من المقدر للقوة والخبرة الامريكيتين ان تحققا التفوق في كل مواجهة عسكرية في افغانستان، الا ان الانتصارات التي يتم تحقيقها لن يكون لها سوى القليل من الأهمية، إن لم تتبع بجهد ناجح لبناء الدولة. وهذا من دون ريب، سيكون عملا طويلا ومكلفا وصعبا، لكن بالنظر الى المجازفات القائمة في افغانستان يتوجب علينا النجاح في هذه المهمة الكبيرة والا فسنواجه ما يمكن ان يكون فشلا جذريا، مهما كان التوفيق الذي يواكب الحملة العسكرية. ومن غير المفاجئ لنا ان يكون البنتاجون قلقا ازاء دعم مثل هذه المحاولة. فحفظ السلام، وهو الاجراء الضروري للشروع في بناء ناجح للدولة، ليس مهمة عسكرية تقليدية. وحينما تأخذ عملية حفظ السلام لتصبح اشبه بعمل الشرطة، فانها تصبح شيئا مكروها بصورة اكبر، غير ان عمل الشرطة لم يكن هو ما تقوم به القوات الامريكية في كوسوفو والبوسنة. فقد كان دور الناتو هو توفير الاستقرار الامني بحيث يمكن لهذه المناطق التي أحرقتها الحرب ان تعود لتشهد الاستقرار السياسي والانتعاش الاقتصادي قبل ان نسحب قواتنا أو نقلص اعدادها. وهذا هو على وجه الدقة ما حدث في البوسنة. فبعد قصف صرب البوسنة واجبار اطراف الحرب على توقيع تسوية سلمية في دايتون بولاية أوهايو الامريكية في نوفمبر 1995، ارسلت ادارة الرئيس كلينتون 20 الف جندي أمريكي الى البوسنة، من أصل 60 الف جندي بقيادة الناتو دخلوا البوسنة. وتمكنت هذه القوة من تغيير الحقائق على الارض مباشرة. اذ فيما قتل او جرح اكثر من الف من رجال قوة حفظ السلام الدولية طوال اربع سنوات من المواجهات الدموية، لم تقع ـ وأكرر لم تقع ـ اي خسائر بشرية أمريكية أو اطلسية نتيجة اعمال قتالية طوال السنوات الست التالية وحتى الآن. وهذا لأن الناتو ذهب الى هناك «ثقيلا»: لقد اعطته اتفاقية دايتون صلاحية المبادرة باطلاق النار ثم التحقيق لاحقا. وهكذا انتهت الحرب، ولن تستأنف. ومع توفير الغطاء الأمني، انيطت بهيكلية مدنية دولية مستقلة ـ وليس بالعسكر ـ مهمة بناء الدولة. وعلى الرغم من مواجهة عدة مشكلات، لكن في رأيي، كان المجتمع الدولي سلبيا جدا غالبا في فرض ارادته على الاعتراضات الشرسة التي صدرت عن القوميات الثلاث التي حاولت افشال بناء دولة وحيدة متعددة القوميات. لكن على الرغم من ان التقدم كان بطيئا، فقد كان ثابتاً مما سمح بانسحاب ثلاثة ارباع العدد الاصلي من القوات الاجنبية التي دخلت البوسنة، وكانت النسبة اكبر بين الامريكيين، الذين لا يشكلون الآن سوى 15 في المئة من القوات الدولية المتبقية التي تزيد قليلا الآن على 15 الف جندي. وعلى الرغم من هذا التقدم الواضح، فان هناك مسئولين كبارا داخل الادارة الامريكية الحالية ممن يصفون العمل الاطلسي في البوسنة وكوسوفو بأنه يمثل اخفاقين كبيرين. وإذا كان هذا اخفاقا وضع نهاية لحربين وانسحاب غالبية قوات حفظ السلام دون خسائر واحراز تقدم واضح (وان كان مؤلما) نحو الاستقرار ـ فلا يسعنا اذن الا ان نتمنى مواجهة مثل هذا «الاخفاق» في افغانستان، وفي الحقيقة فان ما آسف عليه ليس هو اننا قد قمنا بالكثير جدا بل اننا لم نقم سوى بالقليل جدا. هكذا، وفيما تواجه واشنطن تحديا في افغانستان، فان علينا ان نطرح السؤال التالي: ما هو الخطأ في عملية بناء الدولة؟ في مرحلة ما من الطريق بين فيتنام ـ التي اعتبرت في وقت من الاوقات بفخر المهمة الامريكية بامتياز بما في ذلك قواتها المسلحة ـ الى الصومال، أصبحت هذه العبارة، اي عبارة بناء الدولة التي كانت سابقا جزءا مهما في السياسة الامنية الوطنية الامريكية ـ اصبحت عبارة قذرة. ففي اواسط التسعينيات اصبح الجميع في واشنطن يدعي ان امريكا ليست مهتمة ببناء الدول، وهذا التحول لم يتسارع الا في غمار السجال الانتخابي الرئاسي الثاني عام 2000. وأخذت العبارات البديلة تستخدم، اذ يقول لك احدهم: انني اشارك في