الملف السياسي: على الرغم من الضجيج الاعلامي والتخويف والتهويل، لم تكن خطوة شارون مقطوعة الجذور أو مفاجئة لأصحاب الشأن والمتخصصين وحتى المراقبين، بحيث بدأت بشائر هذا السلوك تتضح معالمه بشكل بيّن وجلي، بعد الاجتماع الثاني للمبعوث الأمريكي أنتوني زيني، الذي أخفق في الفصل بين الخطة الأمنية والسياسية. بل في تقزيم المطالب الفلسطينية بعد أن فشل في اجبار الفلسطينيين على تبني خطة زيني بدلاً عن تلازم ثنائية تقرير ميتشيل وخطة تينت، لتظهر الى النور بما يسمى خطة تينت ـ زيني هذه المرة، والتي تعتبر في جوهرها الخطة الأمنية الاسرائيلية، التي تقوم على مطالب أمنية محددة ، بجمع السلاح وتفكيك ما يسمى بالبنى الارهابية وملاحقة المطلوبين وتسليمهم لاسرائيل. لكن حتى لا نغيب في التفاصيل، يمكننا القول أن الحكومة الاسرائيلية بيمينها ويسارها ، منذ وقت لا يستهان به، أي منذ اللحظة الأولى لاغتيال رابين، قد دخلت في خيارات صعبة جداً، اما العودة الى طاولة التفاوض السياسي على أساس من تطبيق الاتفاقات المبرمة بينهم وبين الفلسطينيين، والمتمثلة باستكمال الانسحابات من مناطق (ب) والانتقال الى الخطوة الثالثة، أو المربع الثالث، واما الى المربع ناقص واحد، القاضي بنسف البنية التحتية للسلطة الوطنية الفلسطينية، واخراج الرئيس عرفات ومن معه الى خارج الأراضي الفلسطينية، من خلال عملية اجتياح كاملة لأراضي السلطة الوطنية الفلسطينية. بمعنى آخر كنس الوجود السياسي والأمني الفلسطيني الذي تشكل على الأرض الفلسطينية، بما يؤمن فرض قيادات محلية متواجدة داخل السلطة الفلسطينية الحالية وخارجها، عبر الغربلة والاكراه وخلق مظلة وهمية كاذبة من الذرائع لهم، وهي كثيرة، ليتسنى فيما بعد فرض الرؤية الاسرائيلية للتسوية النهائية مع الفلسطينيين. وقد كان نتانياهو أول من عمل على زرع هذا الفهم في العقل الأمني الاسرائيلي، لكن فشله في فرض شروطه بعد لغم اتفاقية الخليل قد أودى به الى الهاوية. وعلى ما يبدو أن هذه الفكرة «القناعة» قد تشكلت لدى القيادة الاسرائيلية باعتبارها حقيقة ثابتة لا يمكن تجاهلها،رغم الخسارات المتوالية التي أودت برؤوس وحكومات على مدار سنوات التفاوض. بالمقابل لا بد من الاعتراف، بأن هذا الفشل الذريع في خلق بدائل فلسطينية بهدف اصطناع حالة من الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني، لم يثن صانع السياسة العسكرية ـ الأمنية، عن محاولاته المحمومة في خلق مثل هذه الصراعات، خاصة بعد أحداث 11سبتمبر التي أعطت حقنة مقوية لعودة التفكير بشكل مفضوح هذه المرة، التي أعطت مبررات كثيرة بفعل الانحياز الأمريكي الكلي لمثل هذه السياسة الاسرائيلية ضد الفلسطينيين، باعتبار أن هذه السياسة هي جزء لا يتجزأ من سياسة محاربة الارهاب الدولي. ولسوء الحظ أو لحسنه، بالنسبة للفلسطينيين، كان أخر الطلقات الصدئة الباقية في جعبة المؤسسة العسكرية ـ الأمنية، المتمثلة بشارون حاضراً لاستغلال هذا