بيان الاربعاء: مسافة طويلة... طويلة جدا تلك التي تفصل بين جبال تورا بورا في اقصى شرق افغانستان وبين جبال النوبة في غربي اواسط السودان. لكن خيطا ما، يبدو رفيعا باهتا حينا، وغليظا واضحا للعيان احيانا، يربط بين المعارك العسكرية الطاحنة، في الهضاب المكسوة بالثلوج القابعة في اسيا الوسطى، وبين المعارك السياسية المشتعلة في السودان لارساء السلام في سلسلة المرتفعات الخضراء الممتدة في قلب اكبر دولة بقارة افريقيا. ولن تخطيء عين اي مراقب سياسي ان هذا الخيط المشترك بين ما يدور هنا وما يدور هناك هو «صناعة امريكية». واذا كانت الولايات المتحدة قد حشدت في تورا بورا كل قوتها العسكرية بل واستعانت بقوات حلفائها في مواجهة مقاتلي نظام طالبان وتنظيم القاعدة الذي يتزعمه اسامة بن لادن، فان واشنطن لم تتوان عن استخدام القوة نفسها المحتشدة هناك «فزاعة» لممارسة الضغوط على كثير من الدول، فاعتبر بعضها واذعن وراوغ بعضها وناطح قبل ان يرضخ، وناطح بعضها ولايزال. وفي ذروة انشغال العالم بالمعارك في تورا بورا وجد السودانيون انفسهم منشغلين بمنطقة جبال النوبة التي قفزت هكذا فجأة لتتصدر اجندة المحافل السياسية بأوامر امريكية غير مباشرة. كان المبعوث الامريكي الخاص الى السودان القس السابق جون دانفورث هو اول من القى بالحجر عندما اقترح وقف اطلاق النار بين القوات الحكومية وقوات حركة قرنق في هذه الجبال تمهيدا فيما يبدو ـ حسب تحليل سياسيين سودانيين ـ للتوصل الى اتفاق سلام شامل بتطبيق النموذج خطوة خطوة في مناطق الحرب الاخرى. واثار الاقتراح الذي تحول لاحقا وبعد رأي الى اتفاق هدنة رسمي هو الاول من نوعه بين الطرفين، جدلا شديدا في الساحة السياسية السودانية، مابين مؤيد بقوة ومؤيد بخجل، ومتردد، ومعارض بلطف ومنتقد بشدة غلف باتهامات وتحذيرات من تدخل اجنبي سيتطور لاحقا الى تحويل المنطقة الى «محمية» امريكية. لبلورة هذا الجدل في نقاط محددة نظم مكتب «البيان» في الخرطوم ندوة جامعة وسأل ستة وزراء حاليين وسابقين وخمسة قياديين حزبيين السؤال التالي: اتفاق جبال النوبة نهاية حرب ام بداية تدخل اجنبي في السودان؟! تحدث الشفيع الفكي علي فقال عنوان الندوة مرتبط بسؤالين هل هذه الاتفاقية نهاية حرب؟ والسؤال الثاني هل هذه الاتفاقية بداية تدخل اجنبي؟ وايهما كان في «الايجاب» سيضع الاخر في «السلب»، واتفاقية جبال النوبة هي اتفاقية متكاملة والقضية كبيرة اخذت على مراحل، والسؤال الذي يتبادر للاذهان: لماذا جبال النوبة؟ وكان في الامكان اختيار الجنوب او الانقسنا او البجة في شرق السودان، وهذه المناطق كلها لها محاور امنية وهناك من يمثل هذه المناطق داخل حركة قرنق. لقد اختيرت جبال النوبة لأسباب عدة، منها ان منطقة جبال النوبة منطقة جغرافية محدودة الرقعة والمعالم تضم جنسيات وعرقيات متعددة منها العرب والنوبة والفلاتة والجلابة والدينكا والنوير. والمقصود من هذه الاتفاقية ان تكون الانموذج الذي يقتنع به الاخرون، وفي حالة نجاح هذا الانموذج قد يقتنع المتمردون ويضعوا السلاح ويطلبوا ان يتم في منطقتهم تطبيق ما تم في جبال النوبة. واكثر من هذا فإن مسألة جبال النوبة هي قضية ضاغطة بالرغم من اننا نجد ان مسألة جنوب السودان هي اقدم من جبال النوبة، ولكن الذي يجعل امر قضية جبال النوبة تطفح الى السطح هو تمكن ابناء جبال النوبة في الخارج في اوروبا وامريكا وكندا واستراليا في جعل القضية في متناول كل الشعوب بما فيها الشعب الامريكي، كما ان هنالك سببا جوهريا يتمثل في ارتباط جبال النوبة بالزنوج في امريكا والذين يشكلون في الانتخابات نسبة عالية لا تقل عن 13% فإذا كان الصوت الواحد في امريكا يشكل نزاعا كبيرا على مستوى انتخابات رئاسة الجمهورية فمابالك بكمية كبيرة من الاصوات بهذا الشكل، وبالتالي هم حقيقة متعاطفون معنا في قضية السودان ككل وفي جبال النوبة خاصة. كما ان امريكا تهتم بالثمار الطبيعية والانتاج الطبيعي للجنوب وهذا ما يمثله السودان، كما ان السودان لديه الكثير من المعادن والبترول، وحقيقة البترول السوداني اقل تكلفة في الاستخراج واجود انواع البترول وامريكا تعلم ان شركة شيفرون قد خرجت من السودان بحماقات سياسية ولكن الشركات الاجنبية حلت بدلا عن شيفرون فقد دخلت الصين وكندا وفرنسا في مجال البترول وتعدين الذهب مما يجعل من الصعوبة امام امريكا ان تتخذ اي قرار ضد هذه المصالح وبالتالي لامريكا ان تغير سياستها تجاه السودان، ومن ضمن هذه السياسات وتغيراتها النتائج الحالية اسهاما في استقرار السودان. لقد قادت امريكا في يوم من الايام دول العام لتأليبها ضد السودان، والان كان مدخل امريكا الى السودان من الناحية الامنية واعتقد ان هذه ذريعة ايجابية، والحكومة الشرعية في السودان لها الحق في قبول الامر لان الدستور يكفل لها الحق في حماية السودان والعمل على استقراره، بشرط الا يكون هنالك خروج عن الاتفاقية تمس السيادة السودانية، الا اذا كان هنالك ما يمس بالسيادة الوطنية فلنا الحق الا نقف معه ولا نسانده ولو ضد حكومتنا، ولكن مادامت السيادة الوطنية لا تمس اعتقد ان الحكومة لها الحق في اتخاذ ما تراه مناسبا. المعارضة والاجنبي العميد ـ م ـ فاروق هلال يقول: ارى ان هناك مشكلة في جبال النوبة كما ارى مشكلة في الجنوب وفي الشرق والشمال والوسط، واوافق على السيناريو الذي تحدث عنه الشفيع مع بعض الاضافات، الحقيقية قبل مجيء الاتفاقية الامريكية الخاصة بجبال النوبة جاءت ورقة امريكية