لجنة عمل غير حكومية تدرس «اعادة البناء فيما بعد الحرب». لكن مهما كان الذي نسميها به فانها تظل جزءا اساسيا من سياساتنا في البلقان وافغانستان ، وحينما نتحرك ضد الرئيس العراقي فانها ستكون عملا ضروريا في العراق. وعلى الرغم مما حدث في فيتنام والصومال، فان هناك امثلة مهمة على النجاح في عمليات بناء الدولة، أبرزها خلال الحرب الباردة في دول مثل اليونان واليابان وحتى كوريا. لم تكن هناك دول اكثر بؤسا من كوريا الجنوبية بعد حرب عام 1953. فمعدل دخل الفرد كان أقل من مئة دولار سنوياً وكان هناك ملايين من اللاجئين، فيما لم تعرف البلاد الصناعة، وكان الكوريون الجنوبيون يواجهون عدواً شيوعياً خطراً ومسلحاً بقوة. لكن لأن الولايات المتحدة قبلت الوفاء بالتزامها طويل الامد بتوفير الامن وقدمت برنامج معونات ضخماً، نهضت كوريا الجنوبية من الرماد لتصل الى مصاف ديمقراطيات العالم المستقرة والقوية اقتصادياً. مع ذلك لايزال لنا 40 الف جندي لحماية كوريا الجنوبية بعد 49 عاماً من انتهاء الحرب هناك. ولا نجد احداً يعترض على هذا الوجود العسكري باهظ التكلفة. ان كان من المصلحة الحيوية لأمننا القومي ان نبقى في كوريا الجنوبية، فلماذا تثير بعض عمليات الوجود العسكري الاقل نطاقاً بكثير في اوروبا مثل هذا الجدل؟ لماذا تبدي قيادة البنتاجون مثل هذه المعارضة لتوسيع عملية حفظ السلام الدولية والاسهام بها في افغانستان وهو الشيء الذي يحثنا عليه رئيس الحكومة الافغانية الانتقالية حامد قرضاي والامين العام للأمم المتحدة كوفي عنان والرئيس الباكستاني برويز مشرف وكبار مسئولي وزارة الخارجية؟ لقد اثبت تجاهل الولايات المتحدة لافغانستان بعد انسحاب القوات السوفييتية منها عام 1989 انه خطأ جسيم ومكلف قاد لاحداث 11 سبتمبر. لكن حينها لم يكن هناك من اشار الى وجود مجازفة استراتيجية بالتخلي عن افغانستان عام 1989. اما اليوم فلا مجال لمثل هذه الحسابات الخاطئة، فأفغانستان يمكن ان تكون مهمة لنا اليوم بالقدر الذي كانت عليه كوريا الجنوبية قبل نصف قرن. واذا ما حصرنا دورنا في الحملة العسكرية فلن يكون عملنا كافياً مهما كان نجاحه، فبعد ان ننتهي من تطهير الكهوف سيعود الارهابيون اليها لوضع خططهم ضد الغرب والرئيس مشرف الذي لا غنى لنا عنه. وفي غضون ذلك واذا ما استمر التحول الراهن فستعود افغانستان للوقوع من جديد بيد زعماء الحرب وتجار المخدرات (وهم عادة الاناس انفسهم). وايران وهي الجزء من «محور الشر» ستهيمن على غرب افغانستان. وباعتباري قد عملت في جهود دولية ناجحة وفاشلة لبناء الدول طول 40 عاماً مضت في ثلاث قارات، فانني لا اعاني من اي وهم بخصوص الصعوبة البالغة لمثل هذه المهمات في بلد بعيد ومتباين عرقياً، ويمثل لنا رهاباً تاريخياً مثل افغانستان. وانا لا أتحدث هنا عن ايجاد ديمقراطية حديثة تعتمد السوق الحر في افغانستان، بل وضع هذا البلد على الطريق نحو الاستقرار واعادة البناء. كما لا اقترح ان تنوء الولايات المتحدة بالعبء الاكبر وحدها. لكنها يجب ان تمسك بزمام القيادة. وان لم تفعل فإن الاخرين لن يعملوا. لهذا دعونا نتوقف عن الحديث عن استراتيجيات الخروج او الجداول الزمنية المحددة (وهو خطأ ارتكبناه في البوسنة). واشير هنا الى الاجابة التي صدرت عن ضابط عسكري رفيع متقاعد حينما سئل، مؤخراً، عن كم من الوقت يجب ان نبقى في افغانستان: «حسب ما تقتضيه الضرورة، حتى ننهي المهمة التي ذهبنا اليها». قد يكون ذلك مكلفاً، ويتطلب زمناً طويلاً، لكن ان كانت افغانستان مهمة لنا بالقدر الذي دفعنا لخوض حرب من اجلها ـ وهي كذلك حقاً ـ فإن ارساء الاستقرار فيها واعادة بنائها هو على القدر نفسه من الاهمية، ليس باعتبار ذلك هدفاً انسانياً فحسب، بل لانه امر حيوي للغاية لمصالحنا لانه جزء مكمل لا يستغنى عنه في الحرب على الارهاب. عن «واشنطن بوست»