الملف السياسي: في رأي القادة الفلسطينيين ان اسرائيل، حكاما ومحكومين هي التي تقبع تحت الحصار، وليس السلطة الفلسطينية بقائدها الرئيس ياسر عرفات وشعبها. ويبنون على الامر مقتضاه من تحليل وعرض، واستنتاج، فيقول وزير خارجية السلطة، رئيس الدائرة السياسية في «منظمة التحرير الفلسطينية» فاروق القدومي (ابواللطف)، في لقاء على هامش مشاركته في اعمال القمة العربية في بيروت مؤخراً، وقبيل توجهه للمشاركة في مؤتمر وزراء خارجية الدول الاسلامية في كوالالمبور: «ان اسرائيل لم تستطع حتى الآن ان تحزم امرها، وتحدد كيف يمكن ان يكون الحل.. (وهي) اذا لم تحترم القرارات الدولية، ومنها قرار مجلس الأمن الاخير الرقم 1397، فسوف تخسر شهادة ميلادها التي منحت اياها نتيجة معادلة دولية». يقول القدومي ان اسرائيل «وصلت الى مرحلة الشيخوخة»، وانها سدت كل افاق التسوية، وتعزز باندفاع عوامل توسيع الحرب، وتفجير المنطقة، بعد نهجها التصعيدي المستمر والذي مازال يتسع بعد ايام قليلة على انتهاء قمة بيروت التي حملت الى العالم، مما حملته مبادرة سلام عادل وشامل. ويحذر «ابواللطف» من بقاء عرفات وشعبه في «سجن كبير»، مؤكدا ان «الاخ ابوعمار لن يقدم اي تنازل تحت اي ضغط كان»، ومشدداً على ان عودة اللاجئين حق من حقوقهم، لكن المطلوب ان تقوم الدولة الفلسطينية اولا: «وهذا يحتاج الى وفاق عربي»، والى ان يستمر الفلسطينيون في وحدتهم الراهنة وتماسكهم، ويبقوا دائما، كما كانوا: «مشروع شهادة». ويبدأ القدومي كلامه بالقول: ان اسرائيل لم تقم، كما قالت مرة وزيرة اوروبية، من خلال سياق تاريخي او من خلال وعد توراتي تاريخي، وانما قامت بقرار من الامم المتحدة، وعليها ان تحترم هذا القرار، والا، اقول، فانها ستفقد شهادة ميلادها. اذن اسرائيل معادلة دولية قوتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية ومنها على الاخص فرنسا وبريطانيا. والدولة الفلسطينية ستقوم كمعادلة دولية، ولذلك فإن النضال الفلسطيني هو الذي يجعل البيانات تصدر دائما بذلك الخصوص، فلا بد من حل المشكلة، اي الصراع العربي ـ الاسرائيلي بوجود دولة فلسطينية كمدخل، كذلك انسحاب اسرائيل. وبيان كهذا كان قد قدمه وزير الخارجية الامريكي كولن باول، وكان الرئيس الامريكي جورج بوش (الابن) قد تحدث عن رؤية تتعلق بالدولة الفلسطينية بعد احداث 11 سبتمبر الماضي. ألم يقل باول في كونتاكي ان على اسرائيل أن تنهي احتلالها، وهذه هي المرة الأولى التي تعترف فيها الولايات المتحدة ان هذه الارض محتلة. كان الامريكيون يقولون سابقا: «هذه ارض متنازع عليها». الان امريكا، وهي اخر الدول، قالت ان على اسرائيل ان تنهي احتلالها للاراضي الفلسطينية. ـ اذن الشروط لقيام الدولة وحتى للانسحاب الاسرائيلي متوافرة، لكن يبدو ان عناد اسرائيل يريد ان يخسر المزيد حتى يقتنع بان السلام هو من اجل الجميع. وكثيرون يشككون ايضا في نوايا الولايات المتحدة، وما اذا كانت جادة فعلا في تحقيق السلام؟. الطريق الى الجحيم ـ عند هذه النقطة يجيب القدومي حول ما اذا كانت السلطة الفلسطينية واثقة فعلا من النوايا الامريكية، ام انها تشاطر الكثيرين في العالم