خرج علينا العراق بقرار راديكالي اعلن فيه وقف صادرات النفط لمدة شهر، عقابا للولايات المتحدة وللاخرين على المذابح الشارونية في فلسطين المحتلة، واعلن وزير النفط العراقي بأن العراق يدعو الدول العربية ، والاسلامية لاتخاذ مثل هذه الخطوة التي يرى فيها العراق تأديبا موجعا للدول الاستعمارية الامبريالية، كما اعلن ايضا زيادة مخصصات الشهداء الى خمس وعشرين الف دولار، واجراءات اخرى اتخذتها الحكومة العراقية تضامنا مع الشعب الفلسطيني. بينما اعلن الشيخ صباح الاحمد النائب الاول وزير الخارجية الكويتي، بأن القرار شأن يخص العراق نفسه، كما اعلن مسئول كويتي كبير في قطاع النفط، انه ليست هناك نية لدى الكويت لوقف النفط، واعلن وزير الطاقة والصناعة القطري عبدالله بن حمد العطية عن معارضة قطع امدادات النفط عن الدول التي تساند اسرائيل للضغط من اجل الفلسطينيين، معتبرا ان قرارا من هذا النوع سيعود على العرب بنتائج عكسية، وقد علق وزير الطاقة والتعدين الجزائري شكيب خليل ان منظمة اوبك ترفض استخدام صادرات النفط كسلاح سياسي، واضاف بأن سلاح النفط الذي استخدمته الدول العربية في عام 1973 كان وبالا عليها اذا انخفضت ايراداتها بسببه، وهناك في منظمة اوبك غير عرب يجب التفكير فيهم.. واعلن الامين العام للاوبك علي رود ريفيز انه سيتشاور مع وزراء النفط في اوبك لبحث امكانية سد الفجوة من نفط اوبك. واعتبر ناطق باسم روسيا القرار العراقي خاطئا لانه يهز ثقة المستهلكين بالمنتجين، ويتوقع الخبراء ان تزيد روسيا من انتاجها لتعويض النفط. وكان رئيس العراق صدام حسين ذكر بأن العراق قرر ايقاف النفط كليا اعتبارا من بعد ظهر يوم الاثنين الثامن من ابريل عبر الانابيب المتجهة الى الميناء التركي على البحر المتوسط، وعبر موانيء العراق في الجنوب، ولمدة ثلاثين يوما ثم تنظر بما آل عليه الوضع، او حتى تنسحب جيوش الكيان الصهيوني دون قيد او شرط من الاراضي التي احتلتها وتحترم ارادة شعب فلسطين، وارادة الامة العربية في حقها في السيادة والامن والكرامة والحياة. وقال وزير النفط السعودي علي النعيمي انه ليس هناك اي تهديد لامدادات النفط العالمية بسبب الصراع في الشرق الاوسط واضاف ان موقف المملكة بالنسبة لموثوقية الامداد اعلن عنه في اكثر من مناسبة ولا اعتقد ان هناك شيئا يهدد موثوقية الامداد على المستوى العالمي، وقد اثبتنا في ازمات كثيرة سابقة ان السعوديين واوبك مصدران مستقران وموثوق بهما، لامدادات النفط. كما صدر تصريح من مصدر قطري قال فيه بأن العراق لايزال خارج الحصص التي تقررها منظمة الاوبك ان رفع الانتاج او خفضه، ولا يوجد تأثير على امدادات النفط من قرار العراق، ورفض وضع مستقبل السوق على اساس سياسات مؤقتية. وفي لقاء للدكتور محمد الصباح وزير الدولة للشئون الخارجية في الكويت، ذكر ان مفعول سلاح النفط الذي استخدم عام 1973، اختلف عن الحالة الراهنة لان اوبك كانت تسيطر على 70% من النفط في العالم بينما لا تسيطر الان الا على 30% منه فقط، واضاف بأن الولايات المتحدة تستورد نحو عشرة ملايين برميل يوميا تصدر الكويت فيها 200 الف برميل حوالي 20% من حاجة امريكا، واوضح ان الكويت والمملكة والامارات هي الدول الاساسية الداعمة لصمود الشعب