قلة محدودة فحسب هي التي لا تزال تأمل ان يكون الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات شريكاً لاسرائيل في العملية السلمية، لكن الكثيرين يشعرون الآن بأن الورطة، التي وقع فيها عرفات قد تكون الفتيل الذي يفجر مواجهة أكبر بكثير، وإذا ما بدأت هذه المواجهة بالتكشف فقد تورط فيها اعداداً كبيرة من القوات وتتخذ قوة دفع كارثية خاصة بها، فحينما برز احتمال اغتيال ياسر عرفات داخل حطام مقر قيادته، ظهر رعب سافر في الأوساط الحكومية العربية. وما يخشاه الحكام العرب يثير أيضاً ذعر الحكومات الأوروبية إلى جانب الأمريكية وحتى الاسرائيليين أنفسهم، حيث يمكن ان تندلع مظاهرات حاشدة خارجة عن السيطرة في العواصم العربية، يمكن ان تجبر الحكام العرب الرافضين للحرب على محاولة شن هجوم على اسرائيل. كيف يمكن لهذا التطور ان يبدأ؟ وفق أحد السيناريوهات المخيفة، ستبدأ المواجهة بتحرك من الرئيس المصري حسني مبارك، الذي يقف الآن في أكثر المواقف دقة بين الحكام العرب، فإعلامه تبنى على امتداد فترة طويلة مواقف مناهضة لاسرائيل، كما ان بث التلفزيون المصري من دون توقف لأكثر مشاهد الاحتلال الاسرائيلي وحشية قد فرض على مصر فكرة ان بلاء الفلسطينيين هو أول اهتمامات البلاد الحاحاً، وفي الوقت نفسه فإن نظام الحكم المصري يبرر النفقات العسكرية الضخمة على القوات المسلحة من خلال التركيز على دعم قوة البلاد العسكرية وبالتالي فإن الرئيس مبارك يجازف بأن يحول نفسه إلى رهينة لطروحاته، فإذا كانت فلسطين قضية في غاية الأهمية بالنسبة لمصر، وإذا كانت مصر بهذه القوة العسكرية فلماذا لا نستخدم قوتنا العسكرية ضد الاسرائيليين؟ ان أقل الخطوات المصرية خطراً ستكون ذات عواقب مدمرة على مصر، إذ يمكن للجيش المصري في خطوة ستكون خرقاً لمعاهدة السلام التي عقدها الرئيس المصري السابق أنور السادات مع اسرائيل وستحرمه من المعونة الأمريكية الحيوية له، يمكن لهذا الجيش ان يرسل على سبيل المثال بفرق الدبابات الأربع التي لديه والفرق الميكانيكية الثماني ومعها 1600 دبابة تشمل اكثر دباباته تطوراً، وهي أبرامز ام1 اي1 الأمريكية، إلى شبه جزيرة سيناء للوقوف ازاء الحدود الدولية مع فلسطين. وإذا أجبرت هذه الخطوة الاسرائيليين على تعبئة جيشها، الذي سيجمد على الأغلب كل أعماله ضد الفلسطينيين، فإنه ستكون خطوة ذات معنى في سياق التكتيك العسكري، لكنها من الناحية الاستراتيجية ستكون كارثة لأن المصريين إذا تحركوا عسكرياً فإن الرئيس السوري بشار الأسد سيشعر على الأغلب انه مجبر على مجاراة المصريين وارسال مدرعاته ـ سبع فرق مزودة بألفي دبابة ـ لمواجهة الجبهة الاسرائيلية في الجولان، وحينها فإنه حتى العاهل الأردني الملك عبدالله، الذي يثمن غالياً السلام مع اسرائيل قد يتعرض لضغوط لا يمكن مواجهتها من جانب الأردنيين الفلسطينيين لارسال فرقتيه المدرعتين وفرقتيه الميكانيكيتين والمزودة بحوالي 700 دبابة إلى الحدود الأردنية. ان أياً من هذه الاحتمالات لا يحتاج إلى نية مبيتة للقتال لتفجير صاعق الحرب، والحكومات العربية الأخرى قد تجد نفسها مدفوعة