تحوي عشرة بنود ونحن في حزب وادي النيل تقدمنا بمذكرة حول هذا الامر للامين العام للحزب الحاكم في المؤتمر الوطني لان هذه المذكرة الامريكية خطيرة وفيها اذى للسودان، مما يتطلب اجتماعا للقوى السياسية جميعا حتى يتم التفاكر والتدارس توطئة للوصول الى رؤية موحدة لان ذلك سيساعد المفاوض باسم السودان مع الجهات الاجنبية وذلك لان الكلمة ستعبر عن الوحدة الوطنية والرأي العام السوداني، وهذا ينطبق ايضا على السؤال المثار في هذه الندوة اذا ما فهمت الاطراف السودانية المشاكل الحقيقية الموجودة في جبال النوبة مثلا او منطقة الانقسنا او الجنوب قبل مفاجأتها بالاتفاق واعتبر ان هنالك قصورا من الحكومة. ان التدخل الاجنبي الامريكي كما يسميه البعض لم يبدأ بجبال النوبة، واعتقد ان لكل دولة كبرى مصالح وهذا لا يعيب على هذه الدولة ان ترى مصالحها اذا ما وجدت الموافقة من الدولة المستهدفة، والتدخل الاجنبي لم يبدأ بجبال النوبة بل بدأ قبل الاستقلال الذي تحقق بالاجماع الوطني. وما يحدث في السودان الان من التدخل الاجنبي انه بدأ بدعوة كريمة من المعارضة السودانية للقوى الاجنبية، وهذا جر علينا تسمية «السودان سلة المبادرات» للخروج من المأزق. ان الاتفاقية اصبحت امرا واقعا واذا اجتمع السودان كله لا يستطيع تغيير مادة من مواد او بنود الاتفاق، فإن كانت هذه الاتفاقية هي نهاية حرب فالشكر لحكومة الانقاذ على هذا لانها وضعت اوزار الحرب، اما اذا كانت الاتفاقية بداية تدخل اجنبي فهذه مسئولية الحكومة والمعارضة امام الله والشعب السوداني، واتمنى الا تكون بداية حرب، لان ما اوصلتنا اليه الحكومة والمعارضة من تنافر وضغائن فيما بينها كان السبب فيما وصلنا الى ما نحن عليه اليوم من اختلاف، وحسب التنوير الذي تم سرده علينا من الحزب الحاكم ونحن قادة الاحزاب المسجلة يجعلنا نتفق على ان هذا احسن ما يمكن التوصل اليه رغم المقومات الكثيرة التي كانت توضع امام الحكومة وبالرغم من انني لا اعلم ان كانت هنالك بنود مخفية ام لا، ولكن ما تم طرحه علينا تستحق عليه الحكومة الثناء وقد عملت في كل انحاء السودان ولا تكاد ولاية من الولايات خالية من الظلم والاجحاف وهنالك المناطق المقفولة والمغلقة ومناطق اخرى لا تجد حظها من التعليم والتنمية. فالانسان هو الانسان ليس بلونه او دينه او عرقه او جهته وليس بلونه السياسي، فلماذا ننتزع الابتسامة والفرحة التي أطلت على اخواننا في جبال النوبة والذين تشتتوا في الجنوب وفي المدن الكبرى في الشمال. المهم اقول ان امريكا لم تدخل علينا بسبب الافراط، خاصة وقد تغيرت نظرة الاجيال للعالم الخارجي حولنا دون نزاعات او احقاد او ضغائن بل نتعامل مع العالم الخارجي من خلال المنفعة المشتركة سواء مع امريكا او غيرها، ولكن اذا قال احدهم ان السفير البريطاني يسعى لتحقيق السلام في السودان يتم وصف ذلك الشخص بأنه عميل واذا سعت مجموعة للاجتماع مع السفير الامريكي يتم اعتقالهم جميعا. وارى ان هذه الاتفاقية خطوة الى الامام وارجو ان يجانبها التوفيق واعتقد ان السبب الاساسي لنجاح هذه الاتفاقية يتمثل في تبنيها للتنمية والتعليم والصحة، ويجب ان تتكاتف الرؤى والطرح بين ابناء جبال النوبة ذاتهم وان يقودوا شرحا وتنويرا للاتفاقية وسط المواطنين في جبال النوبة بصدق وامانة وشفافية. ان المعارضين لهذه الاتفاقية هم ذاتهم الذين ذهبوا في السابق الى امريكا والمجموعة الاوروبية حتى تتدخل لحل مشاكلنا في السودان. هياج أمريكي علي جاويش: اي مواطن يسر اذا وقفت الحرب لانها تهلك كل شيء خاصة الانسان والبيئة، اما اذا كانت الاتفاقية مدخلا للتدخل الاجنبي فسيكون الثمن غاليا جدا، يعني ان الثمن لا يكون مجرد ايقاف الحرب في جبال النوبة ولكن الثمن سيدفعه السودان ككل. ونحن جميعا متفقون ومسرورون لتزامن ايقاف الحرب مع بداية التنمية، ولكن هم ابناء جبال النوبة وحدهم الذين يقدرون انه ليس هنالك تدخل اجنبي وانه اذا كان هنالك تدخل اجنبي فسوف يدفعون الثمن، واذا كان هنالك تدخل اجنبي فان الامر يحتاج الى نظرة الامة كلها، لان ثمن هذا التدخل سيدفعه السودان كاملا، اعلق تعليقا بسيطا على ما ذكره الشفيع الفكي علي، عن ان امريكا تغيرت واتمنى ان يكون هذا التحليل صحيحا ولكن ليس لدينا مستندات توضح ما ذهب اليه المتحدث، او توضح ما تقوله الحكومة بالنسبة لتغير السياسة الامريكية واستدل على انه في الفترة الاولى لهذه الحكومة كنا نردد شعارات معينة مثل «امريكا روسيا قد دنا عذابها» ثم برزت مؤخرا شعارات تثني فيها امريكا على السودان وتقول ان السودان متعاون جدا في مسألة الارهاب وكذا وكذا، ونحن مصيرنا ان نتعاون مع هذا الكون الشاسع ولكن هذا يحتاج الى عمل كثير حتى نتحول من «امريكا قد دنا عذابها» الى ان السودان من المتعاونين جدا، نحتاج الى عمل فكري واضح والسياسة الخارجية لابد ان تبنى على قواعد ومسارات تكون مقنعة للمواطن العادي، وليست لدينا سياسة مدروسة، اما عن اتفاقية جبال النوبة فقد تقدم المبعوث الامريكي للسلام جون دانفورث بمذكرة للحكومة حوت نقاطا معينة، من جانبها ردت الحكومة بمذكرة، ولكن المهم في الامر ان الدوافع الحقيقية للحكومة الامريكية ليست خاصة بالسودان ولا بجبال النوبة وانما دوافع تتعلق بالسياسة الامريكية، حيث ان المشاكل في امريكا ذاتها تتمثل في الاختلاف والضغوط مع النادي الصهيوني اوالنصراني او المصالح الامريكية وتحديدا الخاصة بالبترول ومن هذا المنطلق جاءت المذكرة الامريكية. الامر