تصاعدت ألسنة الدخان، وعلت فوق المقر الرئيسي للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، واتجهت بفعل الرياح لتغطي مئذنتين بالقرب من المقر، ثم اخذت في تلويث صفحة السماء بطبقة سوداء، ملأت الافق جنوب مدينة رام الله. وقال أحد رجال قوات المظلات الاسرائيلية والامتعاض يكسو ملامحه: «اعتقد انه نسف نفسه، لقد انتهى ذلك الدجل!» كنا نقف عند حافة مستوطنة يهودية لا تبعد إلا 400 ياردة فقط عن المنازل الواقعة على مشارف المدينة الفلسطينية التي اعيد احتلالها مجدداً، محاطين بدبابات «ميركافا» وعربات «ماجا» المدرعة وسيارات جيب وشاحنات ومئات من جنود الاحتياط الاسرائيليين يقومون بسحب البطاطين والفرشات التي كانت تنقلها الشاحنات. وقال جندي المظلات نفسه: «هذه هي البداية فحسب، اتعرف ذلك؟ انهم حمقى اولئك الذين يتحصنون هناك عليهم ان يعرفوا ان الارهاب الذي يقومون به قد انتهى. نحن لن نعود الى حدود عام 1967. على اي حال انهم يريدون تل ابيب». وسُمع بعد ذلك دوي هادر صك مسامعنا، فقد انفجرت قنبلة على الجانب الاخر من التل الذي تقع عليه رام الله. ثم مضيت متجولاً، مقترباً من حدود المدينة مشيت بين ثنايا حديقة تحتوي على زهور من النرجس البري والارجوان، حتى وصلت الى مكان يقبع فيه جندي اسرائيلي في مقتبل العمر. قال لي بشكل واضح وصريح: «اريد العودة الى داري»، وكان جوابه هو ان فتى في العشرين من عمره يعتبر صغيراً جداً على صرامة الجندية. ورد قائلاً «هذا هو ما تقوله امي». كان الجندي الصغير يأكل قطعة من الخبز مع بعض السجق، وينظر الى شوارع رام الله، التي كانت قد خلت تماماً من المارة. وقال: «لقد دخلوا منازلهم واحتموا بها. هل تلومهم على ذلك؟». لم اوجه اللوم لأحد، لقد كان ذلك اليوم من الايام التي يبدو غريباً ان استهلها بالجلوس مع الجنود عند مشارف رام الله. فقد ذكرني هذا الموقف بالاجتماعات الكئيبة التي كان ينظمها الجنرالات لضيوفهم اثناء الحروب التي كانت تشن في عهد نابليون، حتى كان يتم تقديم الطعام لهؤلاء الضيوف، وهم يشاهدون ما يجري على ارض المعركة. كان هناك زوج وزوجة من المستوطنين يقدمان بسعادة وعن طيب خاطر الطعام والقهوة الساخنين لجنود الاحتياط الاسرائيليين، وقدمت لي المرأة صحناً مليئاً بالخضر وقطعة من الجبن. وقالت لي مبتسمة: «ابنتي تدرس في جامعة كامبردج، تاريخ الحملات الصليبية». وكان تعليقي أنه امر فظيع ان تقوم بدراسة مثل هذا الموضوع، وشاطرني الرأي زوجها، بينما كان المرح يعلو محياه فالحروب الدينية هي الاكثر دموية من بين كل الحروب. حدث ذلك عندما شاهدت اربعة فلسطينيين بجانب حديقة النرجس البري، ثلاثة منهم كانوا جاثين على نجيل الحديقة امام مجموعة من الضباط الاسرائيليين، معصوبي الاعين وايديهم خلف ظهورهم مكبلة بأغلال حديدية، بينما كان معطف احدهم مشدوداً الى الوراء باتجاه ظهره حتى لا يمكنه حتى تحريك كتفيه. وكان الضباط الاسرائيليون يستجوبونهم. ثم بعد ذلك شاهدت الفلسطيني الرابع، الذي كان يبدو في منتصف العمر، وكان مقيداً بالكامل وجسده ممداً على النجيل، معصوب العينين ووجهه مدفون بين مجموعة من الزهور لا يظهر للمحيطين به. صاح جندي المظلات قائلاً: كلهم يقولون انهم لم يفعلوا شيئاً، وانهم ابرياء، واننا ذهبنا لمنازلهم واخذناهم بلا اي سبب. حسناً، هذا ما يقولونه». رويت قصة هؤلاء الجنود الاربعة للزوج والزوجة اللذين كانا يقدمان لنا الطعام. فهزا رأسيهما، كأن الامر يبدو لهما طبيعياً وعندما سألت الجندي الفتى عن هؤلاء الفلسطينيين، هز كتفيه مستهجناً السؤال، مثل جندي المظلات، وقال: «انهم ليسوا اسرى في قبضتي». مشيت بعد ذلك منعطفاً حول ركن مبنى يقع بالقرب من المكان الذي كان يتم فيه استجواب الفلسطينيين الاربعة. وكان احد الجنود الاسرائيليين يضيف قيوداً جديدة الى ما اثقل به احد الرجال الجاثين امامه. وكان هناك فلسطيني اخر منحني الرأس امام احد الابواب، وكانت كتفاه تهتزان، وبدا كأنه كان يبكي. ولكن لم يقلق هذا الامر اياً من الجنود. ففي غمار «حربهم» الفريدة «ضد الارهاب» ينظر الى هؤلاء المعتقلين على انهم «ارهابيون» فيقول أحد الجنود اثناء تناوله الطعام انه يعتقد ان «هؤلاء الناس الذين يعيشون هناك ارهابيون». ومرت أمامنا دبابة «ميركافا» وشقت طريقها عبر التل محدثة طبقة ضبابية من الدخان. وحينذاك قال جندي المظلات: «غدا ستكون الاحوال اسوأ. فهذه ليست الا البداية». ترى هل قال ذلك مستندا الى قراءة الصحف ام انه عرف شيئا لم استطع انا معرفته؟ هناك في مستوطنة بساجوت تنتشر جميع انواع الشائعات، فهناك من يقول انه سيعاد احتلال الضفة الغربية بالكامل مرة اخرى، وان الاسرائيليين يعتزمون اعادة تشكيل ما يطلق عليه الفلسطينيون «ادارتهم المدنية»، وهناك من يقول انه سيتم تفكيك السلطة الفلسطينية ونفي قياداتها. ورأى جندي اخر من جنود المظلات الاسرائيليين، وهو برتبة سرجنت ضخم الجثة حتى انني ظهرت والجندي الاخر سابق الذكر قزمين بالنسبة له، ان تلك تعد افكارا جيدة، وقال: «سؤالي الوحيد هو: لماذا لم نقم بهذا الامر منذ اسابيع مضت؟» ووصل المزيد من القوات على متن ناقلات الجنود، متقلدين بنادق من طراز «الجليل». وأخذ الاسرائيليون يقيمون أكواخ الاتصالات والمراقبة، ومضت المدرعات في التمركز حول رام الله. وتساءل أحد الضباط ما الذي يمكن ان يحدث اذا فشلت هذه العملية العسكرية التي تقوم بها اسرائيل حاليا. وقام الضابط نفسه بالاجابة على السؤال الذي طرحه قائلا: «سوف ينتهي شارون.. نعم، لا يمكنك الا الشعور بأن شيئا ما يبدو مقبلا في الافق». في طريق عودتنا الى القدس، مررت بحافلة ركاب وقد علا الصدأ جوانبها عند مستوطنة معاليه ادوميم، وكانت نوافذ الحافلة مغطاة بالقضبان وكانت هناك أياد ممسكة بتلك الاسلاك، وخلف تلك الايدي برز 20 وجها أو 30 وجها تطلع فيها العيون عبر القضبان انهم معتقلون فلسطينيون عمهم الصمت، ومضوا ينظرون بحسرة الى المستوطنة اليهودية الكبيرة التي أمامهم، ويحدقون في وجوهنا وقد غطى اللون الاسود وجوههم بفعل منطقة الظل التي كانوا بها، بينما كانت تحدق بهم سيارة جيب مليئة بالقوات الاسرائيلية. بعد دقائق قليلة، توقفت لشراء خبز وشيكولاتة من متجر فلسطيني في القدس الشرقية وكانت هناك في المتجر مجموعة من الرجال وامرأتان يجلسون جميعا امام جهاز تلفزيون وفي أيديهم حقائب بلاستيكية بها طعام. والتلفزيون الاسرائيلي لا يكف عن ايراد الارقام حول ما تتكبده اسرائيل من خسائر. وسمعت احد المعلقين يقول في التلفزيون: «يبدو ان عدد الضحايا ارتفع الى 14 قتيلا» والفلسطينيون الذين يعيشون في القدس يفهموم اللغة العبرية. وحينذاك كانت هناك مروحية تصور سقف احد المطاعم في حيفا تم تدميره على يد احد رجال «حماس». وهز احد الفتيان رأسه، ولكن توجه اليه رجل كبير في السن وقال له بينما كان يشير الى شاشة التلفزيون: «لا.. تلك هي الطريقة التي تنجز بها الامور». فكرت بعد ذلك في الفتاة التي تدرس في جامعة كامبردج الحروب الصليبية وكيف اننا أجمعنا على ان هذه الحروب كانت أمرا دمويا. وكيف ان الحروب التي تنتمي الى هذا النوع تبدو الاكثر دموية من بين كل الحروب. عن «اندبندنت»