الملف السياسي: ما يحدث الآن في الأراضي الفلسطينية من ممارسات إجرامية من العصابة الحاكمة في تل أبيب يعد أسوأ ما قامت به دولة احتلال على مر التاريخ، فالقوات الصهيونية ترتكب في الوقت الحالي مجازر شنيعة ضد المدنيين الفلسطينيين العزل، مستخدمة في ذلك أحدث أنواع الأسلحة الفتاكة والمحرمة، كما تحتجز الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في غرفتين بمقر إقامته دون كهرباء أو ماء أو خطوط هاتف مع استمرار القصف المدفعي والصاروخي للمقر والذي نجم عنه سقوط العشرات من الحرس الخاص له. أما الأسوأ والاغرب فهو الموقف الأمريكي من الأحداث فقد خرج علينا من خلال التلفزيون الرئيس جورج بوش من مزرعته حيث كان يقضي أجازته الأسبوعية ليؤكد أن الرئيس الفلسطيني المحاصر والمهدد بالموت في أي لحظة يجب عليه أن يبذل مزيدا من الجهد لايقاف العنف !!، كما أكد وزير خارجيته وبنفس الصلف والغرور أنة يتفهم موقف إسرائيل في الدفاع عن نفسها ودون إشارة للمجازر التي تحدث حاليا ضد إخواننا في فلسطين «الملف» التقى د. عمرو الشوبكي الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ود. محسن عوض الخبير في الشئون الفلسطينية والإسرائيلية للحديث عن تداعيات هذه الأحداث المؤلمة على مختلف الأصعدة وطبيعة التحرك العربي المطلوب والذي يتناسب مع طموحات الشعوب التي هبت ثائرة على هذه المهانة التي يتعرض لها رئيس وشعب عربي وعن الدور الأمريكي الذي جاء بمثابة اللطمة والصدمة في الشارع العربي وإمكانية أن تنفجر الأوضاع وبما يهدد بفوضى وحرب شاملة في المنطقة. فوضى شاملة بداية يرى د. عمرو الشوبكي أنه في ظل هذه البلطجة الإسرائيلية والأمريكية فكل شئ وارد بالنسبة للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات فقد يلجأ السفاح شارون إلى اغتياله أو اعتقاله أو حتى طرده خارج الأراضي الفلسطينية وهو في ذلك قد لا يكون مدركا للعواقب الوخيمة التي قد تترتب على هذا التصرف ، والذي سيؤدي بالتأكيد إلى فوضى شاملة فالرئيس عرفات رمز ومرجعية لكل الفصائل الفلسطينية وهو الوحيد الذي نال تأييد ومبايعة كل الفصائل، وبالتالي فأي إجراء من هذا القبيل ضده سيؤدي إلى فوضى شاملة في الأراضي الفلسطينية. حيث لا يوجد شخص يمكن أن يحل محل عرفات، ولذلك إذا حدث وأزيح من الساحة السياسية الفلسطينية فسوف يكون هذا بداية لتدهور أكبر في الأوضاع في المنطقة وستكثر عمليات المقاومة العفوية والعشوائية ولن يستطيع أحد أن يتنبأ بما يمكن أن تسير إليه الأمور بعد ذلك. ولكن مع ذلك يستبعد د. عمرو الشوبكي إمكانية إنفجار المنطقة كلها وصولا إلى الحرب الشاملة فيها حيث أنه من الواضح أن الدول التي تمتلك جيوشا نظامية في المنطقة ليست راغبة في مثل هذه الحرب، ولكن قد يحدث وترتكب إسرائيل حماقة تدفع وتجر الآخرين إلى هذه الحرب، وهذا محتمل جدا في ظل وجود حكومة إسرائيلية تتمتع بكل هذه الصفاقة والحماقة. ويعتقد د. عمرو أنه آن الأوان لأن يتخذ العرب مواقف أكثر تشددا تجاه العدو الصهيوني منها المقاطعة الشاملة وعلى كل المستويات الاقتصادية والتجارية وغيرها، فضلا عن قيام الدول العربية التي لها علاقات مع هذه الدول بتجميد إتفاقيات السلام معها، وطرد السفراء الإسرائيليين المعتمدين لديها، والعمل على فرض حصار دولي وعالمي على حكومة السفاح شارون والتنسيق في هذا الشأن مع المنظمات والجمعيات غير الحكومية في أوروبا والولايات المتحدة والمناهضة للعولمة، فهذه المنظمات قد تساعد كثيرا في هذا الحصار الدولي على دولة الإرهاب العبرية، فضلا عن التلويح بورقة المصالح الكثيرة وخاصة للولايات المتحدة في المنطقة وأن هذه المصالح ستكون في خطر طالما ظلت المواقف الإسرائيلية والأمريكية على ما هي عليه. ضربات إجهاضية ويوضح د. عمرو الشوبكي أن أقدام الدولة الصهيونية على إجتياح الاراضي السلطة الوطنية بعد يوم واحد فقط من إعلان القمة العربية أن السلام خيار العرب الإستراتيجي وبعد طرح مبادرة السلام