الظرف الاستثنائي بالنسبة لاسرائيل، بل أكثر من ذلك هذا النمط من القيادات المتقاعدة عن سفك الدماء، منذ عام 1982 لاستخدامها ولأخر مرة، سعياً لتعزيز هذا التوجه العام، الذي تتوحد حوله كل القوى الاسرائيلية، فيما خلا بعض المجهرية منها لرصف أرضية صلبة بهدف العودة الى فرض هذه الرؤية القائمة على معادلة المُستعمِر والمُستعمَر والفهم الوظيفي الذي يحكم هذه المعادلة. هذا بالنسبة للاسرائيليين، أما بالنسبة للفلسطينيين فقد اكشفوا سر اللعبة الأمنية، بحيث عملت مؤسسة السلطة بشقيها السياسي والأمني، على ادارة الأزمة مع الطرف الاسرائيلي من خلال اللقاءات السياسية والأمنية من جهة، وادارة العملية الصراعية من جهة أخرى، الأمر الذي خلق حالة من توازن الأزمات عند الطرفين، ووضع حكومة أخر الطلقات الصدئة في وضع لا يحسد عليه، ابتداء من الأزمات الأمنية وهي الأهم مروراً بالأزمات الاقتصادية الاجتماعية والتي لسنا بصدد تعدادها في هذا المقام. انطلاقاً من القناعة المتأصلة عند الفلسطينيين، بأن اسرائيل كتجمع استيطاني يعيش عبر شعارات مثالية، غير قادر على مواجهة ذات الأزمات القادر على تحملها المجتمع الفلسطيني الذي لا يوجد ما يخاف عليه سوى ذله.بفهم آخر اسرائيل قادرة على انزال الخسائر الكبرى بالشعب الفلسطيني،بما في ذلك قتل الرئيس عرفات وبعض القيادات الفلسطينية، لكنها غير قادرة على تحمل أية خسائر مهما قل حجمها في أتون حالة صراعية مستمرة، باعتبارها تستحوذ على بنية استيطانية لها الكثير من المتطلبات غيرة العادية. لكن الأهم من كل ما تقدم، هو قدرة السلطة والشعب الفلسطيني وقواه، في تفويت كل الفرص على الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، وتمثل ذلك في : أولاً: بروز كتائب الأقصى كأهم ذراع عسكرية لاستمرار المقاومة الفلسطينية، والتي شكلت منعطفاً حقيقياً في عملية الصراع القائم على الأرض، بل خلقت قيماً صراعية على الأرض باتت تشكل أحد الهواجس الاسرائيلية التي لا يمكن تجاهلها أو القفز عنها، لأنها تشكل ـ الذراع ـ الجناح العسكري الفاعل لحزب السلطة. ثانياً: خلق وحدة نضالية على الأرض الفلسطينية بين كل القوى الفلسطينية المقاتلة، رغم كل الضغوط والمطالب الأمنية التي مورست على السلطة الفلسطينية، بداية من تقرير ميتشيل مروراً بخطة تينت واللقاءات الأمنية المطلبية، وانتهاء بجولات أنتوني زيني المكوكية التي ترى بضرورة تحويل السلطة الفلسطينية ومؤسساتها الأمنية الى مخفر متقدم لسجن الشعب الفلسطيني، بهدف حماية المستوطنين. ثالثاً: توحد الهدف السياسي الفلسطيني، والذي تمثل في التمترس خلف الثوابت الفلسطينية، شكل بجد وبعيداً عن الأمل واليأس، حالة من الانكفاء عند حكومة شارون التي تمثل التشكيلة السياسية الاسرائيلية برمتها، وليس حكومة شارون وحده كما يحاول البعض تعميم مثل هذا الفهم القاصر. رابعاً: تشكل حالة فريدة من الالتفاف العربي الواسع شعبياً ورسمياً، بمعزل عن الخطابات المطلبية التي تصدر من هنا وهناك، حول الانتفاضة، الأمر الذي بدأ يشكل هاجساً عند الولايات المتحدة واسرائيل على خططها المستقبلية المرسومة بالأيام أو بالأشهر القليلة القادمة.