بالحماس الشعبي المتعاظم لارسال قواتها بهدف تعزيز دول المواجهة، وهذا سيعطي الرئيس العراقي لارسال قواته المدرعة باتجاه اسرائيل عبر الأردن وسوريا أو الدولتين معا، ومع ان العاهل الأردني قد يشعر بالانزعاج من هذه المساعدة المنطلقة عبر أراضيه والرئيس الأسد لن يتحمس لها بالتأكيد، إلا انه قد يصبح من المستحيل منع القوات العراقية من العبور، إذا ما عملت مواقف الرأي العام على تسخين الأجواء، كما ان هذه القوات قد تأتي ومعها أسلحة كيماوية أو حتى جرثومية وهو ما سيثير حماساً خاصة في جانب الحركات المتشددة، وأخيراً هناك حزب الله في جنوب لبنان الذي ينشر مقاتليه قرب حدود اسرائيل الشمالية، ولديه مئات من صواريخ الكاتيوشا الجاهزة للضرب في العمق الاسرائيلي. والتسابق على تعبئة القوات في خضم أمواج الحماس الشعبي المتعاظم سيكون رداً مباشراً على ما حصل عام 1967 حينما تعرض العرب لهزائم عسكرية، نجم عنها احتلال اسرائيل لغزة والضفة الغربية ومرتفعات الجولان التي لا تزال تحت سيطرة اسرائيل الى جانب احتلال سيناء، ولهذا السبب تحديداً قد يكون هذا السيناريو غير المحتمل أبداً إلى حد كبير جداً، فكما تظهر الاشارات إلى أحداث المواجهة العربية للصليبيين في الخطب السياسية، فإن للعرب ذاكرة تاريخية ممتازة، وحتى أولئك الذين ولدوا بعد عام 1967 يعرفون تفاصيل القصة جيدا. وبالتأكيد، فإن لدى كل حكومة دوافع قوية للاحجام عن أي شيء يتجاوز الادانات الدبلوماسية، إذا اغتال الاسرائيليون ياسر عرفات، فمصر ستخسر المعونة الأمريكية المقدرة بملياري دولار سنوياً، وعلى النحو نفسه فإن الأردن معتمد على هذه المعونات أيضاً، أما سوريا فإن عتادها العسكري قديم، بحيث تصعب معه المجازفة، بخوض غمار حرب، والعراق يصعب عليه تهديد اسرائيل بالصواريخ الباليستية وأسلحة التدمير الشامل التي ينكر وجودها عنده أصلاً. بالمقابل فإن الاسرائيليين يمكن وصفهم بالجنون إذا اعتقدوا ان بمقدورهم الاحتفاظ بالاحتلال والهدوء في الأراضي الفلسطينية، بل انهم منقسمون عند الوسط بين من يريدون الانسحاب وأولئك الذين يرون ان الأرض أكثر أهمية من السلام، أما بالنسبة للقادة العرب فإن ما قد يدفع للتهور هو فقدانهم للشرعية. وإذا ما حدثت هذه التعبئة العربية، فإن الاسرائيليين سيضطرون لتعبئة حوالي 425 ألف احتياطي لتشغيل قواتهم المسلحة وهؤلاء يشكلون جزءًا كبيراً من مجمل تعداد السكان المؤهلين بدنياً، ولأن مثل هذه التعبئة ستشل اقتصادهم ومجتمعهم، فإنها لا يمكن ان تكون محتملة لأكثر من بضعة أسابيع على أبعد تقدير، وما لم تفلح الجهود الدبلوماسية في اقناع العرب بسحب قواتهم فإن الاسرائيليين سيهجمون لاجبارهم على الفرار أو تدميرهم، مثلما حدث في عام 1967. لكن بالنسبة للاسرائيليين لن تكون مثل هذه الحرب شبيهة بما حدث في عام 1967، فمنذ ذلك التاريخ تحول ميزان القوى لصالح اسرائيل إلى حد كبير، القوات المسلحة الاسرائيلية عديمة النفع في مواجهة الهجمات الانتحارية، أو الفتيان من رماة الحجارة، وتكون أفضل بكثير عند تكليفها بفعل ما دربت وجهزت لفعله، أي سحق القوات النظامية