الملف السياسي: دخل الصراع العربي الاسرائيلي مرحلة الحسم وبات رصد اتجاهات مجتمع العدو الاسرائيلي ضرورة وليس ترفا في مواجهة دولة الصهاينة التي دست مبكرا باحثيها لينقبوا في حوارينا وعقولنا، وقد اعتمدنا في السطور القادمة على تتبع نظرة الصهاينة الحالية للمحطات التاريخية الرئيسية التي يعدونها خطايا دولة اليهود بهدف استشراف المستقبل وفي الوقت نفسه لم نكتف بدروس الماضي ونظرة الصهاينة الحالية بها حيث رصدنا توجهات جيل الشباب طلبة المدارس الثانوي في اسرائيل ومخاوفهم من المستقبل. لم تعد الصورة قاتمة رغم جموح وجنون حكومة شارون واعتمادها فقط على جدارة القوة فقد كان الصدام متوقعا لاختبار حدود قوة الفلسطينيين التي اخطأ شارون وعصابته تقديرها فرغم ان الاسرائيليين من الذين رفعوا مسوح اليسار ولافتات الاعتدال روجوا لقرب تحقق نبوءة وردت في سفر اشعياء في كتاب العهد القديم تتحدث عن حلول عصر السلام وتحول الرماح والسيوف الى عملة وتوطد العلاقات الودية بين ألد الاعداء حتى بين الذئاب والحملان فقد كانت اتفاقات أوسلو تحمل في طياتها كل عوامل الفشل بعد ان أجلت حسم كل القضايا المصيرية لمفاوضات الحل النهائي التي ماتت وماتت معها اوسلو فكيف يقيم الاسرائيلي الماضي وماذا يتوقع مستقبليا على خلفية صمود الانتفاضة؟ وكيف يتشكل القرار الاسرائيلي في مجتمع متشرذم؟ الموشرات منذ البداية لا تصب في مصلحة اسرائيل فعملية اتخاذ القرار دوما ترتكز فقط على رؤى العسكريين التي يحملها عدد من المنظرين سواء من المعسكر العلماني او المعسكر الديني ومن هنا لم يكن مستغربا ان يعترف 50 باحثا متخصصا بخطايا اسرائيل الكبرى والتي من شأنها ان تقضي على مخططات الصهاينة للابد خلال بضع عشرات من السنوات بحد اقصى. الخطيئة الاولى وفقا للباحثين الخمسين الذين اعلنوا آراءهم منذ ايام هي زرع المستوطنات في اراضي الضفة وغزة لانها تسببت في سفك دماء وتعتبر عقبة اساسية امام اقرار السلام في الشرق الاوسط كله وهي الخطيئة التي انطلقت بشكل اساسي عبر فتوى حكومية صدرت في 12ـ 4ـ 68 تقر فيها طلب احد الحاخامات لبناء (فندق) في مدينة الخليل وهي العقبة التي يمكن تجاوزها بسهولة لا يتوقعها الا من يدرك ان رقم المئتي ألف مستوطن هو رقم مبالغ فيه ويسعى في المقام الأول لابتزاز قدر أكبر من التعويضات من دول عربية وغربية عند اخلاء المستوطنات فأغلب المستوطنين يقيمون بشكل جزئي في المستوطنات بمعنى انهم يقضون فيها بعضا من ساعات النهار أو العكس مع عيشهم حياة طبيعية كاملة في مدن اسرائيلية داخل اراضي الـ 48 ونسبة البالغين الذين يتمسكون بالأرض لأسباب ايديولوجية لا يتجاوزون الـ 10% بينما الباقون ينتظرون في المقام الأول التعويض عن اراض حصلوا عليها بالمجان ممن لا يملكون. وعلى أية سابقة اخلاء مستوطنات سيناء ستكون هي النموذج في هذا المجال مع امكانية مبادلة اراضي مستوطنات كثيفة التعداد نسبياً بقرى فلسطينية تقع في منطقة المثلث داخل حدود الـ 48 وهي التصورات التي دفعت الانتفاضة غالبية الاسرائيليين في قبولها حالياً. الخطيئة الثانية من وجهة نظر المفكرين الاسرائيليين حالياً كانت توسيع نطاق حرب لبنان عام 1948 (وهي مثلها مثل الخطيئة الأولى يتحمل شارون وزرها بشكل كبير) فهذه الحرب تمت بدون أهداف محددة وحصدت مئات القتلى بين صفوف الجيش الاسرائيلي الذي تخطى بقيادة وزير الدفاع آنذاك مسافة الأربعين كلم التي تم الاتفاق في جلسات الحكومة الاسرائيلية على عدم