ما الذي يوجد في مخيم جنين ليتحول الى ساحة معركة وحشية الى هذا الحد؟ حسب معطيات وكالة الغوث والتشغيل للاجئين التابعة للامم المتحدة، من السنة الماضية فان مخيم جنين هو مخيم متوسط الحجم ويبلغ تعداد سكانه 13 ألف نسمة. هناك مخيمات أكبر منه في الضفة الغربية. مخيم بلاطة في نابلس ومخيم طولكرم. مخيم جنين بني في وقت متأخر نسبيا في عام 1953 بعد ان كان موجودا في واد خلال خمس سنوات. في مطلع الخمسينيات حدثت في هذا الوادي فيضانات قوية فقامت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين بنقل السكان الى غربي جنين. وسائل اعلام كثيرة وعلى رأسها الفلسطينية والاسرائيلية سارعت في الاسبوع الاخير الى ربط المعارك الضارية التي حدثت في جنين مع تقاليد الحرب والقتال الوطنية والدينية الاصولية التي تميز منطقة جنين. الجميع ذكروا الشيخ عز الدين القسام، ذلك الداعية المسلم الذي ولد في دمشق وتوجه الى حيفا في الثلاثينيات ليدعو الى التضحية بالنفس ابان عهد الانتداب البريطاني وقام بتنظيم مجموعة مسلحة لمواجهة المستوطنات اليهودية والحكم البريطاني. القسام استشهد في اكتوبر لعام 1935 في معركة مع الجيش البريطاني بجانب بلدة يعبد المجاورة لجنين. جنازة القسام في حيفا كانت احدى المظاهرات الوطنية العربية الكبرى التي شهدتها البلاد في تلك السنوات، ودفن في حي بلد الشيخ (اليوم أصبح اسمه تل حنان) على مداخل حيفا. ذكراه باعتباره اول الشهداء الفلسطينيين تلازم المجابهات العنيفة التي نشهدها اليوم على شاكلة اطلاق اسمه على كتائب القسام التابعة لحماس. خلال كل بضعة اشهر يقوم يهود بكسر الشاهد الموجود على قبر عز الدين القسام في تل حنان (وهذا ما تكرر قبل اسبوعين ايضا) ليعود المسلمون ويقومون باصلاحه. ومن بين المقاتلين الذين رافقوا القسام قبل 70 سنة برز شبان من الرابطة الاسلامية في قرية صفورية الكبيرة (اليوم تسيبوري) المجاورة للناصرة. قرية صفورية كانت هدمت في حرب عام 1948 وانتقل اغلبية سكانها الى الناصرة. بعضهم فر الى جنين وقد برز من بين قادة حركة الجهاد الاسلامي الذين أشرفوا على معركة مخيم جنين الحاج علي الصفوري الذي جاءت عائلته من صفورية، وكان علي الصفوري من بين المطلوبين الكبار الذين كان الجيش الاسرائيلي يلاحقهم واستسلم في نهاية الاسبوع وسلم نفسه مع سقوط المخيم. من الممكن مع ذلك التشكيك في الدور الذي تلعبه التقاليد المذكورة في أحداث اليوم. فتاريخ الصراع المؤلم في هذه البلاد ترك من ورائه حكايات بطولة وفداء في كل زاوية. ولاجئو مخيم جنين ليسوا مختلفين عن غيرهم من اللاجئين الآخرين بكثير. المجموعة السكانية الكبيرة في المخيم هي عشيرة عرب التركمان. وهم عبارة عن بدو سابقين (من أصل طوراني - تركي) كانوا جاءوا الى البلاد قبل مئات السنين وأخذوا يرعون ماشيتهم في منطقة وادي عارة والسفوح الجنوبية من جبل الكرمل. مراكز سكناهم كانت تمتد سابقا بين يكنعام ومجيدو حتى برديس حنا في الجنوب، وكان مركزهم في بلدة عين المنسي. حتى أواخر العهد العثماني كان التركمانيون يحافظون على لغتهم التركية. ولكن خلال القرن الاخير انتقلوا لاستخدام اللغة العربية وانخرطوا كليا في المجتمع الفلسطيني. عدد التركمان يصل اليوم الى عشرة آلاف نسمة ووجودهم ملموس جدا في مخيم جنين للاجئين وفي كل المحافظة. أغلبيتهم الساحقة تعتبر موالية لحركة فتح ولديهم ممثلون في المجلس التشريعي الفلسطيني وهما جمال الشاتي وفخري تركمان. بعد التركمانيين تأتي عائلة الهيجا التي هي من أكبر وأقوى عشائر اللاجئين التي قدمت في عام 1948 الى منطقة جنين والى مخيمها. من هذه العائلة جاء الشيخ جمال ابو الهيجا والكثيرون غيره من نشطاء الحركات الاسلامية في المنطقة. أصل هذه العشيرة يعود الى القرى العربية الموجودة في منحدرات الكرمل (مثل قريته أم الزينات واجزم وعين حوض وابو