الفلسطيني مشيرا الى تسخير الموارد لصالح القضية الفلسطينية، ولتمويل برامج المشاريع التنموية المشتركة لتعزيز صلابة وقوة الاقتصاد العربي، وان قطع النفط سوف يتسبب في تدمير اقتصاديات دول الخليج ولا يحقق شيئا للشعب الفلسطيني. بعد هذه المقدمة المعلوماتية، أود ان اوضح مايلي: اولا: لا يستطيع العراق الاستغناء عن الايرادات النفطية فترة طويلة، فليس له موارد سوى النفط، ولا يملك خيارات اخرى كمصدر لتمويل برامج الاعاشة وتنفيذ متطلبات الشعب العراقي، ومهما كان فان عمليات تهريب النفط العراقي عبر تركيا والخليج والاردن ستزداد ولكنها لن تعوض حاجيات العراق للنقد الاجنبي. ثانيا: يرى الخبراء ان الاثر السياسي الدعائي والاعلامي لقرار العراق اكبر بكثير من اثاره الاقتصادية على الولايات المتحدة التي قد تتخذ من الخطوة الدعائية للرئيس صدام حسين ذريعة اخرى لاقناع الحلفاء الغربيين بضرورة الاطاحة به والتخلص من نظام مثير للمشاكل، وان القرار يعتمد على احراج الدول الاسلامية والعربية المنتجة اكثر مما يهدف الى ايقاع ضرر اقتصادي بالولايات المتحدة التي تملك احتياطيا نفطيا لن يتأثر بقرار العراق الرمزي. ثالثا: يسعى العراق لتحسين صورته امام الجماهير داخليا وعربيا، ويعمل على كسب المبادرة والاحتفاظ بها في هذه المرحلة التي تزداد احتمالات المواجهة مع الولايات المتحدة، والغرض من خطوة العراق هو ترسيخ ترابطه بالشارع العربي وخلق انطباع في الذهنية العربية بأنه المدافع المضحى بمصالحه للقضايا القومية، وهي خطوة تضاف الى خطواته التي اتخذها سواء في قمة بيروت بالموافقة على صيغة الحالة مع الكويت، او بالثناء غير المتوقع على المملكة العربية السعودية وخاصة الامير عبدالله بن عبدالعزيز، حيث يقول عزت الدوري النائب الاول رئيس الجمهورية العراقي في تصريحات نشرتها الصحافة العراقية، بأن الامير عبدالله عمل بجد واخلاص على التئام الموقف العربي في اعادة السعودية والعراق الى المسار الطبيعي المبدئي الذي يجمع بينهما، واضاف بأن موقف السعودية كان له تأثير بالغ في ما يسمى بالقضية العراقية ـ الكويتية التي تحقق على مسارها ما تحقق، ورأى ان هذا الموقف يشكل خطوة اساسية كبيرة في اعادة صياغة الامة من جديد على اساس وحدة الموقف والتضامن على اساس الموقف الموحد على خط يمثل الحد الادنى للدفاع عن مصالح الامة العربية، وانهى قوله «كلهم خيرون في المملكة العربية السعودية» وعلى رأسهم الملك فهد واخي وعزيزي وصديقي الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي عهد المملكة». وواضح من هذه الاطروحة الاعلامية ان العراق يريد الغطاء العربي ويريد انشاء الساتر الذي قد يضعف التصميم الامريكي على تبديل الوضع فيه. رابعا: اعلن وزير الخارجية الايراني وكذلك بعض المسئولين في ايران بأن ايران لن تشارك في مقاطعة نفطية مالم تكن المبادرة اسلامية جماعية، وكذلك اعلن وزير النفط الليبي الذي رفض انضمام ليبيا للموقف العراقي. وتبقى القوة الضاربة في الدبلوماسية النفطية بيد دول الخليج والمملكة التي لعبت دائما دور المتوازن والملبي للاحتياجات العالمية، بالتضامن مع كل من الكويت والامارات. وقد نجح الحظر النفطي عام 1973 بعد اجتماع وزراء النفط، في اكتوبر