على امتداد ما يزيد على نصف قرن من الزمان، كان الشرق الاوسط، جنباً الى جنب مع اوروبا وآسيا، يشكل احدى المناطق الثلاث الاكثر اهمية على الصعيد الاستراتيجي، بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة. ومن شأن سيطرة قوة معادية على اي من هذه المناطق الثلاث او اندلاع صراع كبير فيها ان يفرض تحدياً قوياً لقدرة امريكا على الحفاظ على توازن عالمي يعتمد عليه الاستقرار الدولي. وقد خطت امريكا خطواتها الأولى الى الشرق الاوسط مع تراجع الهيمنة الكولونيالية البريطانية والفرنسية عنه، وتدريجياً اصبحت واشنطن الضامن الرئيسي للسلام في المنطقة وكذلك للوصول الثابت للموارد النفطية في المنطقة. وفي السنوات الاخيرة جرى التأكيد على محورية ذلك الدور من خلال التحرك العسكري الامريكي ضد العراق في حرب الخليج الثانية. ومن الجلي ان الوصول الى تسوية سلمية نهائية بين اسرائيل والفلسطينيين سيكون افضل من اي وضع اخر. ولكن من المنظور الامريكي فإن حتى عدم نشوب حرب سيكون امراً يمكن احتماله طالما ان الموقف يتسم بالثبات. وتشكل الازمة الاخيرة تهديداً خطيراً للمصالح الامريكية، وهو تهديد يمكن للمرء في مواجهته ان يظل يجادل للأبد حول ما اذا كان ياسر عرفات او ارييل شارون هو الذي يقع على كاهله القسط الاكبر من المسئولية عن اندلاعه. غير ان ما هو واضح وجلي يتمثل في انهما لا يستطيعان معاً اقرار السلام، ولا يمكن لأيهما ان يفرض صياغته الخاصة للسلام على الاخر. وفي نهاية المطاف فإن اليهود الاسرائيليين البالغ عددهم 4.8 ملايين نسمة لا يمكنهم مواصلة اخضاع 4.5 ملايين فلسطيني (1.2 مليون منهم هم مواطنون من الدرجة الثانية في اسرائيل»، بينما يتعرض للخطر وديمقراطية اسرائيل وشعورها الاخلاقي باحترام الذات من خلال قيامها بمواصلة اداء هذا العمل. والفلسطينيون لا يحظون بالقوة ولا بالدعم الدولي لالقاء الاسرائيليين في البحر، بينما تكتيكاتهم «الانتحارية» لا سبيل الى الدفاع عنها.والحنق الاسرائيلي حيال عمليات «التفجيرات الانتحارية» امر باد للعيان، ومن شأن اي حكومة اسرائيلية ان تضطر للتحرك في مواجهة مثل هذه العمليات. ولكن من المهم ملاحظة ان التنكيل الذي عمد اليه شارون على امتداد العام الماضي قد تركز الى حد كبير على تقويض السلطة الفلسطينية القائمة حالياً، وذلك على نحو يتفق مع معارضته التي استمرت عقداً من الزمان مع عملية سلام اوسلو ودفعه قدماً للمستوطنات الكولونيالية في الضفة الغربية وغزة. ومع تعرض السلطة الفلسطينية للتمزق، فإن الفلسطينيين يحتمل ان ينزلقوا الى حالة من الفوضى، مع ميل قيادتهم باتجاه عناصر اكثر تطرفاً تعمل تحت الارض. وفي اسرائيل، وبصفة خاصة في صفوف تكتل الليكود فإن المزيد من الاصوات يحتمل ان ترتفع داعية الى طرد الفلسطينيين من الاراضي المحتلة، وسيثور الحنق العربي ازاء انحياز امريكا الجلي، الامر الذي يعرض لمزيد من الخطر الانظمة التي ينظر اليها على انها صديقة للولايات المتحدة. في ظل هذه الظروف، لا يمكن لأمريكا تجاهل الرأي العام العالمي، فهناك على وجه التقريب اجماع عالمي على ان سياسة الولايات المتحدة قد اصبحت سياسة احادية الجانب وتعكس ازدواجية على الصعيد الاخلاقي، مع عمليات ابداء واضحة للتعاطف مع الرؤية الاسرائيلية لمفهوم العنف الارهاي ولا مبالاة نسبية للضحايا من المدنيين الفلسطينيين (وهم اكثر عدداً على نحو فائق) وتتعرض للخطر القدرة على الحفاظ على التأييد الدولي للحرب على الارهابي، وبصفة خاصة الخطط الموضوعة للتعامل مع الرئيس العراقي. من