الثاني ان هنالك تراجعا داخل الحكومة الامريكية والتي بدأت تناقش مشكلة السودان ككل وليست مشكلة الجنوب او الشرق او الغرب او مشكلة جبال النوبة، وكان الأوفق للحكومة الامريكية ان تتناول المشكلة السياسية في السودان، وضمن النقاط التي ذكرتها الحكومة السودانية انها تعترض على تسوية جبال النوبة، وقالت انها تعترض على المسألة الاثنية او العرقية لهذه المنطقة التي تشهد تداخلا كبيرا وان الحكومة لاتود ان تسمي جبال النوبة لتشير بذلك لمسائل عرقية لان السودان مليء بالاعراق، فينبغي الا يشار الى منطقة معينة، كما ان الحكومة اعترضت على بند اخر وقالت انها لاتقبل اتهام السودان بالرق والاختطاف، وايضا من الاشياء التي ذكرتها الحكومة انها لاتقبل الرقابة الدولية لان هذه مسألة ضد سيادة الدولة وهذه هي النقاط التي اثارتها الحكومة الى جانب بعض النقاط الاخرى. وعلى العموم تم توقيع هذه الاتفاقية بشراكة دولية والحكومة قبلت بهذا التدخل الامريكي والتدخل الدولي المباشر، بالرغم من ان الاتفاقية لم تناقش مشكلة السودان بل ناقشت مشكلة جبال النوبة فقط والحكومة قبلت الاتفاقية ومن بينها مسألة الاختطاف التي اعترضت عليها، ولاندري اذا كانت قد اعترفت ايضا بمسألة الرق ام لا، كما قبلت الحكومة الرقابة الدولية على تنفيذ الاتفاقية والغرض من الرقابة الدولية مفصلة في الاتفاقية ولا تقبل النزاع، واخطر ما فيها انه في حالة حدوث نزاع فإن رئيس الرقابة الدولية ونائبيه هم الذين يقررون في المسائل الخلافية، وقد يكونون من امريكا او من الدول التي ترتبط بأمريكا او تأتمر بأمرها مما يعني تدخلا اجنبيا سافرا في السودان، ولكن واضح جدا ان التدخل الاجنبي لم يقف الان بل مستمر وها هو الان «قولتي» المبعوث البريطاني للسودان يسير على نفس المنوال وعلى نفس نهج الحكومة عبر مبعوثها الى اتفاقيات مماثلة في الجنوب والانقسنا وشرق السودان ولاندري متى يتوقف هذا التدخل الاجنبي ونحن نعلم ان امريكا لها مصالح في السودان ومن حقها ان يكون لها مصالح في السودان مثلها مثل اية دولة كبرى وخاصة ان امريكا كانت من المهتمين بأمر البترول السوداني منذ سنوات واجرت اتفاقيات في هذا الصدد، ولكن الخطورة ان امريكا في حالة هياج وعنف شديد الان ضد العالم العربي والاسلامي المتهم بعمل كذا وكذا والخطورة تكمن فيما حدث وفيما هو آت واعتقد ان هذه هي المسألة المهمة التي يجب ان تتنبه لها الحكومة، كما ان من مصلحة الحكومة ان تكون هنالك معارضة واضحة قائمة على اسس منهجية وليست مجرد عنتريات، فمن مصلحة الحكومة ان يكون وراءها شعب واحزاب يعترضون على ما قامت به تحسبا للمصلحة العامة في المستقبل، فالحكومة عندما تبدأ تفاوضا حول الجنوب او غيره من مصلحتها ان تكون وراءها آراء واضحة جدا، ولكن الحكومة حتى الان لم تناقش هذه الاتفاقية ولم تطلع عليها حتى الخواص من رؤساء الاحزاب رغم ان هذه الاتفاقية تخص كل السودان فكان يجب اطلاع الاحزاب الكبيرة كلها مثل حزب الامة والاتحادي الديمقراطي والجبهة الاسلامية ثم يأتي الاخرون الذين يجب ان يطلعوا على هذه الاتفاقية حتى يقرر السودان على الجوانب المهمة في الاتفاقية، لان مشاركة الجميع مدعاة لاستقرار السودان كما يجب ان نتنبه الى ما وراء هذا اذا لم يحدث الاستقرار. لا نقبل الهزيمة عثمان قادم احمد: حتى أبين بعض الجوانب في هذه القضية اقول رغم ان جبال النوبة في وسط السودان والحقيقة هي في قلب السودان ولكن يجهلها الكثير من السودانيين وقضاياها تتقاذفها الآراء غير المبنية على معرفة ولذلك لابد للحديث عن هذه القضية بتعريف المنطقة، فمنطقة جبال النوبة المقصودة بالاتفاقية هي ولاية جنوب كردفان المعروفة ومحافظة لقاوة كلها تسمى جبال النوبة وخرجت محافظة لقاوة من ولاية جنوب كردفان في التقسيم الولائي الاخير واصبحت تابعة لولاية غرب كردفان ولكنها هي منطقة واحدة والتداخل وتعايش واحد ومنطقة جبال النوبة تتكون من خمسة محافظات هي لقاوة، كادوقلي، الدلنج، رشاد او جبيهة وتلودي، وهي منطقة تعايش يندر وجوده في المناطق الاخرى في السودان، لذلك اكرر ان هذا التعايش في منطقة جبال النوبة هو الذي جعل قضية جبال النوبة تختلف عن قضية الجنوب، وحتى الشماليين الذين ذهبوا للجنوب ذهبوا كتجار وكان ذلك وجودا مؤقتا ويعودون بعد ان يصبحوا اغنياء، ولكن التواجد في منطقة جبال النوبة تواجد اصل ومعيشة ونماذج وهنالك تحالفات على مستوى الاسر ولا نقصد بالتحالفات الاتفاقيات المعروفة في الشمال حيث هنالك من جبال النوبة مايعرف بالكتاب ومعناه ان الاسرتين قد اصبحتا اسرة واحدة، كما ان القبائل متداخله اكثر بل هنالك قبائل نشأت نتيجة التوالد، وبهذا لا يمكن ان نقول ان هذه الميزة يمكن مقارنتها بقضية مثل الجنوب، ولذلك من الناحية السياسية نجد ان منطقة جبال النوبة منطقة قومية فيها كل الاحزاب، فيها حزب الامة بصورة كبيرة وفيها الحزب الاتحادي الديمقراطي وفيها الاحزاب الصغيرة مثل الحزب القومي وحتى الاحزاب القومية العربية ويقودها ابناء النوبة مثل حزب البعث العربي والحزب الناصري والحزب الشيوعي السوداني، وحتى دخول التمرد الى جبال النوبة تم بصورة تختلف عن جنوب السودان، وفي جنوب السودان نجد المتمردين يهاجمون الجيش ولكن في جبال النوبة ليس كذلك بل يهاجمون قرى المواطنين وليس قرى العرب كما يشاع بل يهاجمون النوبة الذين نزحوا الان الى مناطق مختلفة من السودان، ومهمة الجيش تعقب المتمردين الذين يهاجمون المواطنين الآمنين