العربية يؤكد ما سبق وقلناه من أن شارون ليس في استراتيجية السلام أو عودة الأراضي المحتلة لأصحابها ومن هنا فهو لا يتحمل ولا يتعاون مع أي مبادرات للسلام، و يقوم ومنذ قدومه إلى السلطة بتوجيه ضربات إجهاضية للمقاومة الفلسطينية آملا في خلق واقع جديد على الساحة الفلسطينية وعلى أساسه يبدأ في التفاوض، أي أنه يريد أن يهبط بالسقف الذي كان مطروحا من قبل إلى حد أدنى أكثر منه. ولا يجد د. عمرو ما يصف به الموقف الأمريكي من الاجتياح الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية إلا أنه موقف مخز، ينظر للمسألة وكأن هناك صراعاً بين دولتين إسرائيل، وفلسطين متناسيا أن هناك دولة إحتلال غاشمة بغيضة وأخرى ترزخ تحت الإحتلال، ولذلك كانت تصريحات بوش غاية في الغرابة والسخف، فهو يدعو عرفات لوقف العنف وهو المحاصر في غرفته والرصاصات تنطلق من فوق رأسه، وهذا الموقف الأمريكي الكارثة هو سبب كل التدهور الذي يحدث الآن، وهو الذي سيؤدي لعواقب وخيمة لا أحد يعرف إلى أين ستنتهي، ولذلك فالمطلوب من العرب أن يدينوا هذا الموقف المنحاز والسافر من جانب الإدارة الأمريكية وإتخاذ المواقف ضدها وإشعارها أن مصالحها في المنطقة سوف تتهدد. مخاطر كبيرة أما د. محسن عوض الخبير في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية فيشير إلى أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات قد اكتسب خلال الأيام الماضية شعبية عربية ودولية كبيرة حيث أظهر نوعا من التصميم والإرادة على مواجهة كل التحديات والأخطار والمجازر التي يواجهها هو وشعبه، ولم يكن منعزلا عن أبناء وطنه ووصلت كلماته الصادقة إلى قلوب كل المواطنين العرب وخاصة وهو يتحدث عن الشهادة ولاشك أنه وهو في وضعه الحالي أقوى مما كان عليه من قبل وقد تحول إلى رمز وسقوطه سوف تكون مخاطره كبيرة على استقرار الأوضاع في المنطقة، وخاصة إسرائيل حيث أنه لا مجال لضبط الأمور إذا سقط هذا الرمز الفلسطيني وهو ما يجب أن تدركه كل الأطراف في المنطقة. وعن رد الفعل العربي المطلوب يرى د. محسن عوض أن الشارع العربي قد تحرك كثيرا خلال الأيام الماضية وكثرت التظاهرات المؤيدة والمساندة للمقاومة الفلسطينية الباسلة، وقد جاء الدور على الحكومات العربية لكي تتجاوب مع نبض الشارع العربي بأن تتخذ إجراءات فعاله تجاه حماية الشعب الفلسطيني، لأنها إذا لم تفعل ذلك فقد تتدهور الأمور وتكون هناك تداعيات خطيرة على الساحة العربية كلها وخاصة في ظل هذا الشعور العربي بالمهانة والإذلال نتيجة لحصار زعيم عربي هو الرئيس عرفات بهذا الشكل وقطع التيار الكهربائي عنه والماء وحتى الغذاء لابد الآن من تحرك عربي يتناسب مع تحرك الشارع حتى تدرك عصابة شارون أن هناك جسدا عربيا لم يمت بعد وأنه لابد للصهاينة أن يدفعوا ثمن ما إقترفته أيديهم ضد الاخوة في فلسطين.. ويعتقد د. محسن عوض أن الاجتياح الإسرائيلي لرام الله وما يحدث ضد الرئيس عرفات الآن والمجازر التي تتم ضد الفلسطينيين هو بمثابة لطمة تم توجيهها إلى مبادرة السلام العربية التي كانت قد صدرت عن القمة قبل يوم واحد من بدء هذا الاجتياح وهو يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن السفاح شارون لا يريد السلام وليس في نيته السير في هذا الطريق على الإطلاق، أيضا جاءت اللطمة الأخرى من الإدارة الأمريكية التي لم تستطع إدانة الجرائم الإسرائيلية، بل وحمل بوش في تصريحاته الرئيس الفلسطيني عرفات المحاصر في سجنه في رام الله مسئولية تدهور الأوضاع، وطالبه ببذل مزيد من الجهد لوقف العمليات الاستشهادية. هذا الموقف الغريب من الإدارة الأمريكية من المفروض أن يدفع الدول العربية لاتخاذ مواقف جديدة متشددة تجاهها، وخاصة بعد أن ثبت لكل العرب أن الأمريكيين لا يختلفون كثيرا عن شارون وأنهم يتبنون كل مواقفه وأنه آن الأوان للتأكيد لإدارة بوش أن المصالح الأمريكية في المنطقة ستكون في خطر طالما ظل الموقف الأمريكي منحازا ومؤيدا لإسرائيل بهذا الشكل.