الملف السياسي: تتصاعد المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي على نحو لم تعهده إسرائيل أو تظنه ممكناً. خمس هجمات استشهادية خلال خمسة أيام، عشرات القتلى والجرحى، وشارون لا يجد في ترسانته الهائلة سلاحاً يستطيع التعامل مع بطولات الشعب الفلسطيني، ويلجأ إلى السلاح الذي يعرفه جيداً، سلاح الأعمال الإرهابية الوحشية التي لا تقف عند حدود، ويجتاح المدن الفلسطينية، بادئاً برام الله وبمقر الرئيس الفلسطيني. إرهاب وحشي لا يأبه باحتجاج عربي أو عالمي، ولا يلقي بالاً إلى قرار لمجلس الأمن لم تستطع الولايات المتحدة ـ حامية إسرائيل وراعيها الأول ـ أن تحول دون صدوره أو تصد الإدانة الدولية الصريحة. وشارون ينذر بأن إسرائيل في حالة حرب ضد عرفات قد تطول شهوراً، والاجتياح والوحشية يطالان بيت لحم وقلقيلية، والانذار بالمزيد من الاجتياح والمزيد من قتل الأبرياء، ولم لا وتحت امرته آلة عسكرية هائلة، وليصدر مجلس الأمن ما يشاء من قرارات، حتى لو وافقت عليها واشنطن، ألا يظهر بوش وباول في النهاية في مؤتمرات صحفية ليعلنا أنهما يتفهمان «حاجة إسرائيل إلى الدفاع عن نفسها»؟ وهل يوجد بعد هذه «التفهمات» المعلنة ضوء أشد اخضراراً أمام استخدام الآلة العسكرية الرهيبة، لقمع مقاومة الشعب الفلسطيني ووأد مبادرات السلام وإبقاء الاحتلال الهمجي وإنكار حق الشعب الفلسطيني في حياة حرة كريمة؟ الوحشية التي توجه خطا شارون لا تحتاج إلى تفسير أو تحليل، هذا هو الرجل الذي جاء به الناخبون الإسرائيليون ليهدي إليهم أمناً وطمأنينة، يسنده تاريخه الملوث بالدم، هذا هو بطل مذبحة صبرا وشاتيلا، رجل وعد أن يضرب بيد من حديد ليقمع انتفاضة «شعب الجبابرة» على حد تعبير ياسر عرفات ـ ليستطيع الإسرائيليون أن يمضوا في حياتهم آمنين وادعين، لا يعكر صفوهم انفجار أو طلقة رصاص، ولا تلوث شوارعهم النظيفة نقطة دم، وليرضى الفلسطينيون بقدرهم في العيش أسرى في وطنهم، وليرضوا بالذل والمهانة. إسرائيل تحت قيادة سفاح أعظم، من الذي يستطيع ان يرفع صوتاً أو يظهر سلاحاً؟ هكذا كانت وعود شارون، وهكذا كانت أحلام الناخبين الذين جاءوا به من غياهب التيه السياسي، واهمين ان شارون سيفلت من صيغة الأرض مقابل السلام، ليضمن لهم الأرض والسلام معاً. وفشل المشروع الشاروني من اليوم الأول، وتحول حلم الأرض والسلام إلى كابوس ثقيل، وأصبح الإسرائيليون أقل أمناً مما كانوا في أي وقت مضى، لا غرابة أن يفقد السفاح الأعظم عقله، وأن يبلغ بأعماله الإرهابية خطوطاً لم يصلها في تاريخ إسرائيل المشين إرهابي قبله ممن حكموا ذلك الكيان الاستيطاني الغاصب. وراء ذلك الجنون الشاروني تطورات ثلاثة، أولها تصاعد الانتفاضة الفلسطينية واهتداؤها إلى سلاح جبار لا تشمل ترسانة إسرائيل سلاحاً يملك قمعه أو التعامل معه، والتطور الثاني المبادرة السعودية التي اقرتها قمة بيروت وأصبحت مبادرة عربية، والمبادرة العربية بدورها هجوم سياسي لا تجد إسرائيل ولا يجد حلفاؤها سلاحاً يستطيع مجابهته، أما العامل الثالث فهو الموقف الأمريكي الذي يتراوح بين التأييد غير المشروط للإرهاب الإسرائيلي والتخبط بين التأييد والإدانة على استحياء، وإشارات الضوء الأخضر. موقف مشين تحولت فيه الضغوط الأمريكية المفترضة على إسرائيل، الضغوط التي يطالب بها العرب ويطالب بها العالم، إلى ضغوط إسرائيلية على واشنطن، وأصبح الكثير من التصريحات والبيانات الأمريكية وكأنها تنقيحاً لمسودة كتبت في تل أبيب. المقاومة الفلسطينية وجدت السلاح