تجاوزها. الخطيئة الثالثة وهي ذات دلالة خاصة وتمثلت في تغيير طريقة الانتخابات والتي تم اقرارها في 18/3/92 لكن تم العمل بها في عام 96 وهي الطريقة التي تقوم على الانتخاب المباشر لرئيس الوزراء بمعنى ان يضع كل ناخب بطاقة تصويت لأحد الاحزاب وبطاقة ثانية منفصلة لمرشح لرئاسة الوزراء الطريقة الجديدة كانت تستهدف تقليل ابتزاز الاحزاب الصغيرة عند تشكيل الحكومات الائتلافية لكن ما حدث على ارض الواقع هو ان الطريقة الجديدة زادت من قدرة الاحزاب الصغيرة على الابتزاز بشكل يتنافى مع اي اطار ديمقراطي، وهي الطريقة التي اتت بنتانياهو للحكم فشارون بعد فترة لم تكتمل لباراك. الشعور بأن الاحداث تجاوزت دولة اليهود يمكن تلمسها في المجتمع الاسرائيلي بمجرد النظر للشوارع الخالية والخوف الذي يرتسم على وجوه الجميع في كل وقت على خلفية أزمات اقتصادية طاحنة وضرائب جديدة، كما يمكن رصد النتيجة نفسها من اعتبار الخبراء الاسرائيليين ان رفض المبادرة السعودية او تجاهلها هو الخطيئة الرابعة على مدار التاريخ الصهيوني كله. فهي حسب الخبراء فرصة اخرى للسلام لم تدرسها الحكومة الاسرائيلية على الاطلاق وضيعتها على الرغم من تحدث شارون منذ ايام عنها فقد تحدث عنها بشكل عابر وغير ملزم. الخسارة الفادحة وفقا لأحداث التعليقات حول المبادرة والصادرة عن ابرز المتخصصين المشاركين في البحث الجماعي تمثلت في رفض اسرائيل لمبادرة اقرت فيها الدول العربية كلها بما فيها سوريا والعراق بحق اسرائيل في الوجود مقابل العودة لحدود 4 يونيو 67 وهي الحدود التي يقبلها غالبية المنتمين لمعسكر العلمانيين والقوميين في اسرائيل باستثناء جماعات مسيحانية ستضيع فرصة انهاء الصراع وستضيع تقويم مسار الصهيونية وتحويل اهتمامها بالبشر بدلا من النظريات. رفض المبادرة نبع في الاساس بالاضافة للأسباب الامنية لخوف الاسرائيليين من الصدمة الثقافية العربية فالمجتمع الاسرائيلي (حسب دكتور جي باخور خبير الشئون العربية البارز في اسرائيل) يتحدث كثيرا عن السلام مع الشرق لكن قلبه في الغرب. الخطيئة الخامسة والتي تأتي في الاغلب كنوع من التجميل كانت عدم صياغة دستور لاسرائيل خاصة في الفرصة الاقرب للاتفاق على ذلك عام 1950 فالدستور في الواقع يحمي حقوق المواطنة ويحدد سمات الدولة وهو ما يدفعها للانهيار الذاتي في حالة تطبيقه على اسرائيل. الخطيئة السادسة الفشل الاستخباراتي قبيل حرب اكتوبر 73 حيث كبد وفقا للباحثين الاسرائيليين آلاف القتلى وتهديد الدولة الصهيونية كلها. أما الخطيئة السابعة فهي مصادرة أراضي فلسطينيي الـ 48 بشمال اسرائيل في 30 مارس 67 وهي الذكرى التي تحولت ليوم الأرض حيث تمت مصادرة 100 ألف دونم من أراضي الفلسطينيين فقد أثبتت للجميع انه لا توجد مساواة في اسرائيل وهذا في غير صالح اليهود في النهاية. الخطيئة الثامنة تمثلت في رفض مبادرة يارينج (السويدي الذي اقترح اتفاق سلام مصري اسرائيلي يقوم على الانسحاب لحدود 67 حتى بعد ان قبلها السادات عام 1978 في خطوة اعتبرها الامريكان آنذاك مرونة غير متوقعة. وكان قبول اسرائيل للمبادرة سيوفر عليها آلاف القتلى عام 73. الخطيئة التاسعة اقرار وجود مؤسسات تعليمية دينية لا تقوم على المساواة وترفض الديمقراطية ولا تقدم في الوقت نفسه مناهج تعليمية تتواكب مع العصر. وذلك وفقا لقرار صدر بهذا الشأن في عام 53 وبشكل مواز أتت الخطيئة العاشرة والتي كانت قبول تأجيل خدمة المدينين. وإذا انتقلنا للخطيئة الهامة التالية سنجد