بيان الاربعاء: ترتسم أمامنا عبر مساحة المشهد الفلسطيني وكذلك عبر خرائط وسيناريوهات الصراع والمواجهات الدامية المحتدمة على الأرض الفلسطينية، لوحة كبيرة واضحة المعالم والخطوط والخرائط والأبعاد الفكرية، والسياسية والأيديولوجية والاستراتيجية، سواء تلك المتعلقة بالسياسة الإسرائيلية التفاوضية أو الحربية التدميرية الإخضاعية، أو تلك المتعلقة بقضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي المختلفة على كافة المسارات، مما يتيح لنا الاجتهاد المشروع بالخروج باستخلاصات أساسية مفيدة ـ وهي كلها تحت الجدل والمناقشة والتطوير ـ وغايتنا من وراء ذلك: ـ الوقوف أمام الحقائق دون أوهام وبوضوح ـ والوقوف أولاً وقبل كل شيء أمام الأجندة السياسية الإسرائيلية الحقيقية كما هي.. وكما ظهرت في حالة الإجماع السياسي الإسرائيلي إلى حد كبير وراء الحرب الشارونية الإرهابية الدموية الشاملة على الشعب الفلسطيني. ـ ثم الوقوف أمام مسئولياتنا وحساباتنا وأجنداتنا وأولوياتنا وأوراقنا المبعثرة القوية والهشة في الوقت ذاته. ـ ثم أخيراً وهذا هو الأهم الاقتناع والانتقال في المواجهة الفلسطينية / العربية مع دولة وسياسة الاحتلال الإسرائيلية، إلى مرحلة متقدمة تستند إلى مرجعيات وخيارات وأجندة سياسية أخرى وخطاب فلسطيني عربي سياسي وإعلامي وديبلوماسي مختلف، وبالتالي إلى استعدادات وتجهيزات وتوجهات أخرى مختلفة ومتزامنة مع ما سبق ذكره..؟ الإجماع السياسي العدائي الإسرائيلي فعلى خلاف سيمفونية مروجي عملية السلام والتطبيع (المنتفعين منه)، الزاعمة بأن المجتمع السياسي الإسرائيلي يؤيد في معظمه «السلام وإنهاء نزاع القرن» مع الفلسطينيين والعرب، فقد أظهرت وبرهنت جملة من الحالات والمواقف الإسرائيلية بأن الإجماع السياسي الإسرائيلي قائم ومقولب وجاهز بكل ما يتعلق أو عندما يتعلق الأمر بالأرض الفلسطينية وبالحقوق الفلسطينية الأخرى مثل القدس واللاجئين والدولة الفلسطينية المستقلة السيادية. ولسنا بحاجة في هذا الصدد إلى أن نثبت ذلك، فكم الخرائط والخطط والأفكار والمقترحات والسيناريوهات والمواقف الإسرائيلية المعروضة والمتكاملة على مدى السنوات الأخيرة ومن جهة معسكري الليكود والعمل على حد سواء كفيل بأن يزيل الغشاوة عن عيون المضللين والمضللين إن رغبوا، وكفيل بأن يطلق صرخات مدوية مستمرة تطالب بخيارات وحسابات وأجندات عربية أخرى في مواجهة الاحتلال. ونقترب أكثر من مسألة الإجماع السياسي الإسرائيلي تجاه أوطاننا وقضايانا وحقوقنا حينما نقرأ المشهد الجدلي الإسرائيلي المتواصل حول القرارات الدولية وفي مقدمتها 242 المتعلقة بالقضية الفلسطينية وخاصة في أعقاب الفتوى التي قصفنا بها المستشار القانوني الإسرائيلي في عهد باراك وحكومة العمل حول القرار 242. إذ لا تعبر وجهة النظر القانونية التي أعلنها المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية الياكيم روبنشتاين والتي جاء فيها «أن القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي والذي يتحدث عن انسحاب إسرائيل من مناطق، لا ينطبق على المفاوضات مع الفلسطينيين» ـ صحيفة يديعوت أحرونوت 30/6/2000 ـ عن موقف اليمين الإسرائيلي فقط إزاء القرارات الدولية المتعلقة بالقضايا والحقوق الفلسطينية. فقد سبقه إلى مثل هذا الموقف الجنرال باراك نفسه رئيس الحكومة الإسرائيلية السابقة التي وصفت في مرحلتها الأولى أنها حكومة السلام إذ أعلن باراك في منتصف اكتوبر 1999 «أن القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن لا يسري على المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة». كما أن حاييم رامون أكثر الوجوه حمائمية في حزب العمل - كما يقولون - أعلن خلال مقابلة تلفزيونية معه 29/6/2000 «أن 242 لا يسري على الضفة والقطاع، وأنه لم يكن هناك أصلاً كيان فلسطيني ولا الرئيس عرفات كان موجوداً عندما اتخذ هذا القرار». وأتبعه شلومو بن عامي من أبرز حمائم حزب العمل أيضاً ورئيس الوفد الإسرائيلي للتفاوض مع الفلسطينيين في كامب -2- حول التسوية الدائمة خلال مقابلة أجرتها معه القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي مساء الجمعة 30/6/2000 بتصريح أكد فيه على الثوابت التفاوضية الإسرائيلية وهي: 1ـ غور الأردن على امتداد نهر الأردن سيبقى تحت السيادة الإسرائيلية. 2ـ تكتلات المستوطنات ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية. 3ـ القدس الموسعة ستبقى موحدة تحت السيادة الإسرائيلية. يضاف إلى ذلك جملة لا حصر لها من الخرائط والخطط والاشتراطات الإسرائيلية المتعلقة بالأرض والحقوق الفلسطينية والتي نرى فيها حالة الإجماع السياسي الإسرائيلي. والحقيقة الساطعة أيضاً أن السياسات الرسمية والحزبية الإسرائيلية الليكودية والعمالية ليس فقط ترفض تطبيق 242 على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإنما ترفض كذلك التعامل مع القرارات الدولية الأخرى وخاصة 181 و 194 المتعلقين بقرار التقسيم وإقامة الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين الفلسطينيين. إذن.. تتنصل السياسة الرسمية الإسرائيلية عمالية / يسارية وليكودية يمينية على حد سواء من كافة القرارات الدولية المتعلقة بالأرض والحقوق الفلسطينية المشروعة، ونتابع من جهة أخرى بازار الخرائط والعروض الإسرائيلية حول التسوية الدائمة مع الفلسطينيين والتي تجمع كلها في نهاية الأمر على تكريس الخطوط الحمراء والثوابت والأهداف الإسرائيلية. في الوقت الذي تراوح فيه المفاوضات النهائية مكانها بصورة عبثية باعتراف مصادر فلسطينية وإسرائيلية ودولية عديدة. لقد وفر روبنشتاين برأيه الغطاء القانوني لموقف باراك والسياسة الرسمية الإسرائيلية العمالية والليكودية تجاه 242 والقرارات الدولية الأخرى، وتلتف القوى السياسية الإسرائيلية الأخرى على اختلاف انتماءاتها حول هذا القرار ولا تضللنا هنا بعض الأصوات الإسرائيلية المعارضة لفتوى المستشار القانوني الإسرائيلي، فتصريحاتها للإعلام وتضليل الرأي العام. الخرائط والمفاوضات النهائية وعلى أرضية حالة الإجماع السياسي الإسرائيلي تجاه القضايا الفلسطينية، وفي قضايا الحل النهائي على نحو خاص، نتقدم في محاولة لرسم «الخارطة الجينية للموقف الإسرائيلي في حالتي السلام والمفاوضات النهائية والحرب التدميرية» لنقرأ الخطوط الحمراء والثوابت الإسرائيلية الإجماعية أو الجامعة في قضايا الأرض والقدس واللاجئين والمستوطنات والدولة الفلسطينية المستقلة والحدود والمياه وغيرها من القضايا الأخرى التي يثيرها الإسرائيليون كالعادة. فقراءة الخارطة الجينية للموقف الإسرائيلي تعيدنا إلى أدبياتهم السياسية والأيديولوجية تجاه رباعية الأرض والهجرة والاستيطان والأمن، وإلى خطوطهم وثوابتهم ومنطلقاتهم ورؤيتهم للصراع وحقائقه وآفاقه.. وتعيدنا بالتالي إلى خرائطهم وخططهم وسيناريوهاتهم التي لا حصر لها.. وتذكرنا بالحاح بسياستهم الأمنية الاستراتيجية أولاً، ثم بسياستهم التفاوضية التفكيكية ثانياً ثم بتكتيكاتهم المرهقة في لعبة المماطلة والتأجيل