وذلك في محاولة منهم لتفكيك هذا النسيج الاجتماعي القومي. كما ان منطقة جبال النوبة تمثل عصب اقتصاد السودان وهذا لا شك فيه فالمنطقة ـ بها خمسة ملايين رأس من الماشية وبها ثمانية محطات لمؤسسة جبال النوبة الزراعية التي كانت تمد السودان بالقطن قصير التيلة. ونعود ونسأل هل قبلت الحكومة التدخل الاجنبي في جبال النوبة بتوقيعها هذه الاتفاقية واقول ان هذا التدخل لم يبدأ الليلة ولكنه تم منذ عام 1985 عندما جاء المتمردون الجنوبيون وضربوا منطقة القردود وذلك بمساعدة امريكية، وبصفتي احد ابناء جبال النوبة اتساءل لماذا لم يكن هنالك احتجاج على هذا التدخل عندما كانت امريكا تساعد التمرد في ادارة الحرب، وعندما تدخلت امريكا الان في السلام صار هنالك اتهام واحتجاج حول هذا التدخل بدلا عن التشجيع، وعلى هؤلاء الرافضين محاسبة انفسهم ووضع النقاط على الحروف، وامريكا متدخلة من زمن بعيد بصورة سافرة في الشأن السوداني وكانت في السابق تعطي السلاح للتمرد وتحاصر الحكومة خارجيا ومنعت عنها الزيارات وعقد المؤتمرات الدولية كانت امريكا متدخلة بدرجة سافرة وكانت تتقدم للخرطوم بشروطها في مجرد قصاصات ورقة، ولكنها الان بدأت تفاوض وتناقش وتقول وتسمح وتشطب وتجمع وتطرح، واتساءل مرة اخرى هل اصبح التدخل سيئا عندما صرنا نسمع من امريكا وتسمع منا وتجيب على تساؤلاتنا ونجيب على تساؤلاتها! ان ما كان يحدث في السابق عندما كانت تكتفي امريكا بمجرد املاء شروطها. اعتقد ان قصة التدخل الخارجي ما هي الا صورة من افكار المعارضة، والمعارضة هتي التي تسببت في دخول الامريكان في السودان حيث ذهبت المعارضة الى امريكا واخذوا منها الاموال واصبحوا عملاء عندها ونفذوا سياساتهم وضربوا اهلهم وتوسطوا حتى لضرب مصنع الشفاء للادوية بالخرطوم بحري ووصفوا اماكن اخرى وطلبوا ضربها مثل مصنع الشفاء وهذه هي الطريقة التي دخلت بها امريكا، اي ان التدخل الاجنبي تم بدعوة من المعارضة السودانية والان امريكا تركت كل ذلك وجاءت تمشي الان تبحث عن السلام، ومادمنا قد سرنا معها في مشوار الحرب فما الذي يمنعنا ان نمشى معها الان في مشوار الاستماع والنقاش بإرادتنا ونقول لها هذا خطأ وهذا صواب اي نقول لها هذا «كو» وهذا «واي» وذلك بلغتنا نحن في جبال النوبة. نحن الان في الجبال نحتاج الى الجبال بكل السكان الموجودين فيها، ونحن الان لسنا في حاجة الى الاحزاب التي اذا جاءت ستعمل على تقسيم السكان والمواطنين، بأن هذا حزب للعرب وذاك حزب للنوبة، نحن في حاجة الان لسلام يأتي في مرحلة تغيب فيها كل هذه التلوينات التي تعمل على تفريقنا داخل منطقتنا، ونحن نعتقد الان عندما اختلط اهلنا في جبال النوبة ونزل من كان بطرف التمرد من هذه الجبال، وسبقوا الخرطوم في تحقيق السلام، كما سبقوا واشنطن نفسها والتي تقدمت بمقترحاتها عبر دانفورث، كما سبقوا الاتفاقية التي تم توقيعها في جنيف، كما ان المواطنين في المنطقة لا يفكرون الا في السلام وفي التعايش السلمي، ونحن لا نريد ان نرجع خطوة الى الوراء ولكننا نريد السلام ولا يفيدني ابدا ان انتظر فترة الاحزاب حتى يأتوا لنا بالسلام، وبما يضرني ذلك ويضر المنطقة، لذا ارجو ان تكون القضية واضحة، وقضية السلام في منطقة جبال النوبة ليست قضية تبحث عن الديمقراطية، والان تشكيلة المواطن في المنطقة اصبحت رافضة لهذا النوع من الحديث الذي نتناوله، ونحن في قمة الحرب بدأنا نسمع اصوات احزاب هنا وهنالك، وهذا هو السبب الذي جعل هذه الاحزاب تفشل في بناء نفسها في المنطقة بعد عودة الاحزاب، لان هذه الاحزاب نفسها كانت سببا من اسباب وقود الحرب، واذا كانت حكومة الانقاذ تسمع لي صوتا، فأطالب بحل كل الاحزاب في المنطقة، بما فيها الحزب الحاكم اي المؤتمر الوطني، لاننا في المنطقة نحتاج اساسا الى ما يوصلنا الى السلام بقوة واحدة ووحدة واحدة، وعندما نكون مواطنين بمستوى الترابط والتلاحم بعدها سوف نفكر في الاشياء الاخرى. الدائرة الجهنمية دكتور مصطفى احمد محمود: نحن نعتقد ان مسألة جبال النوبة جزء من الازمة السودانية التي تشمل كل السودان، وليست منطقة جغرافية محددة بعينها، وباختصار نحن نعاني من ازمة الحرب والسلام وقضية الديمقراطية، وفي اعتقادنا ان المسألة لا تتجزأ بأي حال من الاحوال واي محاولة من اي جهة للفصل بين القضيتين تجعلنا ندور في نفس الدائرة الجهنمية التي مازلنا ندور فيها منذ الاستقلال وحتى الان، واتفاقية جبال النوبة الخاصة بوقف اطلاق النار حقيقية تناولت المسألة في جزء متعلق بالسلام، او اهتمت بشكل اساسي بالقضايا الانسانية وهذا المدخل الانساني ليس مرفوضا بالنسبة لنا على الاطلاق وسندعمه ونؤيده ولكن اعتقد انه لا يؤدي الى حلول او وضع الحل الاساسي للازمة السودانية، ولكننا لانريد ان نكون محبطين ولكن نقول بالصوت العالي لاخواننا الواهمين والموهومين بسراب الامل الامريكي، ان نظرتنا لامريكا يحددها كثير من القضايا ولا يمكن ان تتسم بهذا التجريد المحض وامريكا حقيقة تنطلق في كل مراحل تحركاتها بدافع من المصالح الخاصة، ولا اريد ان اعيد الى الاذهان ان مصالح امريكا الخاصة في كثير من الاحيان قد تعارضت بشكل جوهري مع مصالح شعوب المنطقة، واذا نظرنا لامريكا ونظام الحكم في السودان بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر نجد ان هنالك مبررات انتهازية دفعت بالحكومة القائمة الى تغيير موقفها من «امريكا قد دنا عذابها» الى الوقوع تماما في احضان الامريكان، وهذه المسألة تتمثل في