ان الخبراء اعترفوا بأنها سياسة باراك في كامب ديفيد «حيث عرض على عرفات مقترحات لا يمكن على أي فلسطيني أن يقبلها مقابل انهاء الصراع وعندما رفضها عرفات زعم باراك ان عرفات ليس شريكا في عملية السلام وهي السياسة التي اتبعها ايضا مع السوريين وتدل على قلة جراءة سياسية كانت من شأنها أن تؤدي لاتفاق سلام مع دمشق وانهاء الصراع مع الفلسطينيين لكن ما حدث كنتيجة لسياسة باراك هو اندلاع الانتفاضة الثانية. واذا كنا قد وصلنا بهذا الشكل للانتفاضة الباسلة والفترة الحالية فقد حان الوقت للحديث ايضا عن توجهات المجتمع الاسرائيلي المستقبلية من خلال أحدث دراسة تمت وسط تلاميذ المدارس الثانوية الذين أكد 47% منهم انهم يشكون في امكانية استمرار دولة اسرائيل في الوجود لخمسين عاما مقبلة. وفي المقابل يرى الاسرائيليون حاليا ان أهم انجاز تحقق لاسرائيل هو توقيع اتفاق السلام مع مصر ومن بين أهم الانجازات تهجير اليهودي الشرقيين لاسرائيل وبناء المفاعل النووي في ديمونة عام 58 واتباع سياسة ضبط النفس خلال حرب الخليج. كذلك يمكن رصد اثار الازمة التي تحيط بالمجتمع الاسرائيلي من شك الصهاينة حتى في الحليف الاساسي لهم (الرئيس الامريكي) حيث اكد 47% ممن اجرى عليهم في اسرائيل منذ ايام استطلاعا للرأي بأنهم لا يثقون في بوش ويعتقدون انه لن يتدخل لنجدة اسرائيل، بينما قال 46% انهم يعتقدون انه سيتدخل لنصرة اسرائيل في الوقت المناسب في الوقت نفسه قال نسبة كبيرة ان تاريخ شارون هو الحل فذكر 58% من الاسرائيليين انهم يرون ان بنيامين نتانياهو يعد الشخص الملائم حاليا لتولي منصب رئيس الوزراء في اسرائيل. وبالنسبة لاستمرار المقاومة الفلسطينية اعترف 47% ممن اجرى عليهم الاستطلاع أن العمليات العسكرية الحالية لم تقلل من العمليات الاستشهادية مستقبلا بل على العكس ربما تجعلها تزيد في حين قال 12% انهم لا يعرفون ماذا سيحدث في هذا المجال بعد انتهاء عمليات اجتياح المدن والمخيمات وقال 41% فقط ان العمليات الاستشهادية ستقل. الاحباط الاسرائيلي جعل 54% من الاسرائيليين يؤكدون انهم يؤيدون اقامة دولة فلسطينية واعرب 52% من الاسرائيليين عن موافقتهم على المبادرة الصهيونية وفق تفسير اعادة (كل اراضي 67) وفي اطار مواز اكدت نسبة كبيرة (47%) انهم يقبلون بوجود قرارات دولية ولكن امريكية فقط لها صلاحيات للاشراف على الدولة الفلسطينية. نستخلص من كل هذا: ان المجتمع الاسرائيلي من القاعدة وحتى النخبة يعاني من عقدة الخوف من الموت وهي عقدة متأصلة بشكل خاص في النفس اليهودية لكنها تعاظمت على خلفية الانتفاضة. وان تنامي قوة العسكريين مع فشلهم في تحقيق اي نصر حقيقي وتنامي القوى الدينية التي لا تخدم في الجيش الاسرائيلي وتتمتع بدعم مالي حكومي كبير اصبح موضع انتقاد يهدد الاستقرار الظاهري الهش. وان المجتمع الصهيوني نفسه لا يثق في امكانية الاستمرار على المدى القريب لعدم تمتع المجتمع بالنفس الطويل والرغبة في التضحية الموجودة لدى الشعوب الطبيعية خاصة في ظل فشل كل المخططات والمذابح في قمع المقاومة والارادة الفلسطينية. تلاحق المعارك والضغط الاقتصادي والاخلاقي واهدار طرق السلام تصب بشكل مباشر في مصلحة المقاومة الفلسطينية والتي اقنعت الاسرائيليين بقبول ما كانوا يرفضونه باصرار في وقت قريب. النصر قريب والاسرائيليون انفسهم يتحدثون الآن استعدادا لآخر صهيوني يغادر اسرائيل لاطفاء النور في مطار بن جوريون. ـ كاتب مصري متخصص في الشئون الاسرائيلية