الملف السياسي: تعتبر قوة العمل اليهودية Jewish Task Force أخطر منظمات اليمين الإسرائيلي وأكثر الجماعات الصهيونية تطرفا ضد العرب والإسلام، وينبنى فكرها على استحالة التعايش السلمي بين العرب واليهود، وادعاءات العداوة العربية لليهودية وإسرائيل المتأصلة تاريخيا منذ ما قبل يونيو 1967، ويستدلون على ذلك بقتلى اليهود في فلسطين تحت الانتداب البريطاني بين عامي 1936 ، 1939، وبرفض العرب قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، وقيامهم بجولة حرب 1948 تأكيدا لرفضهم قيام أية دولة يهودية على أية رقعة في قلب العالم العربي، ولا يقتنع أعضاء قوة العمل اليهودية بالتعديلات التي أدخلها عرفات على ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية لتأكيد اعترافه بدولة إسرائيل وحقها في الحدود الآمنة وفي التعايش مع دولة عربية تقام في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، ويدعي أولئك الصهاينة أن 80% من مواطني إسرائيل اليهود يرغبون في الفصل الكامل بين اليهود والعرب في التسوية السياسية النهائية - إذا تمت - بما في ذلك مدينة القدس. ويرون أن ذلك قد يكون ممكنا بقيام كيان فلسطيني على أجزاء من الضفة الغربية وغزة، وإن كان بالغ الصعوبة بالنسبة لنحو 1.2 مليون نسمة هم عرب 1948 المقيمون في إسرائيل، وتدعي قوة العمل اليهودية أن الفصل بين العرب واليهود يلقى تأييدا أمريكيا وبريطانيا متزايدا حتى الآن، ويمضي بعض أعضائها الأكثر تطرفا إلى التشكيك في وجود دولة فلسطينية عبر عصور التاريخ القديم والوسيط والحديث، ويزعمون أن الرقعة المعروفة جغرافيا الآن باسم فلسطين كانت جزءا من جنوب سوريا، مع أنهم يسلمون بأن اليهود ظلوا ألفي عام خارج فلسطين في بلاد الشتات، ويرددون أن سكان الأرض التي تعرف اليوم باسم إسرائيل لم يتجاوزوا مائتي ألف نسمة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، بل إن تلك المنظمة الصهيونية تدعي أن أغلب العرب في إسرائيل من أصل مصري وقد هاجروا إلى فلسطين في أواخر ذلك القرن، والعقود الثلاثة الأولى من القرن الماضي ليشاركوا في التطور الاقتصادي الذي صنعته الهجرات اليهودية في تلك الحقبة!! كما أن ياسر عرفات ذاته ولد في مصر وتعلم فيها وكانت القاهرة وراء منظمته فتح من بدايات التكوين إلى العمل المسلح ضد إسرائيل. وتدعو قوة العمل اليهودية إلى استقطاب مهاجرين يهود جدد إلى إسرائيل، وإلى يهودا والسامرة، وهما الضفة الغربية لنهر الأردن، من بين ثمانية ملايين يهودي لا يزالون يعيشون خارج أرض الميعاد المزعومة التي يمكن أن تمتد في المستقبل من النيل إلى الفرات حسب الوعد الإلهي المختلق، وأشادت المنظمة بوصول 45 ألف مهاجر يهودي جديد إلى إسرائيل خلال عام 2001 على الرغم من أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وجاء بعضهم من الأرجنتين وجنوب إفريقيا وفرنسا إلى جانب دول شرق أوروبا بالطبع، وهو ما يعطي لإسرائيل الأمل في الارتفاع بسكانها اليهود من 5.1 مليون في بداية القرن الحادي والعشرين الميلادي إلى ثمانية ملايين نسمة على الأقل قبل انتهاء عام 2011 الميلادي. توظيف حرب بوش الإرهابية ما أن حدثت تفجيرات 11 سبتمبر في واشنطن ونيويورك حتى اندفعت الصهيونية العالمية لتدين المسلمين عامة والعرب بوجه خاص بالتورط فيها بالتمويل والتخطيط والتنفيذ، وانبرت قوة العمل اليهودية لتعلن أنها تقود المعركة السياسية لليمين في إسرائيل لإنقاذ الوطن اليهودي والولايات المتحدة الأمريكية من منظمات الإرهاب في العالم الثالث وبخاصة جماعات الإرهاب الإسلامي، وادعت - مثلما تورط بعض الحكام العرب - أن الأوضاع في فلسطين المحتلة هي الدافع والسبب المباشر لكثير من الحوادث الإرهابية في الغرب على وجه الخصوص، مثلما يعتبر المسلمون مسئولين عن ذلك النوع من التدمير والتخريب في إندونيسيا وباكستان والفيليبين وتركيا وألبانيا والبوسنة وكوسوفا!! وردد أتباع تلك المنظمة الصهيونية مقولة جون أشكروفت وزير