حاول ألوف بن المراسل السياسي لصحيفة «هآرتس» استشراف المستقبل بعد انتهاء عملية «السور الواقي» والتي اقتحم جيش الاحتلال على أساسها مناطق السلطة الوطنية، واغتال واعتقل آلاف، وخلص الكاتب الى انه لم يعد هناك بعد انهيار السلطة الفلسطينية سوى خيارين لضمان أمن اسرائيل: الأول اعادة الاحتلال، والثاني التدخل الدولي الكبير، وفيما يلي نص المقال. أحدثت حملة «السور الواقي» تغييرا عميقا في الجدال السياسي في اسرائيل وأعادت رسم خطوط الفصل بين اليسار واليمين، والتي تشوشت في عقد اتفاقات أوسلو والمواجهة العنيفة مع الفلسطينيين. فاليمين بات يروج لاعادة السيطرة الاسرائيلية على المناطق، واليسار لفرض تسوية بواسطة قوة دولية. احتلال أم تدويل، ذاكم هما المساران اللذان سيتحرك فيهما الحوار الجماهيري في اسرائيل من الآن فصاعداً. والقاسم المشترك بين النهجين هو اعترافهما بفقدان الأمل في أي اتفاق كان، حتى ولو لوقف النار مع الفلسطينيين. وفي هذا لا جديد، بيد ان الحملة في المناطق قد أدت الى انهيار اجهزة السلطة الفلسطينية ووضعت حدا لتحولها «الرجوبي»، ذاك النموذج الأمني الذي أودع منع الارهاب في أيدي مقاولين فرعيين فلسطينيين، مقابل التقدم الشخصي والاقتصادي ووعود سياسية غامضة. والآن اقتربت الحملة من نهايتها، وبقيت اسرائيل مع ذات المشكلة: من يحرص على الأمن في المدن الفلسطينية بعد خروج الجيش الاسرائيلي؟ فترك فراغ هو دفيئة للعمليات التخريبية. وفي الجيش الاسرائيلي يتحدثون عن اعادة ترميم القدرة الفلسطينية واقامة اجهزة أمن «في صيغة مغايرة»، كي يأخذ أحد ما المسئولية، وبالاساس الذنب بالفشل. القيادة الفلسطينية غير متحمسة للسقوط في هذا الفخ، ومن هنا معارضتها لوثيقة وقف اطلاق النار التي طرحها انتوني زيني والجدال العنيد من طرف ياسر عرفات مع كولين باول. وفي ظل غياب سلطة فلسطينية قوية، يتبقى جهتان يمكنهما الحرص على الأمن. اليمين الاسرائيلي يريد ان يقوم بعملية انقلاب تاريخي، وطرد عرفات وعصبته من هنا واعادة المناطق الى عهد ما قبل اوسلو. وهذا الرأي مقبول ليس فقط على الاتحاد القومي، بل وعلى حزب يميني معتدل مثل شاس، التي دعا زعيمها ايلي يشاي الى اعادة احتلال الضفة الغربية. لم يتحمس اليمين في أي يوم من اتفاق اوسلو بحيث ان حلم الاحتلال لديه لا ينطوي على انقلاب فكري، أما اليسار، الذي أقام سياسته على الحلف مع عرفات، فقد فقد طريقه بعد الضربة التي تلقاها في كامب ديفيد وفي الانتفاضة. شلومو بن عامي ويوسي سريد كانا أول من دعا الى التدخل الدولي بدل التسوية المتفق عليها للخروج من المناطق والاستقلال الفلسطيني. أما يوسي بيلين، الذي يتمسك بالاتفاق وعارض بحزم الفصل من طرف واحد أو التدويل، فقد غير من موقفه مؤخراً. ففي الوضع الحالي يؤيد بيلين انتشار «قوة دولية مهمة» تحل محل السلطة الفلسطينية وتحافظ على الهدوء، واذا ما عاد اليسار الى السلطة، فانه يقترح تخصيص سنة للمفاوضات، واذا ما فشلت يحل محلها الفصل أو التدويل. في منطقة المشاع السياسي يعلق ثلاثة زعماء حكومة الوحدة، ممن لا يزالون يراوحون عند الحوار القديم. شارون فحص فوجد بأن اعادة الاحتلال واحياء الادارة المدنية في المناطق سيكونان مكلفين بقدر لا يطاق. وأحاديثه تدل على انه يرفض التدخل الاجنبي، ولكن أفعاله تقود اليه، اذ يوافق على طاقم المراقبين الاوروبيين في المناطق، وبموافقته على المشرفين الامريكيين وبدعوته لمؤتمر اقليمي. أما بيريز فقد قال هذا الاسبوع ان اسرائيل مطالبة ببذل جهود جبارة لمنع حل مفروض من الخارج وهو يتحدث عن «أفق سياسي» غامض. وماذا عن بن اليعازر؟ انه يكتفي، على نهجه، بدخول في مسيرة سياسية، يصبح الأمر بعدها على ما يرام بشكل ما، أو لا يصبح كذلك. لقد انتهت حملة «السور الواقي» بتفويت سياسي كبير. ففي دول كثيرة حصل الارهاب الفلسطيني على الشرعية كحرب تحرير وطنية، وفقدت اسرائيل الأساس الاخلاقي لأعمالها ولسياستها في ان باول وخافيير سولانا يتمنيان التخلص من عرفات ومن شارون على حد سواء. وفي الأسرة الدولية يتعاظم الميل الى التدخل وفرض النظام، دون طلب اذن الاسرائيليين والفلسطينيين عديمي المسئولية. وقد دعا الأمين العام للامم المتحدة كوفي عنان الى مرابطة قوة دولية قوية في المناطق، مثلما في افغانستان، وعدم انتظار موافقة الطرفين.