في فندق شيراتون الكويت، بسبب صلابة الموقف الثلاثي، ولم يشارك العراق ولا ليبيا في تلك المقاطعة، وتحدت هذه الدول الخليجية الثلاث الولايات المتحدة وجبروتها في ذلك الوقت ايمانا منها بالقيم والمباديء. كنت في نيويورك وقتها، وجاء الرئيس الجزائري بومدين بعد الحرب في مارس 1974 ليعلن قيام النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وقد سمعت من الرئيس بوتفليقة الذي كان رئيسا للجمعية العامة للامم المتحدة بأن الرئيس بومدين لم يكن يتصور بأن تقوم الكويت والامارات، وهي دول ضعيفة بالمواجهة السياسية مع الولايات المتحدة وتغامر بمصالحها. وطالما ان هذه الدول الثلاث ملتزمة بمسئولياتها تجاه الاقتصاد العالمي والامن السياسي والاستراتيجية للاسرة الدولية، فلا قيمة لاشارات معنوية اعلامية تصدر من بغداد او من غيرها. خامسا: علاقة دول الاوبك مع الاسرة الدولية، وخاصة علاقة دول الخليج، ترتكز على الشراكة الاستراتيجية القائمة على المنافع المتبادلة، وعلى احترام العقود والالتزامات، وعلى التعاون مع اعضاء الاسرة الدولية للبحث عن آليات تطوير في تكنولوجيا النفط وعن حقول جديدة ووسائل مستحدثة تلبي الحاجيات المتصاعدة للاقتصاد العالمي على اسس مقننة ومستقرة ودائمة، ولا تقبل دول تحترم نفسها ان تعبث بسلعة استراتيجية يعتمد عليها العالم في برامج التنمية، وان تخضع هذه السلعة النادرة لتقلبات المزاج ولا الى صراخات التجمعات التي تجيد الصياح اكثر مما تجيد الفعل والعمل. وقد كسبت دول الخليج مصداقية في تعاملها المسئول مع اعضاء الاسرة الدولية، وصارت اعضاء في نادي النخب المستنيرة، وليست على استعداد لفقدانها. سادسا: لا نستطيع ان نتجاهل عوائد النفط الخليجي وخيراته التي دخلت كل بيت عربي من المحيط الى الخليج، وصارت دول عربية غير نفطية تعتمد في برامج تنميتها وفي بناء الخدمات الاساسية وبنيتها التحتية على دول النفط، وصار المواطن في الدول العربية يبحث عن مكان في دول الخليج، التي استقبلت احد عشر مليونا من خارج حدودها يحولون سنويا 36 بليون دولار من ارض الخليج، فضلا عن مساهمات هذه الدول في المؤسسات العربية وفي التبرعات وابرزها المساهمات التي قدمت في قمة عمان للفلسطينيين واخيرا في قمة بيروت وفي اجتماع الخارجية العرب. سابعا: عالم اليوم غير عالم زمان، فقد توسعت مصادر النفط، وكثرت الاكتشافات، وتطورت التكنولوجيا، وادخلت على مصادر الطاقة الكهربائية والنووية واكتشافات حديثة خفضت من احتياجاتها من النفط، ولذلك فان السعر الذي كان في حدود الاربعين دولاراً، صار الان في حدود 22 دولاراً، يعني انخفض 50% مع تقبل المنتجين والمستهلكين لهذا السعر. واخيرا فإن العلاقات بين المصدرين والمنتجين يجب ان تستقر على ثقة متبادلة وقناعات متينة على المصالح المشتركة وعلى الجدية، والمسئولية، ويخرج من هذه العلاقة، النظام الذي يريد ان يعطب النهج المستقر في العلاقات المتبادلة، ولحسن الحظ فلم يعد للقوة الراديكالية في عالم العرب اي نفوذ، ولم يعد لها تلك المصداقية، التي تهز مراكز القرار في العالم، وبالذات في اوروبا والولايات المتحدة، وصارت القوة بيد الحكماء والعقلاء في دول الخليج بارتياح تام لهذا الواقع من جميع دول العالم.