هذا الأمر الذي بات يشكل تغيراً في العقل العربي خاصة دول الطوق، ولعل خطاب وزير الخارجية الأمريكية كولن باول، كان الأكثر وضوحاً عندما خرج عن اعتداله المعهود في ارسال كلمات خطيرة وبغموض غير معهود بالتبني للمفهوم الاسرائيلي باعتبار أن جل المشكلة تتعلق بالارهاب وحسب، وليس بالعدوان الاسرائيلي المتواصل على العرب والفلسطينيين. هذه القضايا مجتمعة، أوصلت شارون، أعني حكومته يسارها ويمينها الى خلق توجه يتيم، بهدف تجاوز الأزمة الخطيرة التي تعيشها اسرائيل في أكثر اللحظات صعوبة منذ قيامها حتى هذه اللحظات المفصلية في حياتها والى ضرورة كسر الارادة الفلسطينية، ومحاولة اذلال الشعب الفلسطيني. بموازاة ذلك العمل على تدمير البنية التحتية للمقاومة ـ الانتفاضة، كمقدمة لخلق وقائع ديموغرافية فلسطينية من جهة، وسياسية تنظيمية من جهة أخرى، بعد أن تعذر على المدى المنظور تهجيره الى المحيط الجغرافي العربي. أي اجبار السلطة الفلسطينية، على تنفيذ كافة المتطلبات الأمنية الاسرائيلية، من خلال مفهوم المنتصر والمهزوم، بكلام آخر بعد أن نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في اخضاع العالم بعامة والعالم العربي بخاصة في الحاق الهزيمة به والحاقه بالسياسة الأمريكية، تحت عنوان محاربة الارهاب، تشكلت قناعة عند كافة الأحزاب السياسية الاسرائيلية بضرورة الانقلاب على كل الاتفاقيات والالتزامات التي قطعتها على نفسها، بصرف النظر اذا ما كان بقمة الحكومة الاسرائيلية عمالي مثل بيريز أو باراك أو بن اليعازر أو ليكودي مثل شارون أو بنيامين نتانياهو أو موفاز وقس على ذلك في الأحزاب الدينية مثل شاس أو الدينية القومية المركبة مثل المفدال وغيره. من هذه القناعة بدأت ترى الحكومة الاسرائيلية، ضرورة اعادة التجربة اليابانية ـ الأمريكية ، عندما أخرج هيرو هيتو للتوقيع على صك انهزامه دون قيد أو شرط، بعد قنبلتي ناجازاكي وهيروشيما، بمعنى أن انتصار الولايات المتحدة على العالم في الحرب العالمية قد أدى الى قيام دولة اسرائيل، وأن الانتصار الأمريكي في اخضاع العالم يستدعي اخراج الرئيس عرفات من مكتبه المحاصر في رام الله من أجل توقيع صك انكساره، الذي يفرض ضرورة الحاقه بالمنظومة الأمنية الاسرائيلية. لعل توفير الغطاء السياسي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، يؤكد هذه القناعة المزدوجة عند الاسرائيليين ومن خلفهم الولايات المتحدة الأمريكية، فخطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن باعتبار اسرائيل دولة ديموقراطية ومن حقها أن تدافع عن أمنها ومتطلبات جمهورها، تأكيد على المظلة الأمريكية لفرض الشروط والاملاءات الاسرائيلية على الفلسطينيين انطلاقاً من معادلة المنتصر والمنكسر كما أسلفنا القول. وليس من الغريب في شيء، اذا ما قلنا أن مطالب زيني المتمثلة في سحب الأسلحة، وتسليم المطلوبين وتفكيك قوات الأقصى والقسام وقوات أبو علي مصطفى وسرايا القدس وتسليم كل هذه القيادات لمحاكم عسكرية اسرائيلية، دون حتى السماح للسلطة بالاطلاع على ملفات المحاكمات، لهي الدليل على هذه الرؤية المشتركة، بل أكثر من ذلك تطابق وجهتي النظر الأمريكية ـ الاسرائيلية في هذا الشأن، ووأد لكل الاتفاقيات السابقة ، بهدف خلق وقائع سياسية جديدة مع الفلسطينيين، بما يؤمن جسر عبور أمني اسرائيلي مضمون ومحروس باتجاه الشرق. لكن السؤال المهم ما العمل وما هي الآليات ؟ قبل الاجابة عن السؤال المركب، لا بد لنا من القول، أن شارون يعيش الأزمات نفسها التي يعيشها الفلسطينيون، وأن اسرائيل تعيش حالة مزرية لا يمكن تجاوزها، رغم قوة الآلة العسكرية، والسبب بأن ثمة صعوبة في عملية تهجير جماعية مهما كانت الأسباب، لان هذه القضية ستودي بكل ما يسمى بالمصالح الأمريكية بالشرق الأوسط وغير الشرق الأوسط، وستدخل المنطقة برمتها في أتون حروب لاهبة لا يمكن للولايات المتحدة ولا لغيرها ترشيد أو توجيه هذه المتغيرات. وبالعودة للجواب على ما العمل ؟ يجب التذكير أن الانتفاضة الفلسطينية الكبرى دامت أكثر من سبع سنوات، في ظل غياب كامل لمؤسسة سياسية فلسطينية، وعجزت اسرائيل بكل جيشها وأسلحتها عن ايقاف هذه الانتفاضة، بل أكثر من ذلك أن تلك الانتفاضة فرخت قوى جديدة على مسرح الصراع الفلسطيني، ولعل حركة حماس أحد العناوين الهامة وما شكلته من نقلة نوعية في غمار الصراع الدامي في انتفاضة الأقصى المستمرة. أضف الى ذلك أن الجيوش مهما بلغت من القدرة والقوة، لا يمكنها اكتشاف أو لجم من وصل الى قناعة تامة في ضرورة مواجهة آلياته وقواته بجسده المحزم ببضعة كيلوجرامات من المتفجرات. بكلام واضح، من يبحث عن الشهادة لا يمكن لقوة أياً بلغت من القوة والقدرة على كسر ارادته، رغم كل الاجراءات الأمنية الصارمة، والتجربة أكبر دليل على ذلك. فالعمل يتمثل في ساعة صبر ووحدة القوى والفصائل والفعاليات المحلية، كفيل بردع شارون وغيره عن كل الاجراءات والرضوخ للمتطلبات الفلسطينية، ذلك بسبب قلة الخيارات عند الطرفين. وختاماً لا بد من القول أن ما يجري مجرد وقت، أو كما يقول البعض مرحلة العض على الأصابع فمن يصمد أكثر هو وحده الذي سيفرض شروطه على الآخر، وعلى ما يبدو أن الشعب الفلسطيني بعد سنوات الاحتلال الطويلة قد أكدوا على قدرتهم وفي أكثر من مرة على ممارسة الصبر المتوازي مع المقاومة والتصدي. دون أن نغفل أن شارون بهذه العملية قد أفرغ أخر الطلقات المسمومة التي يحملها في جعبته، وأن أياماً مقبلة ستشهد حالة من الفراغ السياسي داخل اسرائيل، ايذانا بانتخابات قادمة، وسينقلب التطرف الاسرائيلي الملحوظ الى مطالبة السلطة القادمة بالرضوخ الى المتطلبات السياسية الفلسطينية، الرغم التحريض والتأييد الأمريكي لسياسة شارون. ـ كاتب فلسطيني