العدل الأمريكي الذي ادعى أن «الدين الإسلامي يدعو أتباعه إلى إرسال أبنائهم ليلقوا مصرعهم من أجل الرب »!! ودعت قوة العمل اليهودية جماعات الضغط الصهيونية وأنصار إسرائيل في الإدارة والكونجرس الأمريكيين إلى تبني خطة من سبع نقاط لمحاربة الخطر الإسلامي على الغرب وعلى إسرائيل، أولها استخدام القوة العسكرية التقليدية وغير التقليدية، وبخاصة الأسلحة النيوترونية، التي تقتل البشر ولا تدمر المدن، ضد الدول التي تستخدم أو تدعم أنشطة الإرهاب ضد الولايات المتحدة، وثانيتها تدمير القدرات النووية والكيميائية والبيولوجية لكافة الدول الإسلامية وفي مقدمتها إيران والعراق وسوريا وليبيا، والنقطة الثالثة هي تحقيق الاكتفاء الذاتي للولايات المتحدة من موارد الطاقة بالاعتماد على مزيد من التنقيب عن البترول في وسط وغرب القارة الأمريكية الشمالية، وزيادة الاعتماد على واردات البترول الروسي، والاستغناء بواردات البترول من آسيا الوسطى الإسلامية عن جزء كبير من الواردات البترولية التي تأتي من المملكة العربية السعودية والعراق!! ويأتي رابعا وقف كافة المساعدات الخارجية الأمريكية لجميع الدول الإسلامية بدءا بمصر، وخامسا وقف الهجرات القادمة من العالم الثالث إلى الولايات المتحدة وطرد المسلمين غير الحاصلين على إقامات مشروعة في أراضيها، والنقطة السادسة الخطيرة هي التوقف عن رعاية التسويات السياسية السلمية في الشرق الأوسط وبخاصة في فلسطين، ويبقى أخيرا شل فاعلية منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها التي تهدد الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي الجديد!! وتحركت قوة العمل اليهودية تؤازرها أغلب المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة للترويج لهذه التوجهات بين أعضاء الكونجرس الأمريكي وبين المتعاطفين مع إسرائيل إلى درجة الولاء الكامل لمصالحها وأهدافها القومية، وفي مقدمتهم نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ومستشارة الرئيس للأمن القومي كوندوليزا رايس!! جزاء سنمار كأنها تعترف ضمنا بقدر من المسئولية عن تورط بعض المسلمين في أنشطة إرهابية، على الرغم من عدم إعلان واشنطن أية أدلة يقينية على ذلك، قدمت كل دولة عربية وإسلامية ما طلبته منها واشنطن من قواعد أو تسهيلات أو معلومات لخدمة عمليات القوات الأمريكية وحلفائها في أفغانستان دون مقابل سياسي متفق عليه مع الإدارة الأمريكية، وأهمل الأمريكيون قضية فلسطين التي صمت بشأنها العرب والمسلمون إلى حين، حتى إذا هدأت الأحوال نسبيا في بلاد الأفغان بدأ طور جديد في التآمر على العرب المنكوبين بظروف داخلية وإقليمية ودولية غير مواتية بالمرة للحفاظ على مصالحهم الأمنية والحيوية، ودفع جورج بوش نائبه ديك تشيني في جولة طويلة بالمنطقة العربية في مارس الماضي، ليدعو حكام العرب جميعا إلى حضور قمة بيروت وإقرار مبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز بشأن التطبيع الكامل مع إسرائيل مقابل الانسحاب التام من الأراضي العربية في يونيو 1967 دون تعديل، وليطلب صورا مختلفة من الدعم للضربة الأمريكية المرجحة ضد العراق أو الصمت عنها إذا أجهزت على نظام صدام حسين في وقت وجيز: لكن الإدارة الأمريكية فوجئت برفض أغلب العواصم العربية لضرب العراق ،وبحديث بعض حكامها عن المعايير المزدوجة التى تطبقها واشنطن على أسلحة الدمار الشامل فى إسرائيل من جهة وفى العراق و إيران من جهة أخرى، ومطالبتهم بحل سياسى قريب لمشكلة فلسطين، ثم وجد جورج بوش إحجاما من أغلب القادة العرب عن حضور قمة بيروت ، وضاق ذرعاً بالتعديلات التى أدخلتها على المبادرة السعودية و شملت ربط التطبيع بانتهاء النزاع بين العرب وإسرائيل ، وحل مسألة اللاجئين وقيام دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية على الضفة الغربية لنهر الأردن و غزة ، وعاصمتها القدس الشرقية، واستهجن الرئيس الأمريكي دعوة قمة بيروت إلى تقارب عراقى كويتى وحل المشاكل العالقة