اعترفت صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية بأن الحرب التي شنها شارون باسم «السور الواقي» لم تضع نهاية ل«الارهاب» الفلسطيني المعتاد لارهاب الدولة الاسرائيلية، وحذر الخبير الاستراتيجي، زئيف شيف كاتب المقال في الصحيفة من ان اسرائيل لا يمكن أن تبقي «الدول العربية ولا حتى المعتدلة بينها في حالة اللامبالاة» الحالية وقال ان الرئيس الفلسطيني عرفات تحول الى بطل في الشارع العربي وجاء في المقال. الجولة العسكرية الحالية مع الفلسطينيين توشك على الانتهاء، ولكن حربهم ضد اسرائيل مستمرة. من الناحية الميدانية هُزم الفلسطينيون في هذه الجولة ايضا. بنية الارهاب لديهم، التي أقيمت على نحو منهاجي منذ التوقيع على اتفاقات اوسلو، تلقت ضربة قوية، ولكن الفلسطينيين لم يستسلموا. فالارهاب لم يصف والانفجار في باص المسافرين في طريقه من حيفا الى القدس هو دليل على ذلك. لم يكن لاسرائيل بديل الا ان ترد بحزم على الاعمال الارهابية ضد مواطنيها، ولكن من الواضح للجميع بأن كل دخول جديد الى المناطق الفلسطينية يكلف ثمنا باهظا. وقد برز الأمر في مخيم جنين للاجئين. فالثمن الذي جبي من الفلسطينيين، بالأرواح وبالدمار، يرتفع هو الآخر مع كل جولة جديدة. الجانب الاستراتيجي أكثر تعقيدا. وحتى هذه اللحظة لا يوجد أي مؤشر على انه في إثر الضربات التي تلقاها عرفات يتحقق لديه انقلاب جوهره تغيير استراتيجيته، الداعية الى استخدام العنف لتحقيق الاهداف السياسية. فالعملية العسكرية الاسرائيلية لم تحقق ذلك. وفضلا عن ذلك، فانه يتوقع من وزير الخارجية الامريكي، ان يمنحه انجازا سياسيا دون ان يضطر الى تغيير استراتيجية العنف. ورغم هزيمته العسكرية فان هناك موضوعين يراهما عرفات انجازا من ناحيته. بيد انه يمكن لهما ان يتحولا الى سهم مرتد نحوه. ففي خطواته الاخيرة نجح عرفات في الضعضعة التامة لامكانية وجود أي تحالف عربي ضد صدام حسين. وبتصعيد اعمال الارهاب ضد المدنيين الاسرائيليين ألزم اسرائيل بالرد الحازم. ولا يمكن للرد العسكري الاسرائيلي ان يبقي الدول العربية، ولا حتى المعتدلة من بينها، في حالة من اللامبالاة. فمن ناحيتها، فقد تغير جدول الاعمال بسبب الجولة العنيفة الحالية. لا العراق والحرب الامريكية ضده هي التي تقف على جدول الاعمال بل اسرائيل وردودها العسكرية. الوضع الناشيء هو انتصار لصدام حسين ولعرفات، الذي هو شريكه في هذا الموضوع. ولا غرو في ان صدام أعلن مؤخرا زيادة المنحة لعائلة الانتحاري الفلسطيني الذي ينفذ عملية ضد اسرائيل من عشرة آلاف دولار الى خمسة وعشرين ألف دولار. ولا يوجد بعد أي دليل على المؤامرة بين صدام وعرفات في هذا الموضوع، ولكن مصير المؤامرات ان تنكشف في النهاية. وهناك انجاز لعرفات هو تحوله الى بطل الشارع العربي. ففي قيادات الدول العربية في المنطقة الصورة مغايرة. فهناك يعتقدون بأن عرفات يشكل خطرا ليس فقط على اسرائيل، بل وعلى استقرار المنطقة وعلى دول عربية مختلفة. وهذا المفهوم هو عمليا القوة المحركة خلف المبادرة السعودية. وفي هذه الدول ايضا يعشعش الخوف بوجود مؤامرة بين عرفات وصدام حسين، وهي ايضا تتذكر محاولته جر ايران الى النزاع الاسرائيلي - الفلسطيني. ولكن هذا سيف ذو حدين من ناحية عرفات. وعلى هذه الفرضيات تقوم الخطة الامريكية. جر الدول العربية لان تفرض على عرفات وقف للنار وصعود جدي الى المسار السياسي. وهذا ما يبدي الامريكيون الاستعداد لعمله حتى بواسطة مؤتمر دولي والمشاركة في ارسال مراقبين الى المنطقة. وهكذا يكون بوسع واشنطن ان تتفرغ لمعالجة صدام حسين. ولهذا الغرض فانهم يسعون الى كبح جماح اسرائيل ودفع الثمن بتنازلات مختلفة. ليس التنازلات من أجل السلام هي التي ينبغي ان تقلق اسرائيل بل امكانية ان يرى فيها عرفات انتصارا لاستراتيجيته العنيفة. وتسامح كولن باول في موضوع قضية سفينة السلاح كارين إيي أدى بعرفات الى الرد الفوري بتصعيد الارهاب. واذا ما نجح في اقناع باول مرة اخرى واستمر الارهاب، فلن يكون مفر من جولة حربية اخرى أكثر شدة.