الذي تهزم به كل ما تحفل به ترسانة إسرائيل العسكرية، سلاح الهجمات الاستشهادية أو ما يسميه الاعلام الغربي بالهجمات الانتحارية، شباب يُضحون بحياتهم وليس هدفهم قتل أبرياء، بل وأحياناً لا تُسفر أعمالهم سوى عن استشهادهم دون قتلى آخرين، يُضحون بحياتهم ليعلنوا للعالم أنهم يرفضون الاحتلال الإسرائيلي لوطنهم، ويرفضون حياة الذل والمهانة، ويُشهدون العالم على ذلك موقعين بدمائهم. شباب يائس لا يتطلع تحت أسر احتلال غاشم إلى أمل في حياة أفضل، شباب لم يعرف حياة سوى في مخيمات تنكر الآدمية ولا تلوح فيها ظلال ترف يسمى حقوق الانسان، حياة مهينة من خلق الاحتلال الإسرائيلي للأرض، ومن الصحيح أن هذه الهجمات الاستشهادية تؤدي إلى قتلى وجرحى لأبرياء، ولكن من هو القاتل الحقيقي؟ حق الحياة حق مقدس للجميع، ولكن هل القائمون بالهجمات الاستشهادية قتلة أم هم ضحايا؟ وسائل الإعلام الغربية تسمي الهجمات الاستشهادية أعمالاً إرهابية، المتحدثون الأمريكيون يُسمونها أعمالاً إرهابية، ولكن من هو القاتل ومن هو الضحية؟ الفلسطينيون الذين يضحون بحياتهم، شباناً وشابات لم يبلغ بعضهم عشرين عاماً، أليس هؤلاء ضحايا؟ أليس هؤلاء ضحايا الاحتلال الإسرائيلي لبلادهم؟ المنتحرون والقتلى هم جميعاً ضحايا عمل ارهابي مستمر، والإرهابي الأوحد هو شارون وحكومته. على الأمريكيين وعلى العالم أن يتفهم هذه الحقيقة، لا سبيل إلى وقف الهجمات الاستشهادية إلا بوقف الاحتلال، ليس ياسر عرفات هو الذي يمكنه وقف المقاومة وإهداء الأمن المنشود لشعب إسرائيل، الذي يستطيع ذلك هو شارون أو من يحكم إسرائيل بعد شارون، ولا يستطيع ذلك بمزيد من أعمال العنف واجتياح المدن والقرى ومحاصرة أو حتى قتل الرئيس الفلسطيني ومساعديه. الوسيلة الوحيدة لوقف الهجمات الاستشهادية هي إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف، وكل ما عدا ذلك مناورات هيهات أن توقف حمامات الدم بل سنشهد منها المزيد. السلاح الذي تستخدمه المقاومة الفلسطينية في الانتفاضة، سلاح لديها منه مخزون لا ينضب، سلاح ليس لدى إسرائيل ما ترد به عليه، دباباتها وطائراتها وحتى ترسانتها النووية مجرد «خردة» عاجزة عن الرد، الشعب الفلسطيني ليس لديه دبابات أو طائرات ولكنه اكتشف سلاح «ما بعد النووي»، سلاحاً أصبحت له اليد الطولى في الصراع. وبينما يجد شارون نفسه عاجزاً أمام السلاح الفلسطيني الجديد يأتي الهجوم السياسي العربي ليجهز على سياسته الخرقاء، تأتي الدول العربية وقد اجتمعت كلمتها في قمة بيروت لتطلق مبادرة غير مسبوقة في جملتها وصياغتها، مبادرة تعلن للعالم أن الدول العربية جميعها دون استثناء على استعداد لكي تمنح إسرائيل الهدف الذي راوغها أكثر من خمسين عاماً، السلاح الكامل والدائم مع جميع الدول العربية، هجوم سياسي بارع يحرم إسرائيل من حجة تغنت بها عقوداً طويلة: العرب ليسوا على استعداد حقيقي للسلام، بعض الدول العربية ستظل أبعد عن مسالمة إسرائيل، وهكذا من الترهات التي استفادت منها إسرائيل عقوداً طويلة. المبادرة العربية واضحة دون لبس، العرب جميعاً يعرضون على إسرائيل سلاماً وعلاقات طبيعية، وما المقابل، المقابل هو الانسحاب من الأراضي المحتلة، وهذا المقابل مطلب دولي تضمنته قرارات مجلس الأمن، وماذا عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، الحق الذي تزعم إسرائيل انه يعني نهايتها كدولة؟ المبادرة العربية تتحدث عن «حل عادل» لمسألة اللاجئين وفقاً لقرارات مجلس الأمن، ومن الغريب أن تقيم إسرائيل الدنيا وتقعدها لأن الفلسطينيين يطلبون حقهم الطبيعي في العودة إلى بيوت طردوا منها منذ بضع عشرات من السنين، بينما يستند وجود إسرائيل ذاتها إلى حق اليهود في العودة إلى وطن مزعوم كان لهم منذ أكثر من ألفي عام. وهكذا تأتي المبادرة العربية لتحكم الخناق حول عنق شارون، ولا غرابة أن يعلن رفضها، شارون ليس شريكاً في السلام ولا يقبل انسحاباً من أرض، شارون يجد أمامه المقاومة تنتصر على آلته العسكرية الرهيبة والمبادرة العربية تقطع عليه الطريق، المقاومة من أمامه والمبادرة العربية من خلفه: أين المفر؟ ربما لا يجد شارون مفراً سوى الاعتماد على التأييد الأمريكي، «التفهمات» الأمريكية الشهيرة والمشينة لحاجة إسرائيل إلى الدفاع عن نفسها، ولكن الدفاع ضد من؟ من الذي يهاجم إسرائيل؟ ربما ما تحتاجه إسرائيل هو الدفاع عن نفسها ضد سياسة شارون، شارون هو الذي يحرم إسرائيل من الأمن الذي وعدها به، التصريحات الأمريكية ـ والأمل ألا تكون الاستراتيجية الأمريكية تبدو في حالة ما يشبه التنويم المغناطيسي كلما نطقت كلمة «إرهاب»، والتي تذكر بأحداث سبتمبر، ولكن العرب جميعاً والفلسطينيين أولهم استنكروا أحداث سبتمبر ووقفوا مع الحملة الأمريكية ضد الإرهاب، والمقاومة الفلسطينية هي رد الفعل الطبيعي ضد الإرهاب الشاروني، والمطلوب ليس تلويحاً بعصا سحرية في يد ياسر عرفات لوقف الانتفاضة، المطلوب هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية. الشهور بل ربما الأسابيع المقبلة فترة حاسمة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، قد يزداد شارون شططاً وقد يجهز على الزعيم الفلسطيني والقيادات الفلسطينية، شارون يقاتل من خندقه الأخير ولكن ذلك لن يفعل سوى مزيد من تصاعد الانتفاضة وتصاعد الهجمات الاستشهادية، والدعم السياسي الجاد الذي بدأه العرب في قمة بيروت وتمثل في المبادرة العربية يجب أن يستمر، ومن المفهوم أن تتصاعد أصوات غاضبة تدعو إلى سحب المبادرة العربية، ولكن ذلك هو على وجه التحديد ما يريدوه شارون، المبادرة العربية والتي تسير جنباً إلى جنب مع الانتفاضة تحكم الخناق حول شارون، ولا ينبغي أن تترك له فرصة الفكاك، سحب المبادرة العربية سيكون طوق النجاة الذي يسعى إليه شارون، وقد يلجأ شارون في حربه اليائسة إلى أعمال استفزازية ضد لبنان بدعوى الهجوم على قواعد حزب الله، وقد يلجأ إلى أعمال استفزازية ضد سوريا وضد غيرها من الدول العربية بدعوى أو أخرى، مواجهات يجد فيها شارون مخرجاً من مأزقه الحالي وهي في الوقت نفسه مواجهات لدى الترسانة العسكرية ما تستطيع أن تستخدمه فيها من أسلحة وعتاد يعلوها الصدأ دون أن تفيد أمام الانتفاضة الفلسطينية. الموقف العربي ينبغي أن يكون واضحاً وحكيماً في قطع الطريق على شارون أمام هذا المخرج والتركيز على العمل السياسي على أساس مبادرة قمة بيروت. شاشات التلفزيون تحمل إلى العالم أجمع الدمار الذي تحيقه الدبابات الإسرائيلية بالقرى والمدن الفلسطينية، الفلسطينيون يقتادون وقد عصبت عيونهم إلى حين يسجنون أو يقتلون، الشوارع العربية على جانبيها أنقاض المساكن وجثث الضحايا، ما تفعله إسرائيل سبقتها إليه دول مستعمرة بوحشية أقل أو أكثر، رغم ذلك نالت الشعوب في النهاية استقلالها وكرامتها، درسٌ لا تريد إسرائيل أن تتعلمه من معركة الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي ومعركة غير الجزائر من الشعوب التي نالت حريتها بالكفاح المسلح ولم تفلح قوى البغي في قمع الحرية والعدالة. ـ كاتب مصري