المعادية بقوة نيران وخبرة متفوقة، فامتلاك الاسرائيليين لحوالي 400 طائرة هجومية من طائرات الخط الأول ولمخزون كبير من الأسلحة الموجهة (واسرائيل منتج ومصدر رئيسي لها) يصبح بحوزتهم مزيج من حمولات السلاح والدقة له مفعول مدمر على القوات البرية العربية، وإذا كان على القوات الجوية العربية ان تتدخل في القتال لحماية القوات البرية فيعتقد ان الاسرائيليين سيسقطون 30 طائرة عربية مقابل كل طائرة يخسرونها (وفي لبنان عام 1982 كانت النسبة 80 إلى صفر ضد سوريا)، ومع ان الفرق المدرعة الأحد عشر في الجيش الاسرائيلي ستكون أقل عدداً مقابل العرب، فإن ارتال المدرعات الاسرائيلية مدربة بحيث تتحرك بشكل أسرع بقدر لا يستهان به من المدرعات المعادية، وبحيث تفوقها في القدرة على المناورة إذا كانت تضاريس ميدان المعركة تسمح بذلك، هذا فيما رماية مدفعية المدرعات الاسرائيلية وهي 100 في المئة نتاج مدربات من النساء، يعتقد بأنها متفوقة على رماية المدرعات العربية. وعلى صعيد آخر، لن تكون لدى الاسرائيليين طريقة موثوقة لمنع حزب الله من اطلاق صواريخه التي زوده بها الايرانيون على قرى شمال اسرائيل ومدنه، ومع ان هذه الصواريخ تفتقر للدقة عموماً، فإنها ستظل قادرة على احداث اضرار لاسرائيل، كما ان لدى سوريا مئات من الصواريخ، وبعضها مزود برؤوس كيماوية، لكن بخلاف حزب الله فإن على سوريا ان تحسب حساب الهجمات الانتقامية الاسرائيلية. ولا يحتمل لأي قوة جوية عربية ان تمثل تهديداً على المدن الاسرائيلية، كما ان العراق إذا قرر ان يستخدم ما تبقى لديه من صواريخ باليستية، فإنها لن تتسبب بأضرار كبيرة لهذه المدن، ففي عام 1991 تمكن 50 صاروخ سكود اطلقها العراق على اسرائيل من اخافة الكثيرين، إلا انها لم تقتل أحداً تقريباً، وحتى لو كانت الصواريخ العراقية تحمل غاز الأعصاب أو الجمرة الخبيثة فإنها من غيرالمحتمل ان تقتل الكثيرين، إذ ان الخطر النظري للأسلحة الجرثومية مثل «في اكس» حيث يمكن لقطرة صغيرة منه ان تقتل، أو حتى الجمرة الخبيثة تضعف جداً نتيجة آليات النشر وتخفيف التركيز، ويجب على الرأس الحربي للصاروخ ان ينفتح لاطلاق حمولته فوق حشود البشر ليقتل الكثيرين منهم، وهذه تقنية متطورة جداً، ليس بمقدور العراق امتلاكها. غير ان انتصاراً مدوياً تحققه اسرائيل سيظل، بالطبع، انتصاراً كارثياً عليها حيث ان كلفته ستكون باهظة مادياً وبشرياً، ولن يحقق لها أي مكاسب لم تتمكن من تحقيقها قبل التصعيد الحالي، وبصفة خاصة الأمان ضد هجوم عربي، وأي نتيجة تسفر عنها هذه الحرب أياً كانت ستكون ضد مصالح الغرب عموماً وأمريكا خصوصاً، صحيح ان أحداً لا يفكر في هزيمة اسرائيلية، حيث تبدو فرضية غير محتملة على الاطلاق، لكن إذا خرج الزعماء العرب بهزيمة اخرى فإن النتيجة الأكثر احتمالاً لذلك هي ان المتشددين سيحصلون على أول فرصة سانحة حقيقية لتسلم السلطة، وبالتالي فإن المتغيرات الأخيرة قد فجرت أزمة تورط فيها الجميع، حتى الاسرائيليين، وهذا ما يدفع الجميع للاعتقاد ان اغتياله قد يؤذن بأكثر الحروب تدميراً حتى الآن في الشرق الأوسط. عن «تايم»