هنا فإن الاستجابة الامريكية يتعين ان تستمد إلهامها من الوعي الاستراتيجي بكل المصالح المعنية في هذا السياق وبمطالب كل طرف. وقد اصبح المسار الذي تم اتباعه مؤخرا بما يتسم به من تشديد اجرائي بالغ على وقف اطلاق النار وعمليات بناء الثقة في انتظار قيام الاطراف المعنية بالاتفاق فيما بينها بمبادرة منها ـ اصبح وصفة للتسويف. من الجلي الان على نحو مؤلم ان الفلسطينيين والاسرائيليين. اذا تركوا لانفسهم فإنهم يمكنهم ان يشعلوا نار الحرب، فتشكك كل جانب في دوافع الاخر والحقد المتبادل بينهما هما اعظم من ان يسمحا بالتوصل الى الحل الوسط الذي تمس الحاجة اليه. وفضلاً عن ذلك، فإن كل جانب لديه اجنحة في السلطة اكثر تطرفاً من القيادة الحالية، حيث يتأهب بنيامين نتانياهو لتحدي ارييل شارون، بينما يمكن لشخصية اسلامية متشددة مجهولة ان تحل محل عرفات اذا لقي حتفه في غمار الهجوم الاسرائيلي الحالي. وبيان الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش حول هذه الازمة الذي القاه يوم الخميس الماضي خطا خطوة مهمة نحو التخلص من موقف الادارة الامريكية الملتبس والذي بدا مؤخراً بعيداً عن التماسك، ولكن هذا البيان يتعثر فيما يتعلق بثلاث نقاط: ـ اولاً: باشارة الرئيس بوش الى ان الاتفاق على وقف اطلاق النار الذي احبطه التفجير الذي حدث في 27 مارس فإنه يجعل عملية السلام مجدداً رهينة لأي عمل ارهابي مستقبلي. وسيبدو موقف اسرائيل مبرراً في الرد على اي عمل فلسطيني من اعمال العنف، ولكن الردود الانتقامية ينبغي ان توجه ضد المرتكبين الفعليين للعنف وليس عبر تدمير البنية السياسية الفلسطينية. ـ ثانياً: ان الادانة الشخصية ذات الطابع الشخصي البارز من جانب الرئيس بوش لياسر عرفات تعني ان على الفلسطينيين ان يختاروا قائدهم وفقاً للتفضيلات الامريكية أو حتى التفضيلات الاسرائيلية. ـ ثالثاً: كان ينبغي ان يوضح بيان الرئيس بوش ان مهمة وزير الخارجية الامريكي كولن باول في الشرق الاوسط هي اعادة البدء في عملية تركز بشكل اكبر على الاجراءات بما يتجاوز تركيزها على المحتوى او المضمون. وينبغي على الوزير باول ان يسعى للحصول على بيان عربي يدين بصورة مطلقة الهجمات «الانتحارية» حتى وان احتفظ بحق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال والمستوطنات، وبمقدور ياسر عرفات ان يصدر مثل هذا البيان من دون ان يبدو بمظهر من ينحني لما يمليه عليه الامريكيون والاسرائيليون. ويتعين على الولايات المتحدة كذلك ان تدفع قدماً بخطة محددة لاقرار السلام، على ان تنطلق هذه الخطة من قرارات الامم المتحدة والمفاوضات التي سبق اجراؤها للتوصل الى تسوية سلمية في طابا بمصر في يناير عام 2001 واقتراح تطبيع العلاقات بين اسرائيل والدول العربية، والذي طرح بالفعل في اطار المبادرة العربية الاخيرة في بيروت. ويتعين على الولايات المتحدة كذلك ان تشير الى استعدادها لنشر قوة حفظ سلام بموافقة كل من اسرائيل والفلسطينيين لضمان أمن الطرفين، ويمكن لحلف الناتو كذلك الاسهام في مثل عملية النشر هذه، في ضوء اهتمام اوروبا باحتواء ازمة الشرق الاوسط. وينبغي على المرء الا يساوره وهم ان مثل هذه المبادرة من شأنها ان تحظى بالموافقة الفورية من جانب أي من الطرفين، ولكن على المرء الا يقلل من اهمية ما تحظى به الولايات المتحدة من تقدير او الدرجة التي يمضي اليها الطرفان كلاهما في التلهف على الوصول الى مخرج من الازمة. وتقتضي مصلحتنا القومية والتزاماتنا الاخلاقية ألا نقوم بأقل من هذا. عن نيويورك « تايمز »