الهجمة الامريكية الشرسة على النظام وسياسة العصا والجزرة التي اتبعتها امريكا مع حكومة الانقاذ، هذا الضغط الامريكي الشديد والمتواصل والاتهام لحكومة الانقاذ بأنها تساند الارهاب وان مصير هذه الحكومة سيكون مصير حكومة طالبان الافغانية، كل ذلك كان سببا مباشرا لتعامل الحكومة الحالية مع اطروحات امريكا في المنطقة بمرونة واضحة، وهيأ لها ميكافيلية انتهازية تتعامل بها اولا لتجزئة القضية السودانية، بينما المعروف ان القضية السودانية ليست قضية جبال النوبة ولا هي قضية الجنوب بل هي قضية الديمقراطية وقضية السلام، فالفصل بين القضيتين قد يكون على مراحل كما اشار الى ذلك البعض، ولكن في اعتقادنا ان قضية جبال النوبة قد تكون بداية للتجزئة وفي اعتقادنا ستنعكس مستقبلا على منطقة البجة وجنوب النيل الازرق وذلك في اطار تجزئة القضية السودانية وتجزئة الواقع السوداني نفسه وتجزئه التراب السوداني وهذه المسائل لا تؤخذ بطيب خاطر وبحسن نية ولا بآمال ولا بالأوهام فدولة مثل امريكا عندما تفكر في مثل هذه الامور، يأتي ذلك من خلال استراتيجية كبيرة جدا وبخطة مدروسة تماما ومستهدفة اشياء محددة سواء اكانت مصالحها الاقتصادية او وضع السودان نفسه من ناحية حضارية باعتبار ان السودان هو الجسر الذي يربط بين الامة العربية وافريقيا، ومن هذا المنطلق فنحن مطالبون كقوة سياسية سودانية وكشعب سوداني ان نواجه هذه المخططات في اطار النظر الى كل المشكلة السودانية كمشكلة كلية وكاملة والعمل على حلها بالتفصيل. هنالك نقطة مهمة في اتفاقية جبال النوبة تمثلت في التغييب الكامل لكل المؤسسات السياسية الموجودة في السودان وفي مقدمتها مؤسسات الحكومة نفسها، فالحزب الحاكم والمجلس الوطني والشعب السوداني لم يتم اشراكهم في بنود اتفاقية جبال النوبة ولا في افكارها ولا في رؤيتها بل حتى ابناء جبال النوبة انفسهم تم تغييبهم، وهذا المنحى من الحكومة في هذه القضية الخطيرة ان دل على شيء انما يدل على ان هذا التغييب المتعمد يتفق تماما مع الاستراتيجية الامريكية التي لديها ابعاد غير التي نراها الان، ولا نقول ان الحكومة جزء من المخطط الاستراتيجي بأي حال من الاحوال ولكن الضغط الامريكي والمواجهة الامريكية للنظام والاتهام بإيواء الارهاب وفتح ملف الارهاب وكل ما تم من تنازلات في هذا الاطار كان دافعا للحكومة مباشرة للقبول بهذا الخط الامريكي، مما يعني ان الحكومة قد قبلت بهذه الاتفاقية من موقع ضعف، والبديل الطبيعي كان ان تلجأ الحكومة لمؤسساتها ولشعبها والاحزاب السياسية، باعتبار ان كل ذلك يشكل الركيزة الاساسية التي يمكن ان تحمي بها الحكومة ظهرها في الوصول لحل المشكلة بعيدا عن المخطط الامريكي. كل هذا الحديث لا يعني بأي حال من الاحوال اننا ضد السلام في جبال النوبة، او في اي بقعة من بقاع السودان المختلفة، بل على العكس اننا 100% مع اي مرحلة للسلام ووقف اطلاق النار، ولكن اي مخططات تستهدف المنطقة كلها او اجزاء منها او تفتيت وحدة السودان، هذه مسئولية الشعب السوداني الذي يجب ان يتم تمليكه كل الحقائق وان الحل الجزئي للمشاكل السودانية لا يفضي الا للمشاكل خاصة في غياب المؤسسات الديمقراطية، واية اتفاقية يتم توقيعها في مثل هذا الغياب ليس هنالك شخص بعينه مسئول عن تنفيذها وحمايتها، فاتفاقية اديس ابابا للسلام عام 1972 التي وقعها نظام جعفر نميري لم يتم تنفيذها رغم ان الاتفاقية محمية حماية دولية. احذروا نوايا امريكا محمد سيد احمد: اعتقد ان من محاسن الصدف ان تبدأ حركة السلام الاجتماعي في منطقة جبال النوبة وسوف نتخذها كنموذج ومثال يحتذى في كيفية انصهار الاعراق والجنسيات داخل السودان وبالتالي عدم وجود ما يسمى بالاستعمار الثقافي والطبقي والبرجوازية وغيرها من الشعارات التي تدفعها احزاب اليسار واحزاب اليمين وهذا يذكرنا بما قاله اول قائد اسلامي جاء الى السودان وهو عبدالله بن ابي السرح بانه «يعتبر السودان منطقة صلح وليس منطقة حرب» والتواصل الذي نشاهده الان والموجود بين النوبة والعرب في جبال النوبة يمثل عاملا من عوامل الوحدة، كما ان حركة البداوة بين العرب والنوبة تمثل نموذجا من نماذج الوحدة، وكذلك نجد ان منطقة جبال النوبة هي منطقة اقتصادية مهمة، فالمنطقة يمكنها ان تساهم بنسبة 25% او اكثر من انتاج الذرة الى جانب القطن المطري، ومن المهام الاساسية للبرنامج الوطني الذي نشارك به حاليا في هذه الحكومة ضرورة اعادة تأهيل تلك المشاريع وعودتها الى سيرتها الاولى، على ان تمضي في هذه المسألة بصورة مندرجة بدءا بصيانة المحالج. ونحن في الحزب الاتحادي الديمقراطي نعتقد ان واحدة من ايجابيات هذه الاتفاقية هي وقف اطلاق النار وعودة النازحين الى مناطقهم مما يعني السلم الاجتماعي ولكن نحن في الحزب لدينا بعض التحفظات حيال الاتفاقية اذ نخشى ان تتخذ امريكا هذه الاتفاقية لتكون نموذجا تمضي به الى مناطق اخرى مثل مناطق البجة الانقسنا وغيرها، لذا نحذر من الوجود الاجنبي في المنطقة ونرجو من ابناء المنطقة ان يكونوا حذرين وان يتحدوا جميعا لأن امريكا تسعى لتحقيق مصالحها في المقام الاول كما ان الاتفاقية تحتاج الى وعي وادراك وحرص من كافة الاجهزة الرسمية والشعبية لمعرفة النوايا الامريكية ولتطوير هذه الاتفاقية حتى ينداح السلام في كل ربوع المنطقة. تدخل امريكي عنيف مكي علي بلايل: هنالك مفاهيم اساسية اود ان اطرحها في بداية حديثي حتى نستطيع ان نحكم على هذه الاتفاقية حكما موضوعيا وفي اي مشكلة او مرض او علاج غالبا ما تكون له اثار جانبية، وقد يكون هذا العلاج مرا ولكن الامر يتوقف في الاساس على المشكلة وهل هذه المشكلة تبرر مثل هذا العلاج؟ كلنا نتفق ان الحرب تمثل قمة المأساة الانسانية ما في ذلك شك، ان الحرب لم تأتِ من فراغ انما جاءت لان هنالك قضايا تعاني منها المنطقة ومتفق عليها متمثلة في قضية المظالم الاقليمية والجهوية وساهمت في اذكائها السياسات وهذه الحرب الدائرة لها آثار مدمرة ما في ذلك شك، على البيئة والانسان، ويجب ان نتفق اننا اليوم في عالم لم تعد فيه الحدود مفصولة كما كانت عليه سابقا وبالتالي مفهوم السيادة الوطنية، فالعالم يهتم اليوم بقضايا الحروب ونقاط التوتر فقد اصبح العالم متداخلا وبالتالي اصبحنا نشهد اليوم التدخل الدولي في كثير من دول العالم في البلقان لايقاف عنجهية الصرب، وفي فلسطين يطلب الفلسطينيون تدخل قوات اجنبية او دولية لايقاف المذابح الاسرائيلية ضدهم، وهنالك التدخل في ليبيريا وافغانستان وذلك نتيجة لارتباط الدول بعضها ببعض ولان العالم اصبح يهتم بالقضايا الداخلية، ونحن مخطئون ان قلنا ان اية حركة من الغرب انما تحركها المصالح المادية رغم اننا لا ننكر ان المصلحة البراجماتية هي التي تلعب الدور المحوري في تفكير الدول الغربية ولكننا لا ننكر دور الحكومات ايضا تجاه القضايا الانسانية. لقد جاءت هذه الاتفاقية حتى الان لوقف اطلاق النار بتركيبات محددة وسط تطمينات معينة حتى لا تتبادل الاطراف الاتهامات حول خرق الاتفاق وعلى كل نرى ان هنالك قضية قومية في جبال النوبة وعلى القوى السياسية ان تناقش هذه الاراء وان نعبيء التأييد والرأي العام لهذه الاتفاقية، ولكن هذا التأييد لا نريده اعمى واندفاعا او بلا تبصر. البعد عن الاثارة وعن البديل في حالة رفض الحكومة لهذه الاتفاقية فاننا نتوقع ان تحدث اشياء كثيرة ولكن هل يوقف ذلك التدخل الامريكي؟ اقول كلا لان امريكا عندئذ ستوقف كل القروض والمساعدات وتسعى لمخاطبة الرأي العام العالمي وان هنالك تجاوزات انسانية وهنالك قتل، والحكومة ترفض مجرد وقف اطلاق النار، وبالتالي فان ذلك يعطي الحكومة الامريكية مبررا كافيا للتدخل حتى لو كان عنيفا بهذه الحجة، ثم ان الرفض الحكومي قد يخلخل الرأي العام الداخلي في اجزاء وسط ابناء جبال النوبة انفسهم لكي يقفوا مباشرة مع الطرف الخارجي لان الحكومة رفضت هذا المبدأ، واي تدخل اجنبي امريكي او غير امريكي اذا وجد حقيقة المساندة من الجبهة الداخلية فسوف يقود الى مشاكل عدة وقد يترتب على هذا التدخل لاحقا اشياء كثيرة وارى ان نتحفظ على هذا الاتفاق وننتظر حتى نخاطب به الرأي العام الداخلي والعالمي ونقول وقتها اننا قبلنا بوقف اطلاق النار في اطار البعد الانساني ولكن الامر تطور الى اشياء تمس المسألة الوطنية وبالتالي اجد وقتها في الجبهة الداخلية من يقف معي، وعندها تجد الحكومة العذر الكافي في الجبهة الخارجية، وهذا الامر لابد ان يتم اخراجه في هذا الاطار، واقول ان الاثار حول الاتفاقية ساهمت فيها الحكومة بتكتمها على الاتفاقية وهذه واحدة من الاشكاليات التي تهيج، وطبعا لا استطيع ان انفي شبهة التدخل الاجنبي فقد اتيحت لي الفرصة ان اقرأ الاتفاقية بتفاصيلها، ومجرد تكوين لجنة مشتركة رئيسها ونواب الرئيس من الخارج فيه شبهة التدخل الاجنبي وهذا نوع من التدخل الخارجي، ولكن هذا التدخل ليس جديدا كما قال عثمان قادم، ونحن قبلنا قبل هذا بمبعوث للجنة حقوق الانسان جاءنا منذ فترة بعيدة وجاب كل ارجاء السودان وبالذات جبال النوبة وهو كاسبر بيرو وكما جاءنا هاري جونستون قبل عامين ليتحدث عن قضايا السودان، كما ان «الايجاد» تعتبر تدخلا اجنبيا واذا كانت الدول التي تضم «الايجاد» افريقية فان شركاء الايجاد هم من الدول الاجنبية، ومن بينها امريكا نفسها والقضية اصلا موجودة فيها الابعاد الدولية بحكم وفرض الامر الواقع، وكانت الطائرات الاجنبية تجيء وتروح في منطقة جبال النوبة وهي حقيقة يجب ان نعلمها ايضا، ونحن لانملك اصلا القدرات العملية لايقاف التدخل الاجنبي، ولكن هذا لا يعني اننا نستبعد اي احتمال لتطور هذ الامر الى شيء غير مرغوب وهذا الاحتمال يظل مولوداً سواء ان تضاءل ام لم يتضاءل، خاصة ونحن نعلم ان امريكا دولة لها مصالحها القوية وقد تكون مصالح مشروعة او اطماعا وكل ذلك جائز، ولكن في كل الاحوال فان الاحسن والاصوب الا نرفض مسألة وقف اطلاق النار لايقاف هذه المآسي فقط لان هناك مجرد احتمال، واكرر ان من الاجدر ان نقبل واذا ما ظهر بعد ذلك السيء فالحكومة عندها ستكون لها المصداقية مع الرأي العام الداخلي ومع العالم الخارجي والقوى الاقليمية ومع ابناء جبال النوبة على وجه الخصوص وعندها يعلم الجميع ان الحكومة قد قبلت بهذه المسائل بضروراتها العملية، واذا كان هنالك طرفان متنازعان وخرق احدهما وقف اطلاق النار المعلن بينهما وبدأ تبادل الاتهامات بينهما من الذي خرق الاتفاق، وبالضرورة طالما وافقنا على وقف اطلاق النار ان يكون هنالك طرف ثالث محايد مالا يتم به الواجب في تقديري هو واجب، ولابد ان يكون هنالك طرف ثالث غير سوداني يراقب «ليس من طرف التمرد او الحكومة» لذلك لابد من جهة تحسم خاصة وانه في سياق الاستقرار العالمي فان هذا الامر مفهوم في تقديري، وغير ذلك يمكن ان يقودنا الى تدخل اجنبي والى خطر تدخل مباشر وللرد على السؤال كيف نتعامل كجهة سياسية مع هذه القضية؟ صحيح اننا لا نفصل القضايا من بعضها البعض، ولكن لا يمكن ان نتجاهل معاناة السودانيين في قضية الحرب، ولكن هذه المعاناة ليست متساوية، والحرب رغم انها اثرت على الجميع ولكن الذي في «كريمة» في الولاية الشمالية ليس متأثرا بالحرب مثل ذلك المواطن في مدينة «لقاوة» من جبال النوبة الغربية وهذه المعاناة مختلفة جدا، ولقاوة بها حرب وقتال وقد نزح عنها المواطنون والنزوح له اثار مدمرة، وهذا لا يعني ان السودانيين متساوون في المعاناة، ومغالطة اخرى لابد ان نجيب عليها، هو انه ليس هنالك ارتباط عضوي بين الديمقراطية والسلام، والتاريخ يقول هذا، ولا اقول ان الفترة التي شهد فيها السودان سلاما نسبيا في اطار الاستقرار انه كان في ظل نظام عسكري وليس هذا مدحا للنظام الشمولي ولكنني اريد ان اقول ان ربط الديمقراطية بالسلام ليست حجة والواقع ان يقال ان هنالك ارتباطا عضويا وضروريا بين الديمقراطية بالمفهوم بالتعددية الحزبية والسلام والتاريخ على الاقل لم يبرهن او يقل ذلك، ولكن هذا لا يمنع ان اقول ان قضية السودان حقيقة يمكن حلها في ظل الديمقراطية وللوصول الى سلام حقيقي في السودان لابد من ديمقراطية حقيقية في مضمونها الاجتماعي والثقافي ولكن هذه قضية اخرى. نرفض التجزئة القبلية عبدالرسول النور: ان ما يحدث في جبال النوبة يأتي في خانة الحل السياسي الشامل والاجندة الوطنية واجندة السلام والتحول الديمقراطي الذي من اجله عاد حزبنا الى السودان لتحقيقه، وقد اعلن الحزب ترحيبه بهذه الاتفاقية ونعتبرها خطوة صحيحة في الاتجاه الصحيح نحو تحقيق السلام الشامل كما رحبنا بوقف اطلاق النار لاننا نريد وقفا شاملا لاطلاق النار ونريد لهذا الوقف ان يحقق السلام بالتعمير والخدمات وبازالة المظالم الاجتماعية التي عانى منها المواطنون في هذه المنطقة نتيجة لهذه الحرب التي لا اريد لها ان تطول، فقد اورد المتحدثون قبلي الكثير من الروايات حول هذا الامر، ونكرر اننا نرحب بالخدمات وبالسلام، ونأمل ان تشكل اللجنة الدولية المحايدة حتى تتحرى وتتحقق حول موضوعات مختلفة فيها خاصة امر السخرة والرق وعما اذا كانت مثل هذه الممارسات موجودة فعلا، وفي حالة وجودها ان كانت موجودة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة ام في المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية؟ وكيف؟ وما هو نوع هذه الممارسات؟ لأننا حقا من ابناء المنطقة، ونأمل ان يشملها هذا الاتفاق، لاننا نحن في قبيلة المسيرية كنا منذ بداية الادارات الاهلية نتبع لتلودي ثم كادوقلى ومازال كثير من مناطقنا متداخلة مع مناطق جبال النوبة ونحن نعتبر انفسنا سكانا اصليين من جبال النوبة وليس كما ذكر البعض ان منطقة جبال النوبة يسكنها النوبة ومعهم القبائل الاخرى، واعتراضي ينصب على ان القبائل كلها بما فيها القبائل العربية والنوبية يسكنون مع بعضهم البعض، لان كل هذه القبائل لها اراضيها وتسكن جنبا الى جنب منذ مئات السنين بل ان هذه المدة اكثر من الفترة التي عاشها الاوروبيون في امريكا الشمالية وامريكا اللاتينية، اننا نشعر ان هذه المنطقة لابد ان يصلها الدعم وان يتم ربط السلام الذي سيأتي بالديمقراطية لان السلام والديمقراطية توأم ولابد ان يعيشا معا اذا اردنا لهما الحياة. وسوف تأتي خطوات لاحقة بعد تحقيق السلام ولابد ان تكون هنالك ادارة تتبع لها هذه المنطقة ولابد لاهلها ان يحددوا مستقبلها وهذا يجب ان يحسم ديمقراطيا وليس بالامر الواقع ولا يحسم بالسلاح. كما ان هنالك نقطة مهمة لابد ان نتحدث عنها بوضوح شديد فهذه المنطقة هي الوحيدة في السودان التي شهدت التطهير العرقي من قبل حركة قرنق التي ارادت اخلاء المنطقة من العنصر العربي، لهذا كانوا يهاجمون القرى العربية وقد حدث ذلك في الهجوم على القردود والازرق وبحيرة كيلك والتيس وكاتشا. وعما يدور في جبال النوبة اقول انه اذا حاول طرف من الاطراف فرض رؤاه بالقوة على بقية المتواجدين في المنطقة فان هذا قد يقود الى حرب جديدة وبنوعية جديدة، ولكن اذا قام اهل المنطقة بالاتفاق فان ذلك يغلق الابواب امام التدخل الاجنبي، وعندها ستكون الاتفاقية انموذجا يحتذى به ويمكن تطبيقه في مناطق اخرى مثل «الانقسنا» التي تعاني نفس المشاكل وعندها يتحقق السلام في ربوع الوطن لان اي تخوف من تدويل القضية او التدخل الاجنبي قد فات أوانه والحديث عن ان هنالك تدويلا للقضية فقد حدث التدويل كما حدث التدخل الاجنبي، كما ان اي تهديد لاي شيء قد اصبح واردا، فقد اصبح العالم قرية، اننا في حزب الامة لم نقل او نطلب بأن تتوقف كل خطوات السلام الحالية في انتظار الديمقراطية، ولكن نقول ان هذا السلام الحالي الذي بدأ، فان الديمقراطية يجب ان تأتي معه، حيث ستكون هنالك شرطة وجيش ولجان شعبية وكذا وكذا وتشمل المواطنين جميعا والا يتم ذلك في الظلام، وهذا ضروري لان المواطنين على اساس ذلك سيشكلون اداراتهم المحلية كما سيوزعون الاغاثة على المواطنين المتضررين من الحرب وهذا ما اعني به، اي تحقيق السلام بدلا من التوقف وانتظار الديمقراطية، فان على الديمقراطية ان تسرع الخطى للحاق بالسلام، او تأتي مع السلام، واذا حدث ان سبق السلام الديمقراطية، فعلى الديمقراطية اسراع الخطى. توأمان سياميان حماد علي احمد: ان ما نقوم به يصب في الاتجاه الذي ذهبنا اليه ونسأل الله ان يقوي ساعدنا في تحقيق السلام في منطقة جبال النوبة وفي كل السودان ان شاء الله، ونلازم ما بين مسارين، الاول هو مسار السلام والاخر هو مسار التداول السلمي للسلطة، ونأمل ان يحقق السلام التنمية والاستقرار لمنطقة جبال النوبة