تفور الساحة السياسية في اسرائيل وتمور بالعديد من الموضوعات التي تضيف الى أزمتها السياسية والعسكرية المتأصلة أصلاً. فمن الجانب العسكري لا تخلو صحيفة من الصحف من مقال يتناول الأوضاع المزرية للقوات الاسرائيلية التي توغلت في المدن الفلسطينية، والمشكلة العويصة التي ستواجهها اسرائيل حال انسحابها من المدن التي أعادت احتلالها.ومن الناحية السياسية تناولت الصحف الاسرائيلية التعديل الوزاري الذي أجراه ارييل شارون والذي يؤكد عزمه التخلص من حليفه حزب العمل الذي صعّد من انتقاداته للعدوان على الأراضي الفلسطينية. فعلى صعيد الحملة العسكرية وتداعياتها الداخلية والخارجية كتب بوعاز غاؤون مقالاً بعنوان «رام الله ليست كابول» نشرته صحيفة معاريف يوم أمس قال فيه: ثمة فروق جوهرية بين الحرب الاسرائيلية ـ الفلسطينية وبين الحرب الامريكية ـ الافغانية: في الولايات المتحدة استمر الارهاب ليوم واحد في سبتمبر، أما في اسرائيل فالعمليات الارهابية تتواصل منذ ثمانية أعوام، والولايات المتحدة لم تحتل افغانستان أبدا ـ أما اسرائيل فتحتل المناطق الفلسطينية منذ خمسة وثلاثين عاما. وثمة وجه شبه واضح بين الحربين: في الحالتين يتحرك الانتحاريون بدوافع ايديولوجية اسلامية متطرفة، فيما بدا بوش وشارون يتعثران في الاستطلاعات الى ان قررا الخروج الى الحرب. والى جانب هذه فان هناك فوارق اكثر موضوعية. فالاستعداد لحرب بوش ضد الارهاب استمرت بين الحادي عشر من سبتمبر حتى السابع من اكتوبر. وقد تضمنت هذه اعدادا دبلوماسيا شاملا لتجنيد العالم العربي الى الحرب ضد ارهاب بن لادن. وقد اصطف خلف بوش ما مجموعه 136 دولة، حتى قبل ان يسقط اول صاروخ توما هوك على كابول. ومختلفا عن ذلك، استغرق الاعداد السياسي لحرب شارون نحو ساعتين، بما في ذلك الجدال مع شيمون بيريز ومتان فلنائي. والأمير السعودي عبد الله، الذي قدم لشارون مشروع سلام عربي عمومي، بقي في الخلف، تعبق في أنفه رائحة دخان الدبابات التي خلفتها دبابات الجيش الاسرائيلي. وبينما أديرت حرب بوش باسناد العالم العربي، فان حرب شارون لم تحظ بذلك. كما ان بوش حرص على ان يشعر العالم العربي بأنه الملك، فيما حرص شارون على ان يشعر العالم العربي بأنه أحمق.قبل الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، لم يكن بوش يعرف من هو اسامة بن لادن. ومختلفا عن ذلك، فان شارون يكره عرفات منذ اكثر من عشرين سنة. وقائمة الحسابات الشخصية لشارون مع عرفات أطول من ذقن بن لادن. ان الجيش الاسرائيلي ليس تحالف الشمال. لقد كان لبوش طوابير عطشى للحرب، ذوو صيت أسود من الأيادي الملطخة بالدماء، ممن انقضوا على فرصة الانتقام لموت زعيمهم، أحمد شاه مسعود وعقدوا تحالفا مع الولايات المتحدة. وكان بوسع الولايات المتحدة ان تواصل الادعاء بأنها «أمة رحيمة»، (أقوال بوش) والسماح لأحد ما بالاتساخ. وخلافا لذلك، فان الدم الذي سفك في حرب شارون هو دمنا. والدم الذي نسفكه لا يلطخ الا أيادينا. في المئة يوم الاولى من حرب بوش ضد الارهاب، دفع الى افغانستان 187 مليون دولار، اضافة الى صندوق خاص بمبلغ 1.5 مليون دولار لاطفال افغانستان، والهدف هو التبديد قدر الامكان لكراهية الافغان للولايات المتحدة، وتركيز الحرب ضد طالبان والقاعدة، منعا لعمليات انتحارية مستقبلية من انتاج افغانستان. أما الفلسطينيون فلم يتلقوا من شارون الا صحنا واحدا من الحمص أرسل الى الرئيس. وبالتدريج مع ضرب افغانستان، نشرت الولايات المتحدة خطتها لليوم التالي للحرب. «سنكون معكم في الساعات العسيرة ايضا»، قال كولن باول لرئيس الوزراء المرشح، أحمد قرضاي، «نحن ملتزمون بعمل كل شيء لانماء افغانستان جديدة». وبعد حرب بوش كان الافغان يكرهون الولايات المتحدة بقدر أقل والطالبان بقدر أكبر. وخلافا