بين البلدين، ومن ثم أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعملية «الجدار الواقى» للقضاء على المقاومة الفلسطينية ، وتثبيت قواعد الدولة اليهودية ، ثم تصفية مصادر التهديد لحدود إسرائيل الشمالية، وهو ما يدعم كيان الحليف الرئيسى للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط من ناحية، ويتفق مع أهداف حملة الإرهاب الأمريكية فى تصفية تنظيمات المقاومة فى البلاد الإسلامية من ناحية أخرى أيا كانت عدالة قضاياها ، وكذلك مما يؤدى إلى انكماش المعارضة العربية لضرب العراق طبقاً لنظرية الذعر المألوف من رأس الذئب الطائر، وكانت هذه الخطة قد نوقشت فى اجتماع حضره ديك تشينى لمجلس الوزراء الأمنى المصغر فى إسرائيل فى مارس الماضى، وأيد فيه تشينى دعوة اليمين الإسرائيلي لتنفيذ عملية «الجدار الواقى» غداة قمة بيروت مباشرة كمرحلة أولى فى «حرب البقاء» التى يعتبرها شارون استكمالا لحرب الاستقلال عام 4849 وهكذا اجتاحت القوات الإسرائيلية الضفة الغربية لنهر الأردن بدءا من 29 مارس الماضى مدعية أنها تمارس حق الدفاع الوقائى عن النفس، وارتكبت مجازر كبرى فى جنين ونابلس ورام الله، واستهدفت بالدرجة الأولى مخيمات اللاجئين فيها ، و البنية الأساسية فى كافة مدن الضفة الغربية وعمد شارون إلى التصفية الجسدية للفلسطينيين المنتمين إلى الأجنحة العسكرية لمنظمات المقاومة، وإلى تدمير بعض عناصر الشرطة والأمن الوقائى ، واعتقال سبعة آلاف فلسطينى فى الشريحة العمرية من 15 إلى 50 عاما خلال 16 يوما من بدء العملية الحربية التى سقط فيها حتى الآن أكثر من ألف شهيد وستة آلاف جريح ولم تكتف الولايات المتحدة بتوفير الغطاء السياسى الدولى للعملية الإسرائيلية ، بل تعطل تنفيذ قرارى مجلس الأمن رقمى 1402، 1403 لوقف إطلاق النار و انسحاب القوات الإسرائيلية من مدن و قرى الضفة الغربية التى اجتاحتها فى بربرية لم يشهدها العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولاتزال ترفض إرسال قوة حفظ سلام دولية إلى فلسطين المحتلة. وقد اطمأنت واشنطن إلى محدودية ردود الفعل العربية التى اقتصرت على إجراءات عملية متفاوتة للضغط على إسرائيل من جانب مصر والعراق ولبنان ومساعدات مالية وإنسانية قدمتها السعودية والإمارات، وأتاحت واشنطن لشارون كذلك فرصة استكمال عمليته الحربية، وتقسيم قطاع غزة إلى ثلاث مناطق، والتهديد باجتياحها. التطورات القريبة المحتلة تنفرد الولايات المتحدة بإدارة الموقف فى الضفة الغربية لنهر الأردن و غزة، والضغط على سوريا ولبنان لوقف هجمات حزب الله فى مزارع شبعا المحتلة وضد مستوطنات الجليل الأعلى، ولا تتعجل الإدارة الأمريكية تنفيذ وثيقة زينى أو تفاهمات تينيت و توصيات ميتشل فى فلسطين المحتلة، بل تريد أن تقفز إلى مؤتمر دولى تحت إشراف أمريكى يضم الدول العربية و إسرائيل للتباحث حول المبادرة العربية للتطبيع والانسحاب، وتطمع واشنطن أن تعمل بالتوازى فى مسارى المشكلة الفلسطينية و القبول الإقليمى لدولة إسرائيل إلى حد التعاون العربى الشامل معها مما يخدم المطامع الصهيونية فى اختراق اقتصاديات العرب ، وكسب الوقت لاستقبال الهجرات اليهودية الجديدة، والاستعداد لجولة قادمة ، وبخاصة ضد سوريا و لبنان!! وفى الوقت ذاته يطالب اليمين الإسرائيلى ، وتضغط المنظمات الصهيونية فى الولايات المتحدة على الرئيس جورج بوش لإنشاء حلف معلن يضم الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل يعطى للدولة اليهودية بعداً جديداً فى معادلات التوازن الاستراتيجى الشامل مع العرب كأنها لم تختل بعد بفعل الدعم الأمريكى السافر لإسرائيل اقتصاديا وعسكريا و أمنيا!! ولن تتجدد بوارق الأمل فى سماواتنا العربية ما لم يستيقظ عرب العصر من سباتهم العميق ، ويتجهون سراعا إلى التكامل الاقتصادى و إحياء الدفاع العربى المشترك دفاعا عن البقاء و الأرض العربية ، ولله الأمر من قبل ومن بعد!! ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط