لن ينتظر الاسرائيليون طويلا حتى ينقشع دخان الزيف وتتكشف الفظائع الناجمة عن حرب لم يكن لها اي مبرر، وعلى الاسرائيليين ألا يخدعوا انفسهم فهذه اللحظة آتية لا محالة ولكن عندما يكتشفوا مشاهد الدمار والقتل ، في جنين عندئذ يكون واضحا للجميع ان العمليات التي استهدفت القضاء على البنية التحتية للارهاب لم تؤد الا الى زيادته واستفحاله.هذه خلاصة مقال في صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية كتبه ميرون بنفنستي الباحث اليساري والمستشار السابق ل«كوليك». وفيما يلي نص المقال: لم ينجح أي انسان حتى اليوم في التنبؤ بشكل مسبق باللحظة التي تتحول فيها معارضة الحرب واراقة الدماء من عمل خياني الى موقف شرعي وصحيح حتى، ومتى يتحول الشجب الاخلاقي لجرائم الحرب الى مسألة سليمة من الناحية الوطنية، ومتى تتحول شعارات على شاكلة «الحرب دفاعا عن البيت» من نداءات صاخبة للحرب والقتال الى ثرثرة فارغة.لا يتوقع أحد ذلك سلفا، الا ان التجربة تشير الى ان لحظة الانقلاب من وطنية القطيع الى التشكيك الانتقادي قادمة ان عاجلا أو آجلا ـ احيانا خلال اسابيع أو اشهر وأحيانا بعد جيل أو اثنين. تجربة الماضي تبرهن على ان الشجب الدولي وكشف النقاب عن الاعمال الفظيعة المرعبة والمظاهرات الاحتجاجية ذات تأثير تراكمي، الا ان كل ذلك يتعادل من خلال مشاعر التلاحم القبلي والفوقية الاخلاقية وادعاء العدالة والحق.كان من الممكن ان نتوقع ان يؤدي الثمن الدموي المترتب عن استمرار العنف الى النظرة العقلانية لحياة الناس مقابل قيمة الاهداف التي يقتل الناس من اجلها، ولكن التجمعات البشرية المعتادة على تدارس خطواتها حسب الاعتبارات القيمية المطلقة لا تقوم بتلويث خطواتها وفق اعتبارات الثمن والمنفعة. مجرد انشاء علاقة بين الثمن الدموي وبين المنفعة والجدوى هو مسألة لا تخلو من الاشكالية: الثمن الباهظ الذي قد دفع في حياة البشر والحاجة لتبريره تفرض تضخيم القيم التي دفع الثمن الباهظ من اجلها. الزعماء الذين ورطوا شعوبهم في معارك كثيرة لا يستطيعون السماح لانفسهم بترك الجميع يعرفون انهم قد اخطأوا في تقديراتهم ولذلك يقومون بتحويل الاهداف والغايات الى اهداف مطلقة: «الحرب دفاعا عن البيت» او «الحرب دفاعا عن البقاء والوجود» هي اهداف ذات ثمن لا ينتهي.مجرد الربط بين الهدف والثمن الذي يتطلبه تحقيقه يعرض على انه مسألة غير ذات صلة وطرح اعتبارات منطقية هو بمثابة ارتكاب للمحرمات ومحاولة لاحتساب كميات لشيء لا توجد له قيمة محددة.وبالرغم من ذلك تفيد التجربة الى ان محاولات تضخيم القيم المنشودة من اجل تبرير التضحية بحياة الناس لا تنجح الى ما لا نهاية ذلك لان غريزة البقاء أقوى منها وسرعان ما تنكشف مسخرة تضخيم العاطفة الوطنية المزيفة كما حدث في لبنان. لا يستطيع أحد ان يتنبأ بموعد حدوث الانقلاب حيث سيتنافس كل المحللين مدعين انهم أول من كشف الاخفاقات والاستراتيجية الخاطئة والأوهام والحماقة السياسية والخضوع لغريزة الانتقام والقسوة والغلظة، التي هي ثمن العملية الحالية.ولكن عليهم ان لا يخدعوا أنفسهم، فهذه اللحظة آتية لا محالة.هل ستأتي عندما يكتشفوا مشاهد الدمار والقتل في جنين؟ هل سيحل هذا اليوم عندما يكون واضحا للجميع ان عملية «القضاء على البنية التحتية للارهاب» لم تفعل الا ان زادت من هذا الارهاب؟ هل سيحدث ذلك عندما تتسبب اعادة احتلال المناطق الفلسطينية واقامة المناطق العازلة في استدعاء الاحتياط لمدة زمنية طويلة؟ هل ستحدث الصحوة عندما تتحول اسرائيل الى «دولة مجنونة» في نظر العالم كله أم عندما يتدهور الوضع الاقتصادي الى أزمة أكثر خطورة؟. واذا كان هناك من يشكك في قدوم صبيحة اليوم التالي، عليه ان يتمعن في الحملة الوطنية التي قامت بها الوكالة اليهودية تحت شعار «مواصلة عيش الحلم»، التي هي محاولة لتأجيل تبدد الحلم الصهيوني والدعوة للتشبث بالحلم كوسيلة هروب من الواقع. وعندما ستحل لحظة تمزق ستار الوطنية الزائف سيتبين ان حرب اسرائيل ـ فلسطين الخامسة (بعد الثورة العربية وحرب 1948 وحرب لبنان والانتفاضة الاولى) كانت بالفعل معركة اخرى في حرب الاستقلال، ولكن ليس استقلال اسرائيل (كما قال شارون) وانما حرب استقلال الفلسطينيين، وفي هذه الحرب ايضا لم ينتصر أي جانب لانه لا يوجد منتصرون في الصراع بين الشعوب، وانما هناك مهزومون فقط.وكل ما سيتبقى من هذه ذكريات الاعمال الفظيعة والكراهية العميقة ومشاعر الانتقام ومذاق مر وأسى لتفويت الفرصة، ذلك لان كل شيء تقريبا كان يمكن ان يحدث بطريقة اخرى.