والتتويه، ولعبة النبضات والخرائط ثالثاً.. وتعيدنا أخيراً والأهم من كل ما سبق إلى أنفسنا لمراجعة حساباتنا وإلى أين وصلنا وما هي الخيارات والبدائل التي أمامنا. فلنقرأ إذن خريطتهم تجاه الأرض.. وخريطتهم تجاه القدس.. والثالثة تجاه قضية اللاجئين وحق العودة.. والرابعة تجاه الدولة والسيادة والحدود.. والخامسة... الخ. ... لنستخلص في نهاية المطاف أنهم بالإجماع السياسي الحزبي البرلماني المجتمعي يعتزمون تكريس احتلالهم وهيمنتهم سواء بشرعية المفاوضات والاتفاقيات والبصمات الفلسطينية والعربية والدولية أو عبر المروحيات والدبابات..الخ، ولنستخلص أنهم يريدون لنا دولة فلسطينية مستقلة بسيادة إسرائيلية كاملة؟! «وربما على» مساحة تشمل غزة و 18% من الضفة الغربية فقط - القدس المقدسية 23/10/ 1999 أو على مساحة 42% كما يعرض شارون مؤخراً» . ولنستخلص أيضاً ما جاء في خيال أوري أفينري أحد أهم أقطاب «معسكر السلام الإسرائيلي» الذي كتب في معاريف يقول: «قال باراك في عهده أنه يريد إيجاد» تسوية دائمة مع الفلسطينيين، تعيد لهم كل المناطق ما عدا الكتل الاستيطانية، قال أن هذه الكتل ستشمل فقط 40-50 في المئة من الضفة الغربية، هذا هو موقف البداية، وربما يتنازل في سياق المفاوضات إلى ضم 20-30 في المئة من المنطقة لإسرائيل. لنفترض للحظة أنه سينجح حقاً في لي ذراع الفلسطينيين، وأن يفرض عليهم مثل هذه التسوية، هل حقاُ هذه ستكون تسوية دائمة ؟ هل ستقود إلى السلام ؟ هل سيرى الفلسطينيون، الذي سيضطرون مكرهين لقبول الإملاء الذي سيبقي لهم 15 في المئة فقط من موطنهم الأصلي، في هذا الاتفاق نهاية الصراع التاريخي ؟ إنني أرى في خيالي الخريطة التي ستعلق في قادم الأيام في كل صف فلسطيني، تزينها ثلاثة خطوط: الخط الأحمر يشير إلى حدود فلسطين في عهد الانتداب حتى العام 1948، من البحر إلى النهر، الخط الأخضر يشير إلى منطقة الضفة الغربية حتى العام 1967، فقط 22 في المئة من الأرض الانتدابية، والخط الأسود يشير إلى حدود التسوية الدائمة، هذه حدود أشباح تتغلغل إلى جسد الدولة الفلسطينية في مناطق «كادوميم» ، «أرئيل» ، «معاليه أدوميم» ، «تقوع» ، غور الأردن، البحر الميت، «غوش قطيف» ، وغيرها، إن التكتلات الاستيطانية تقع على الأرض الخصبة جداً، وعلى احتياطي الأرض للمجتمع الفلسطيني النامي، وخاصة إذا اضطرت إلى استيعاب مئات آلاف اللاجئين، بالنسبة لجيل فلسطيني جديد، فإن التكتلات الاستيطانية ستكون تكتلات الأذعان، لن يكون هذا نهاية صراع تاريخي، كما قال باراك، بل مرحلة جديدة في الصراع الذي مر بعدة مراحل. إذا سار باراك أو شارون اليوم أو غيره لاحقاً في هذا المنحنى، فإنه سيجد نفسه يسير في أعقاب لويد-جورج البريطاني وكلمنسو الفرنسي، اللذين صاغا معاهدة فرساي - صحيفة معاريف 27/9/1999» . ما بين شارون وباراك ونتانياهو وبيريز: واستتباعاً... حينما قال الجنرال باراك في مطلع يناير /1997: «لو كنت أنا الآن رئيساً للحكومة الإسرائيلية لاستمعت إلى شارون في ضوء خبرته الواسعة وأفكاره الجيدة بشأن الترتيبات الأمنية في الخليل - الدستور الأردنية 9/1/1997» ، فقد كان ذلك الموقف مؤشراً واضحاً إلى القواسم المشتركة الأمنية / العسكرتارية / السياسية ما بينه وبين شارون. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن باراك كان الابن المدلل لرابين، وتتلمذ على يديه، وتقدم في مراتبه العسكرية والقيادية بفضل دعمه وغطائه، و«أن شارون شغل منصب مستشاراً خاصاً لرئيس الوزراء اسحق رابين من يونيو / 1975 وحتى مارس / 1976 ـ ملحق صحيفة هآرتس 12/1/2001» ، فإننا يمكن أن نضع خطوطاً مشددة أخرى تحت القواسم المشتركة الأمنية / العسكرية / السياسية بين الجنرالين من جهة وبين الحزبين الكبيرين الليكود والعمل من جهة أخرى. ولذلك كان من السهل على الاثنين تنسيق مواقفها مبكراً، والتوصل إلى خطة سياسية مشتركة تستند إلى خطة الفصل عن الفلسطينيين التي تبناها باراك، وإلى خطة شارون في التسوية الانتقالية بعيدة المدى بين إسرائيل والفلسطينيين - صحيفة معاريف 15/10/2000» . ولذلك أيضاً كان من السهل عليهما «أن يتوصلا إلى اتفاق حول تشكيل حكومة طوارئ وطنية في إسرائيل لمواجهة الانتفاضة الفلسطينية.. قبل أن يتدخل نتانياهو لإحباط الخطوة - صحيفة معاريف 27/10/2000» . وقد «امتدح باراك الليكود كثيراً وأشار بشكل خاص إلى المساهمات النوعية التي قدمها شارون لعملية السلام - المصدر السابق نفسه» . فيما أكد الكاتب الإسرائيلي حاييم هنجبي «أن الاثنين اللذين عملا معاً لتخطيط حرب لبنان، اتفقا على مواجهة سياسة الحرب المشتركة.. وبالتالي فإن الحديث عن الفرق بينهما كالحديث عن الفرق بين الوحدة 101 التي تزعمها شارون وبين دورية الأركان العامة» الوحدة الخاصة «التي تزعمها باراك - صحيفة معاريف 21/12/2000» . علماً بأن مصادر إسرائيلية عديدة تحدثت مراراً عن الاثنين بوصفهما شارون -أ- وشارون -ب- صحيفة معاريف 21/1/2001» . كما أن بينهما تشابهاً كبيراً، «فكلاهما تخرج من الوحدات الخاصة، ولا يؤمنان بالشرق الأوسط الجديد، كما أنهما ليسا من أنصار عملية أوسلو، وهما قلقان جداً من التهديدات الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، ولديهما تقدير مشترك بأن إسرائيل قد تضطر قريباً للتوصل إلى تسويات مع الفلسطينيين ليست تسويات نهائيه، وذلك رغم إنهما يختلفان في طريقة حل النزاع، فباراك يفكر بالديموغرافيا، وشارون يفكر بالجغرافيا - ملحق صحيفة هآرتس 2/2/2001» . أما فيما يتعلق بالقواسم المشتركة بين باراك - شارون ونتانياهو، فبينما أشار شالوم يروشالمي إلى قواسم مشتركة أيضاً بين باراك ونتانياهو، حيث «يتفق الاثنان في رؤيتهما إلى العرب - صحيفة معاريف 5/12/2000» ، تحدثت صحيفة هآرتس في تقرير موسع لها عن «خطة مشتركة تم بلورتها في حينه بين نتنياهو وباراك (عندما كان الأول رئيساً للوزراء) للمفاوضات مع السوريين والمصريين، وأن شارون كان في صورة الاتفاق، وأن هذه الخطة قد تكون هي نفسها لحكومة الوحدة التي يعتزم تشكيلها شارون (وقد شكلها كما هو معروف) ـ صحيفة هآرتس 6/2/2001» ، أما وقد شكل شارون الحكومة، فكافة المؤشرات الإسرائيلية تشير إلى تبنيه الوثيقة نفسها إلى حد كبير، والتي اشتملت على جملة من الخطوط الأساسية أهمها: 1ـ عدم إجراء مفاوضات تحت ضغط النار والإرهاب. 2ـ إسرائيل لن تنفذ أي التزام تعهدت به طالما أن عرفات لا ينفذ التزاماته. 3ـ في المرحلة الأولى وإلى أن تنشأ ظروف سلام إقليمي بين إسرائيل والعرب، سيجري رسم حدود فصل بين إسرائيل والدولة الفلسطينية وسوريا، على أن يبقى كافة المستوطنين اليهود داخل نطاق حدود الفصل. 4ـ لن يتم تفكيك أي مستوطنة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وستواصل إسرائيل السيطرة على كل المناطق المسماة - جـ -، وجزء من مناطق -ب-، والتي تشكل حوالي 60% من مساحة الضفة (واقترح باراك الاكتفاء بـ 50% في نطاق الفصل أحادي الجانب). 5ـ وفي المرحلة الثانية يجري تحديد الحدود الدائمة، والتسويات حول القدس وحل قضية اللاجئين.