والمشاركة في السلطة وهي واحدة من مستلزمات هذا الحل، ولكن لا نؤمن ان السلام والديمقراطية توأمان سياميان، لان التوأمين السياميين لابد من فصلهما اذا اريد لهما الحياة، ولكن نأمل ان يكونا توأمين عاديين من بويضة واحدة. واعود للتساؤلات التي تكررت كثيرا عما اذا كانت هنالك بنود سرية ضمن هذه الاتفاقية التي تم توقيعها في سويسرا، واؤكد انه لا وجود لمثل هذه البنود ولولا الالتزام الاخلاقي بهذه الاتفاقية لقمنا بنشرها كاملة. لقد جاءت هذه الاتفاقية من واقع التحديات الحقيقية لان هناك حربا في اجزاء من الوطن، وقضية جبال النوبة والنيل الازرق او التجمع الوطني الديمقراطي المعارض هي اذرع ووسائل ضغط تستغلها حركة التمرد لتمرير اجندتها المعلنة، وسقوط هذا الكارت «اي جبال النوبة» ليس من مصلحة التمرد بالتأكيد، لكل هذا نجد ان هذه الاتفاقية مهددة في تنفيذها وتطبيقها وللحقيقة اقول ان بوادر السلام عندما بدأت لم تبدأ من المنطقة كما اشار الى ذلك بعض المتحدثين قبلي. اقول في الوقت الراهن هنالك طرف مازال يتمسك بأجندته الحربية ويريد ان يقاتل ويرفض الوقف الفوري او الشامل لاطلاق النار، لذا نحن نحتاج لمن يرعى هذا الاتفاق، وقد تكون هنالك خروق لوقف اطلاق النار والخلافات قد تنشأ حول تنمية المناطق والاغاثة، انا في تقديري ان تتواضع القوى السياسية على حد ادنى لحل مشكلة جنوب كردفان اي منطقة جبال النوبة حتى تكون انموذجا لحل مشاكل السودان في المناطق الاخرى. وفي اعتقادي انه لابد من اشراك المواطن من جنوب كردفان في اي حوار او تفاوض سياسي والواقع الذي يعيشه في ذهنية هؤلاء الذين يتحدثون عن القضية لاننا عندما نتحدث عن وقف اطلاق النار نعني ان هنالك دماءً قد حقنت وارواحا قد حفظت وارامل وايتاما توقفت زيارتهم ونأمل في اعادة اعمار المنطقة، ان مواطن جنوب كردفان يشعر ان الشعب السوداني مؤيد لهذه الاتفاقية بحكم انها مع فطرة الناس، والسلام هو القاعدة والحرب هي الاستثناء، ولكن حتى تتصالح القوى السياسية مع نفسها اقول ان المسألة التي ذكرها الشيخ علي جاويش عن المعاهدات، اقول ان المعاهدات دائما فيها الحواجز النفسية وفيها أدب حكومة الانقاذ الجهادي وكيف نرجع من «امريكا التي حان عذابها» الى مرحلة التفاوض معها، هذه هي طبيعة الاتفاقيات، واذا رجعنا الى التاريخ الاسلامي نجد ان الصحابة رضوان الله عليهم قد رفضوا في الحديبية ان يرجعوا من مكة، وهذه المسألة نفسية ونحن يمكننا ان نهزم امريكا بطريقة اخرى غير الحرب وبعد ان وعيت الحكومة الا تصير «طالبان» نريد من قوى المعارضة الا تكون «قوات تحالف»، ومسئولية الديمقراطية ليست مسئولية الحكومة وحدها بل هي مسئولية كل القوى. هنالك الان على الساحة مساحة مفتوحة لنا جميعا وعلى الكل ان يجد مساهمته في هذا السلام، واذا لم يشارك عليه الا يبخس الناس اشياءهم وان يدعو للايجابيات والوحدة ويعيد النسيج الاجتماعي بالتحالف، خاصة وان المواطنين في جبال النوبة الان قد تحركوا حركة تلقائية وقد بدأوا السلام قبل الحكومة لان كل اسباب الحرب دخيلة عليهم. المشتركة القومية محمد هارون كافي: من خلال هذه الندوة كل المتحدثين اتفقوا تماما للوقوف مع هذه الاتفاقية وهذا جانب جيد وشيء مقبول ولكن هنالك بعض التخوف، وهذا التخوف يأتي مرده لانتكاسة الاحزاب السودانية ونحن نتحدث عن التدخل الامريكي او التدخل الليبي او المصري او تدخل الايجاد او الاشكال الموجود في ابوجا وكل مرة تذهب الوفود هناك او الى اسمرا او غيرها من العواصم وهذه الخلافات وهذه الظواهر قد اتت تماما لفشل القوى السياسية السودانية في ادارة هموم الوطن. ان السودان لمن لا يعرف، واعتقد ان كل الاحزاب تعرف ذلك، ان السودان تحديدا ارض المليون ميل مربع قطر مهم في الخارطة العالمية من عدة جوانب، خاصة في الجانب الاقتصادي والسياسي، وفي الجانب الاقتصادي فان السودان يمثل ارض الثروة وحاليا البترول متواجد في كل ارجاء الوطن ولدينا الزراعة والحديد والمعادن الاخرى وكذلك الثروة الحيوانية علاوة على الامكانيات البشرية الهائلة. ان مسألة اتفاقية جبال النوبة كما نؤكد او كما اجمع الناس حولها انها مهمة واعتقد انه ليس هنالك حديث كثير عن هذه المسألة لاننا قد اتفقنا حولها خاصة الاطراف الموجودة مع الحكومة ومع المعارضة وبالتالي علينا ان ندعم هذه الاتفاقية لاننا ننظر الى ان هنالك بعض الاشياء، واحد منها هو التمثيل العالمي في الاتفاقية كما ذكر بعض الاخوة ان اللجنة العسكرية المشتركة تضم ثلاثة من الحكومة وثلاثة من حركة التمرد وهنالك الرئيس ونوابه محايدين وهذه المسألة مقبولة الى حد ما، وقد تحدثنا انه حتى في الواقع وقبل التطبيق السياسي والحكومي او العالمي يبدأ في جبال النوبة، ولكن المواطنين من تلقاء انفسهم قد تحركوا وسبقوا العمل الحكومي والرسمي والان تتم الزيارات المتبادلة بين الطرفين كما يقوم التجار بدور كبير في هذا الجانب كما ان الطرق البرية والتي كانت مغلقة لسنوات مثل طريق كادوقلي تلودي قد تم فتحها واصبح هنالك نوع من السلام ونرجو ان يتحقق السلام قبل الستة اشهر والتي والتي حددها وقف اطلاق النار خاصة وان بوادر السلام مبشرة وفي نهاية الستة اشهر تقريبا سوف يتم تقييم ما تقوم به لجنة المراقبة الدولية حول ما اذا كانت هنالك روح للسلام لدى المواطنين، واذا توصل المواطنون الى ذلك اذن سيكون السلام الشامل باذن الله، وبالتالي فان وضع جبال النوبة يحتمل او يتوقع ان يتم تطبيقه على بقية مناطق الن