شوشة). أبو الهيجا كانت في السابق احدى العشائر الكبيرة في الجليل الأسفل وهي تنتسب الى حسام الدين أبو الهيجا أحد قادة جيش صلاح الدين الايوبي محرر البلاد من أيدي الصليبيين، ويعتقد اليوم ان قبر أبو الهيجا موجود في قرية كوكب (المسماة كوكب أبو الهيجا) المجاورة لقرية عرابة. في مخيم جنين للاجئين توجد عدة حمائل اخرى كثيرة، الا انها أصغر نسبيا وهي من لاجئي قرى الجليل الأسفل ومن منطقة العفولة. البارزون منهم أبناء القرية المدمرة زرعين (اليوم مجموعة يزراعيل)، الا ان من فرض وحده الطابع المتشدد والعنيد للقتال في جنين لم يكونوا أبناء الحمائل أو أبناء قرية بعينها، وانما مجموعة منظمة جيدا من أتباع حركة الجهاد الاسلامي التي تبوأت مكانة في قيادة المخيم. وقد برز من بين هذه المجموعة شبان من جنين والقرى المحيطة بها من غير اللاجئين ولكنهم كانوا جاءوا للمخيم في الاونة الاخيرة من اجل الانضمام للمقاتلين. أحد هؤلاء الشبان هو ثابت المرداوي من قرية عرابة المجاورة الذي كان قد نظم سلسلة من العمليات الانتحارية سابقا. وهو ايضا كان من بين الذين استسلموا وضبطوا في نهاية المطاف. بعد ان انتهت معارك اراقة الدماء والدمار هناك تحول مخيم جنين الى ساحة لمعركة اعلامية من الدرجة الاولى بين الجانبين. عدد القتلى ونقل الجثث ودفنها وحجم الدمار، هي المسائل التي ستركز عليها الحكومات ووسائل الاعلام الآن في البلاد والعالم. واسرائيل والفلسطينيون سيحاولون الاستفادة من الفظائع التي حدثت هناك بالتأكيد. من المحتمل جدا ان يكون من الواجب الاستفادة من عبرة مخيم جنين فيما قد يحدث من معارك في ظروف مشابهة في قطاع غزة. المعركة العسكرية التي أعلنت عنها الحكومة الاسرائيلية ضد الارهاب والسلطة الفلسطينية لا يمكن ان تنتهي في جنين والضفة الغربية. وسواء كان عاجلا أم آجلا ستمتد هذه الحرب الى قطاع غزة الذي يحتوي على تنظيمات اسلامية أكبر من مثيلاتها في الضفة بعدة أضعاف. حماس والجهاد الاسلامي ظهرتا في غزة، ومن مخيمات اللاجئين هناك جاء احمد ياسين والدكتور فتحي الشقاقي (الذي اغتيل في عام 1996 في مالطا)، الحركتان تضمان الان جموعا حاشدة من النشطاء الذين يعتبرون الموت وحتى التشوق له سلاحا اساسيا لهم. «في جنين تعلمنا ان لا نهرب» قال أحد النشطاء الاسلاميين في غزة واضاف «اسرائيل لم تعد تخيفنا فلدينا ايمان بالله والوطن ومن الافضل لنا ان نموت وان نقتل أعداءنا». هذا الناشط ورفاقه سيواصلون عملياتهم سواء من خلال ايجاد السبل للتسلل الى اسرائيل او من خلال استخدام الراجمات والصواريخ التي ستصبح أكثر تطورا وأكثر مدى بوتيرة متسارعة، واذا قررت حكومة اسرائيل ادخال جنودها لمخيمات اللاجئين في غزة فان الصورة قد تكون أصعب وأشد مرات ومرات. مخيم جنين بسكانه الثلاثة عشر ألفا هو حي صغير بالمقارنة مع مخيم جباليا الموجود في شمالي غزة وتعداده 102 ألف نسمة. وفي موقع غير بعيد من جباليا على شاطيء غزة يوجد مخيم الشاطيء ذو الستة وسبعين ألف نسمة وبعده النصيرات الذي تعداد سكانه 62 ألفا. في مخيمات دير البلح الثلاثة يوجد 70 ألف نسمة. ولاحقا يأتي مخيم خانيونس المجاور لغوش قطيف والذي يوجد فيه 60 ألف نسمة. وفي نهاية المطاف تأتينا مخيمات رفح البالغة 90 ألف نسمة. هذه المقاييس مغايرة تماما لما يوجد في جنين، عدد السكان والاكتظاظ في المجتمعات الغزية تتسبب بالمصائب للجيش الاسرائيلي في السنوات السابقة، وهذا عندما كان عدد سكانها صغيرا نسبيا ولم يكن هناك حكم فلسطيني او سلاح، ووضع اللاجئين الذين كانوا يعملون في اسرائيل كان افضل بكثير مما هو عليه الآن. كما ان ما حدث الآن في حي القصبة في نابلس لا يمكن ان يقارن هو الآخر بما قد يحدث في أحياء غزة المكتظة في الشجاعية والشيخ رضوان وحي الزيتون والتفاح. اذا دخل الجيش الاسرائيلي الى هناك. دافي رونبشتاين ـ هآرتس