لذلك، فانه في ذروة حرب شارون صار الفلسطينيون يحبون حماس بقدر أكبر، واسرائيل باتوا يكرهونها بقدر أكبر بكثير. ان المسافة بين واشنطن وكابول هي 161.11 كيلومتراً، أما المسافة بين القدس ورام الله فهي 16 كيلومتراً. وفي مقال له بعنوان «انفعال على نمط تكساس» نشرته صحيفة «معاريف» أمس تناول الكاتب جيمي شلينف استخفاف ارييل شارون بالرئيس الأمريكي بوش قال فيه: التكساسيون، مثلما يعرف كل خبير في الشئون الامريكية، هم صنف فريد من نوعه. كتب الكاتب الامريكي ثاقب البصيره، ادوارد هوجلاند، ذات مرة، ان الكثير من السكان الاصليين في العالم مقتنعون بانهم «الشعب المختار» ولكن سكان تكساس اكثر حزما في ذلك من غيرهم. التكساسيون معروفون بابتزازهم وحين يصدرون امرا يتوقعون تنفيذه و«بلا تأخير». يبدو ان رئيس الحكومة ارييل شارون لم يأخذ هذا الامر بعين الاعتبار حين قرر «الاستخفاف بالرئيس الامريكي جورج بوش لايام طويلة. ربما اعتقد شارون مثلما، اعتقدت خطأ اوساط كثيرة، ان بوش فقط يلعب لعبة «كما لو». والان اتضح وان كان في وقت متأخر، ان بوش يستشيط غضبا وشارون يبحث الان عن مخرج. الورطة هي جدية، ذلك لان الجيش دخل الى مدن الضفة الغربية بيد عالية وذراع ممدودة، ولكن مع تفكير قليل فقط بكيفية الخروج، والخيار، بهذا القدر او ذاك، هو بين الطاعون والكوليرا والجرب. اذا بقي الجيش الاسرائيلي مكانه ستعلق اسرائيل في مواجهة غير مسبوقة مع واشنطن تحديدا، في لحظة الحاجة، في الوقت الذي تهدد فيه الجبهة الثانية من الشمال. واذا انسحب الجيش، مثلما بدا امس، فانه سيترك خلفه فراغ سلطوي، فوضى، وسكان بلا قيود وهستيريا للانتقام. والامكانية الثالثة هي دخول قوات دولية، وهو الامر الذي لا تريده اسرائيل، واعدادها يحتاج الى وقت طويل غير متوفر اصلا. والآن يتحتم على شارون ان يلقي لبوش عظمة من اجل ان ينقذ نفسه من ازمة اقتصادية، سياسية وأمنية خطيرة جدا. ان ظهور تصدعات اولية بين الحليفتين ادى الى زيادة الانتقادات العالمية ضد اسرائيل، التي بدأ اعداؤها والحاقدون عليها يشتمون رائحة الدم. ورغم التصريحات الفارغة التي يطلقها السياسيون عديمو الفهم او عديمو المسئولية او كلاهما معا، فان اسرائيل لا تستطيع ان تسمح لنفسها باحداث تصدع كبير في العلاقات مع الادارة الامريكية: ان «السور الواقي» الحقيقي والاستراتيجي لاسرائيل لا يكمن في القصبة في نابلس بل في اروقة الادارة الامريكية والكونجرس في واشنطن. لقد ارتكب شارون والجيش اخطاء فتاكة حين قلصا الى حد كبير الوقت المتوفر لاسرائيل في حربها ضد الارهاب حيث اصبح الامر بمثابة «أمسكتَ ولم تمسك». في الحالتين يدور الحديث عن حصار غير ذكي على رمزين: على ياسر عرفات في رام الله وعلى كنيست المهد في بيت لحم. هذان يعتبران ضربة قاضية ذاتية، وقبل كل شيء اعلامية ثم سياسية، ونتيجة لذلك، وفي النهاية، امنية ايضا. والخوف الان هو ان المشاكل في سمعة اسرائيل اليوم هي لا شيء مقابل الضائقة الاعلامية في الغد حين تبدأ صور التلفزيون توثق الدمار والخراب الذي بقي بعد المعارك الطاحنة في مخيم جنين والقصبة في نابلس. من الممكن بالتأكيد تصديق ان حرب اسرائيل ضد ارهاب الانتحاريين الفلسطينيين هو، كما قال رئيس الحكومة، من اكثر الحروب عدالة في تاريخ الدولة ولكن، العدالة، حتى في الحرب ليست شرطا كافيا بل يحتاج الامر الى حكمة تعاني من نقص معين في الايام الاخيرة. في تاريخنا كان رئيس الحكومة، بن جوريون، هو الذي أعلن عن «مملكة اسرائيل الثالثة» وخلال ساعات تراجع امام ضغط رئاسي شديد. في ظهر امس اعلن شارون، بشك من على منصة الكنيست انه لن يتزحزح ـ ولكنه بدا امس كمن بدأ يعدل الاتجاه واستسلم لاملاءات الواقع، مع الامل بان لا يدور الحديث عن قليل جدا ومتأخر جدا. ولكن الان لديه مشكلة جديدة: هيا اشرح حقائق الحياة ايضا للشريك الجديد من اليمين آفي ايتام. اسرائيل اكبر بكثير مما قد يسببه 200 فلسطيني لجأوا الى كنيسة المهد في بيت لحم. دولة اسرائيل ورئيس حكومتها بحاجة الآن، اكثر من أي وقت مضى، الى صورة معتدلة في العالم. لذلك ترك شارون الوزراء المعتدلين ـ خاصة مريدور وفلنائي ـ لهزمه مرتين في النقاش في المجلس الوزاري حول الرد العسكري لعملية حزب الله في الشمال. تحمس شارون وطلب عملية ضد السوريين ولكن حماسه فتر بسرعة بالغة. وحسب ما يتصرف حزب الله الآن فان العملية العسكرية ستأتي في نهاية الامر، في كل الاحوال.وكذا الامر بالنسبة لرده على الضغط الامريكي الشديد بالبدء بالانسحاب من مدن الضفة الغربية والتخفيف عن عرفات: في خطابه رفض الضغط لكنه في المقابل بحث عن وسيلة لسحب الجيش من طولكرم وقلقيلية. في خطابه في الكنيست تبنى، ظاهريا، المبادرة السعودية. ودعا، ظاهريا، الى عقد مؤتمر دولي على غرار مدريد. هذه الاقوال لم تنبثق من نية حقيقية، بل من نصائح في مجال العلاقات العامة. حيث ان عملية الجيش ودخول المفدال حسّنا من وضع شارون في الليكود، والآن يتفرغ للبند الثاني في جدول أولوياته: العالم. وحول التعديل الوزاري الذي أجراه ارييل شارون وتم بموجبه تعيين ثلاثة وزراء جدد كتبت صحيفة «هآرتس» مقالاً تناول محاولة شارون تعزيز حكومته بعناصر يمينية ليضمن نفسه من تهديدات حزب العمل جاء فيه: جنود الجيش في جنين، وفي طولكرم، وفي بيت لحم، هؤلاء الذين تفرغوا امس لمتابعة ما يحدث في حكومتهم، أمسكوا بالمذياع قرب آذانهم ولم يصدقوا ما يسمعونه. حول ماذا يتحدثون هناك، في القدس؟ هل هم ونحن في نفس الدولة؟. لم يعرف شارون، ولم يعرف يهلوم انه سيدخل الحكومة حركة مفدال اخرى، برئاسة آفي ايتام. والذي فرض ايتام على المفدال كان العجوز مردخاي الياهو ومجموعة حاخامي «مركاز هراف»، مكانة الياهو في المفدال اليوم مثل مكانة الحاخام عوفاديا في شاس. وآرائه، فليرحمنا الله، مثل آراء كهانا. صافح شارون امس الوزير الطازج، بشجاعة ولكن تعابير القلق ارتسمت على وجهه، ليس لهذا المنقذ صلّى. لقد أفردت وسائل الاعلام في كل العالم امس سطوراً كثيرة للاقتباسات من الاقوال الحماسية التي قالها ايتام خلال السنوات الماضية. وكانت الرسالة: هذا هو الوجه الحقيقي لحكومة شارون. ان دخول ايتام للحكومة (زائد اسحق ودافيد ليفي) أحرج السياسيين في حزب العمل الذين فكروا بالانسحاب. هذا يحدث لهم كثيرا. الروح العامة كانت الانسحاب. مجبرون على الانسحاب، ولكن ليس الآن، الآن حرب. بعضهم قال بعد شهر والبعض الآخر بعد سنة. كل واحد حسب تقديراته في الانتخابات الداخلية (داليا ايتسيك، مثلا، قالت «بعد شهرين»، ومنذ اشهر وهي تقول «بعد شهرين»). الجندي الشجاع شوفيك، بطل القصة الهزلية للكاتب هاشك حول الحرب العالمية الاولى، كان يحدد كل لقاءاته في الساعة «السادسة بعد الحرب»، وبالمقارنة مع قادة حزب العمل كان اكثر نشاطا. وضعهم بائس: حين يكون هناك حرب، يحظر عليهم الانسحاب. وحين لا يكون هناك حرب لا يتوفر لهم سبب للانسحاب. مع ذلك يعرفون انه اذا لم ينسحبوا في وقت ما، فانهم يحكمون على انفسهم بالموت. بالنسبة لشارون، أراد التنكيل بالعمل، انه لا يريد ان يلقيه الى الخارج، حيث يعلم انه بدونه ستكون حياة صعبة جدا: الحملة الدولية الحقيرة، الآثمة التي تصفه كالمتوحش، كمجرم الحرب، ستزداد الى حد كبير مع انسحابه وسيعتمد على ما يقوله رجل بمكانة عالمية مثل شيمون بيريز عنه في مقاعد المعارضة على مظاهرات معارضي اليمين الذين سيتعاظمون الى درجة كبيرة. ان عزلة اسرائيل في العالم ليست أمرا ثانويا. انها ستتطور الى عقوبات الاتحاد الاوروبي التي ستلحق أضرارا جسيمة في الاقتصاد والدولة.