في إسبانيا جوسيه ساراماجو، الحائز على جائزة نوبل للأدب، الذي شبّه خلال زيارة وفد «البرلمان الدولي للكتّاب» إلى رام الله، القمع الإسرائيلي على الفلسطينيين بمعسكر «اوشفيتز» للاعتقال، هذا التعبير الذي أثار غضب الحكومة والأوساط الثقافية الإسرائيلية، بما فيها اليسارية منها، لم تبد الصحافة الإسبانية سوى بعض الملاحظات التي أبرزت «مبالغة» كلمات الكاتب البرتغالي، لا اكثر من ذلك. معنى الأمثلة التي أوردناها سابقا أن الحركة الصهيونية أو اللوبي اليهودي لا يتمتع بنفوذ كبير في اسبانيا، ولكنها تبرهن على قدرة الرد لدى السفارة الإسرائيلية والأوساط المقربة من إسرائيل على كل ما يمس دولة إسرائيل وسياستها. أما الرأي العام فيرى البعض، مثل خوان بابلو فوسي، أستاذ كرسي للتاريخ في جامعة كومبلوتينسي في مدريد، أن الشارع الإسباني يبدي رأيا مناهضا لإسرائيل، لاسيما منذ انتفاضة الأقصى ورد شارون القاسي على الشعب الفلسطيني، وذهب فوسي إلى القول في مقال نشرته صحيفة «الباييس» الواسعة الانتشار في عدد يوم 9 أبريل أن «ما يثير الدهشة ليس إدانة إسرائيل» بل حدة عدوى وسائلنا الإعلامية «تجاه إسرائيل، ما عزاه إلى » مشاعر تقدمية شعبوية مزيفة تتعمق جذورها في الدين الكاثوليكي. «صحيح انه نظمت في بعض المدن الإسبانية خلال الأيام القليلة الماضية مظاهرات موالية للشعب الفلسطيني واحتجاجا على سياسة الحكومة الإسرائيلية العدوانية ضد الأراضي الفلسطينية، غير أنها قليلة، وقامت بها أساسا تحالف «اليسار الموحد»، ثالث قوة سياسية في البلاد تتكون من الحزب الشيوعي وحزب الخضر، ولكنها لم تجد تغطية صحافية ملائمة، وصحيح أيضا أن بعض المعابد اليهودية تعرضت لاعتداءات في سبتة ومليلية وبرشلونة، ولكن السبب قد يكون أن الشعب الفلسطيني هو ضحية لسياسة همجية اسرائيلية، ولا ينبغي أن ننسى أن محلات تجارية عربية تعرضت لهجمات عقب اعتداءات 11 سبتمبر الماضي ضد الولايات المتحدة والحملة المناهضة للإسلام التي جاءت على إثرها. وماذا عن المجال الأكاديمي؟ كما قلنا سابقا عن وسائل الإعلام فلا يمكن القول بان اللوبي اليهودي يسيطر عليه أو انه يكمن وراءه، بل نكتفي بالإشارة إلى انه يحاول ترويج صورة ما أو ممارسة نوع من الضغط عبر الدعاية وعقد المؤتمرات الأكاديمية، وكدليل على ذلك ما كتبه المفكّر المصري فهمي هويدي في إحدى مقالاته «المحظورة» فقد ذكر «مغامرة» عاشها في العاصمة الإسبانية: تلقى الكاتب المصري دعوة للمشاركة في مؤتمر حول السلام في الديانات الثلاث نظمته جامعة «الكلا» الإسبانية في نوفمبر عام 1994، ولكنه بعد وصوله إلى مدريد قرر مقاطعة جلسات المؤتمر لعدة أسباب، منها أن «الداعي إلى المؤتمر ليست جامعة القلعة (الكلا) وحدها وإنما تشترك معها إحدى منظمات الجالية اليهودية في مدريد تحمل اسم «المركز الدولي لدراسات السفارديم» بينما كل اللافتات والملصقات التي تعلن عن المؤتمر تحمل شارة المركز اليهودي بنجمته السداسية.. بل إن الطعام الذي يقدمه الفندق كان يعدّ تحت إشراف حاخام يهودي، وان 80% من أعضاء المؤتمر (عددهم 200) إما يهود أو إسرائيليون لا نشكّ في انطباعات فهمي هويدي، غير أننا لا نستطيع التأكيد على أن الجالية اليهودية في إسبانيا تمثل قوة ذات نفوذ قادرة على السيطرة على الوسائل الإعلامية أو الرأي العام أو الأحزاب السياسية أو حتى في الدوائر الاكاديمية، بل ما نستطيع القول هو أن الجمعيات اليهودية والإسرائيلية الناشطة في البلاد قليلة للغاية ويختصر دورها على الدعاية، وعلى رأسها السفارة الإسرائيلية لدى مدريد، ولا يعني هذا ألا تحاول الجالية اليهودية ـ بل أي يهودي- نشر سلطتها على مختلف الجهات، علما أن الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تعتمدان على فكرة مشاركة جميع اليهود في بناء الدولة، وكما قال المفكر المغربي زهير الوسيني في كتابه المعنون «قتل العربي» يمتزج ما تقوم به دولة إسرائيل مع الحركة الصهيونية وما يقوم به أي يهودي. ولكن لحسن الحظ لسنا في الولايات المتحدة، أو على الأقل لم نصل في علاقتنا بإسرائيل إلى هذه الدرجة. ـ مستعرب وصحافي إسباني