الملامة أشد من القتل كما يقولون في بلادنا، ولهذا فإن الأولوية المطلقة لكل من يحمل قلماً في كل مكان من العالم هذه الأيام، أن يحذر هذا المجرم: شارون من أوهام القوة والنصر التي أطاحت برؤوس كثيرة، في هذا العالم إذا كان هذا الرجل القادم من أدغال التاريخ، يوهم نفسه بأن إسرائيل قوية عسكرياً بما يكفي لتحقيق النصر، فالقوة العارية لها ضعفها. والضعف له قوته وفي عالم اليوم: عالم القرية الكونية الواحدة وعالم الإخاء الإنساني:الجيل الثالث من أجيال حقوق الإنسان، فإن قوة الضعف قد تتفوق إذا عرف أصحابها كيف يستثمرونها ببعد نظر إستراتيجي، على القوة المجردة. الدم إنتصر على السيف في إنتفاضتنا الأولى وقد أبدع شاعرنا الكبير محمود درويش بوصف طبيعة تلك الإنتفاضة في قصيدته الشهيرة وجاء فيها: منكم السيف ومنا دمنا ،منكم الفولاذ والنار ومنا لحمنا، منكم دبابة أخرى ومنا حجر. وإنتصرت قوة الضعف على ضعف القوة وكان يمكن تكرار التجربة بنجاح أكبر، ولكن ما حدث قد حدث. أوهام القوة والنصر تأتي متأخرة في عالم جديد لم يعد يقبل هذا الإستخدام المتوحش للقوة. لم يحدث منذ عقدين من الزمن- بعد حرب لبنان 1982م- أن إندلعت مظاهرات في العالم بأسره ضد الحكومة الإسرائيلية وهو أمر لا يفيد فيه إجتماع «مجلس الإعلام الإستراتيجي» الذي دعا له شارون مؤخراً. يقول يوئيل ماركوس في «هآرتس» :« إن عرفات المحشور في مكاتبه تمكن من تحويل الذل إلى كنز إستراتيجي، إذ لا مثيل لعرفات في تحويل الضعف والمسكنة إلى قوة، إنه اليوم أكثر حرية في التعبير والتحريض دون قيود، من أي وقت سابق». يكتب أليكس فبشمان في «يديعوت أحرونوت»:« إننا نأكل الثمار الفاسدة لحرب يونيو 1967م: نأكلها صباحاً ومساءً وفي كل يوم، فأي ثمار ستجنيها العملية العسكرية الحالية، وما الذي سيحدث في اليوم التالي، أو الأسبوع التالي. حسب تجارب كل الجيوش في العالم، عندما يهاجم القوي ينسحب الضعيف ولا يظهر رجال العصابات إلاّ بعد أن يهدأ الجيش ويبدأ التفوق العسكري بالإنحسار». عوفر شيلح يكتب في صحافتهم ويقول:« إن رجالات الحرب في الحكومة الذين يعتقدون أن الإجابات موجودة في المخيمات مدعوون للتحدث مع الضباط الذين دخلوا تلك المخيمات والمدن. لقد إنطلقت العمليات بعد ذلك من تلك الأماكن تحديداً التي دخلناها. سألنا الجنود المنهكين عن الوضع، تلقينا حيرة وإشارات إستفهام، إنهم يحاربون الشيء الذي لم يتمكن أي جيش حتى الآن من قهره: إنه النزوع نحو الإستقلال وإنهاء الإحتلال». أوهام القوة والنصر ستقود، في المدى المنظور، إلى إمكانية تدخل دولي، رغم عدم نضوج كامل للفكرة، وهذا ما دعا له دينيس روس في مقاله في «الواشنطن بوست»، ودعا لوجود مراقبين مصريين وسعوديين أيضاً في مرحلة مبكرة لدفع المبادرة السعودية «والتي أصبحت عربية» للأمام. توماس فريدمان طّور فكرة «المراقبين» ودعا لوجود جيش أمريكي يفصل بين إسرائيل والدولة الفلسطينية لفترة من الزمن. عدد لا بأس به من الكتاب في إسرائيل يعتقدون أننا سنرى قوات دولية، بأسرع من كل التوقعات . إنه إحتمال قائم لكنه، حسب رأيي، لم ينضج بعد. ولكن الإحتمال الأقوى هو «الفصل أحادي الجانب» الذي يزداد مؤيدوه في اليمين من يؤيدون ذلك ولكن بعد إستكمال الحملة العسكرية الحالية. مهما يكن من أمر، فإنّ أوهام القوة والنصر تبقى أوهاماً، وفي التاريخ قادة كثيرون ساروا وراء السراب وشبعوا أوهاماً قبل أن يشبعواً موتاً.