الاعتقاد بان الادارة الامريكية مقتنعة فقط بالتهدئة الانية لا بالتسوية الشاملة المطلوبة، وانها تعتبر ان الظروف اللازمة للسلام لم تنضج حتى الآن الى الدرجة المطلوبة.. يقول: هذا الكلام صادق ودقيق وصحيح. وقد كنت اتحدث مؤخراً مع رئيس دولة اوروبية فقال لي: ان الاسرائيليين يريدون مؤتمراً دوليا، ودولة فلسطينية، وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وكذا.. سألته: ولماذا لا يعلنون ذلك؟ اجاب: اذا اعلنوا فقد يطلبون منا دعم شيمون بيريز في الانتخابات مثلا؟ قلت للرئيس الأوروبي: لكنهم اذا لم يعلنوا ذلك فكيف يمكن ان يطلب منا احد دعم هذا المرشح في الانتخابات الاسرائيلية المقبلة، او ذاك؟ فأجاب: لقد قال لي الاسرائيليون شخصياً: ان دعم المرشح مطلوب قبل اعلانهم لأي موقف. فعلقت بقولي له: عندنا في بلادنا مثل يقول: «ان الطريق الى الجحيم قد تكون معبدة بذوي النوايا الحسنة. فاسمح لي يا سيدي الرئيس ان اكون سيء النية لمدة 48 ساعة، اي اثناء وجودي معك». وتساءلت: لماذا ترفض اسرائيل المبادرة السعودية ـ العربية. انني رجل دبلوماسي، وقرأت التاريخ، وعرفت التجارب. وقدرت كل ذلك، ومن اجل هذا السبب تحفظت على «اوسلو». لكنه كان تجربة فلا مانع ان نمر بها. فاستفاد الاخوة من هذه التجارب، وعرفوا الاسرائيليين على حقيقتهم، وبدأوا يتعاملون معهم بما يلزم. ـ اذن تلك المبادرة تنطلق اساسا من مبدأ اسقاط نتيجة اي رهان على تبدل ايجابي ما في الموقف الاسرائيلي ولو حتى بالحد الادنى؟. ـ قلت واكرر ان اسرائيل قامت نتيجة معادلة دولية. وهي بممارساتها تلك تعزل نفسها تماما وتدريجيا. وهنا ثمة نقطة مهمة وهي انه من دون رأي عام عالمي ستموت اسرائيل، ستحاصر كما حوصرت في ايام بنيامين نتنياهو. واذا فرضوا عليها العقوبات، كما فرضوها على جنوب افريقيا، فهذه دولة صغيرة من 22 الف كيلو متر مربع. الدعم الغربي، والتجارة مع أوروبا، حميا اسرائيل من الدمار، واعتقد انها وصلت الى مرحلة الشيخوخة. لا نتوسل امريكا ـ لكن اسرائيل تلجأ دائما الى «شد جلدها» وتجديد شبابها، لعلها تحاول ذلك دائما على الاقل. وهي تسلط الاضواء على بعض ما يساعدها في مقاومة الشيخوخة، ومن ذلك محاولة تجير العمليات الاستشهادية لصالحها ضد السلطة الفلسطينية والفلسطينيين والعرب عامة، امام الرأي العام العالمي.. فهل تستفيد اسرائيل بشكل او باخر من مثل تلك العمليات لتبرر ايضا تصعيدها واستهدفاها للرئيس عرفات؟ ـ يعلم الجميع اننا قبلنا بمبدأ التسوية السياسية. وبدأنا بالمفاوضات. ولم يستطع اسحاق شامير خلال 22 شهراً ان يصل الى اية نتيجة وقال: «انا كنت اريد مفاوضات لعدة سنوات مع العرب». اذن، اسرائيل خادعة. اولاً نحن نريد بالتأكيد ان يقف الرأي العام العالمي معنا لكن نريد ان نضرب ايضاً ارادة القتال لدى اسرائيل وهذه نقطة أهم من الأولى سوف يأتي فازعون يرجوننا بدل ان يتعاطفوا معنا. وهذا ما حصل. نحن لا نتوسل امريكا كما قال احد الوزراء العرب مؤخراً وهذا ما يحصل ايضاً. ـ تطرح هذه الامور نقطة حيوية تتعلق بالخطاب الفلسطيني على ضوء المستجدات التصعيدية الاسرائيلية والمواقف والمبادرات والتحركات السياسية المطروحة اقليمياً ودولياً، فهل باتت الانتفاضة الخيار الاستراتيجي الأوحد للسلطة والفصائل الفلسطينية؟ ـ لقد صبر الاخوة على اسرائيل سنوات طويلة واحترمنا من جهتنا ما اتفقنا عليه لكن ماذا فعلت هي على ارض الواقع؟ على الخريطة؟ فقد ظنت اسرائيل بعد عشر سنوات انه جاءت التسوية السياسية بعد «حرب الخليج» ـ الثانية ـ وانقسام العرب، لتفرض حلاً على العرب ولكنهم رفضوا ذلك وبكل قوة قال الاسرائيليون ان ايهود باراك قدم للأخ عرفات تنازلات مؤلمة لكن هذا كذب فهم يريدون تسعة بالمئة من الأرض الفلسطينية ان تنضم في الضفة الغربية الى اسرائيل وان يضموا المناطق المحاذية للنهر وللبحر الميت من اجل تعزيز المستوطنات وان يكون لهم هناك محطات انذار مبكر فقال لهم ابو عمار: «لا، واكثر من ذلك نريد سيادة كاملة على القدس». ثم جاء من كذب اسرائيل اكثر فأكثر، وهو مساعد الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون، روفر باك الذي كتب مقالاً اكد فيه بالأدلة ان (ايهود) باراك كان كاذباً، كان باراك قد فشل في الفوز بالثقة في الكنيست، ثم انه لم يقدم اقتراحاته بشكل خطي وهو يريد ان يضم 9 بالمئة ويقيم محطات انذار مبكر ومراقبين على الحدود وغير ذلك الكثير. لذلك فإن «ابو عمار» الذي يقود هذه السلطة الفلسطينية، لن يتنازل، وهو استطاع ان يعزز الوحدة الوطنية، رغم انه يتعرض الى ضغوط لا تعد. انه اشبه ما يكون في سجن كبير وان كان مع شعبه وكثيراً ما يحاول ان يخفف من المعاناة ويقول بعد كل نضال شاق: اعيدوا الجماهير الى حياتها الطبيعية. وحدتنا الداخلية متينة وثابتة وتترسخ الى الافضل باستمرار ففي الانتفاضة الاولى مثلاً امضينا في المفاوضات السياسية حوالي عشر سنوات ولم يقم احد بأي عمل يقول ابو عمار يطلب مثلاً: «يا شباب لا تعملوا شيئاً حتى نرى ماذا سيصدر عنهم (الاسرائيليين)» فيلتزم الشباب، ولا يعملون اي شيء الأسابيع سواء كانوا في هذا التنظيم او الفصيل او ذاك كل المنظمات تلتزم لذا نؤكد ان وحدتنا الوطنية مجذرة وبلغ الوعي الفلسطيني حداً يجعل من هذه الوحدة ومن العمل المشترك، الأساس الموحد للجميع من اجل فلسطين والكل يحمون السلطة الفلسطينية خاصة بعد ان ضربت اسرائيل، ولا تزال بناها التحتية وقد قدموا اكثر من 1500 شهيد، وحوالي 20 الى 30 ألف جريح لقد تعلم الفلسطينيون من التجارب التي مروا بها، ويعرفون انهم يخوضون الآن في فلسطين معركتهم النهائية والتي سوف تخلق الدولة الفلسطينية وبذلك فإن كل شاب وحتى كل فتاة قبل الشاب بدأوا جميعهم يعملون من اجل فلسطين». نحن مشروع شهادة ويردف ابو اللطف متحدثاً: «لذلك، ولأن السياسة الامريكية لا تعجبنا، فعلى الجماهير ان تترجم ذلك بلغتها قلت ذلك ألف مرة انه يجب ان ندين اسرائيل من ناحية وننتقد سياسة الادارة الامريكية من ناحية اخرى وقضية سفينة «كيليوباترا» ايام الرئيس (الراحل) جمال عبدالناصر معروفة عندما تقوم الجماهير بتظاهراتها وذلك تعبيراً عن سخطها من اجل ان تقول للحكام والعرب: «نحن لا يعجبنا هذا الحال العربي» فلابد ان يكون للموقف الرسمي في نهاية الامر، نوعاً يساير على الأقل الموقف الجماهيري لأن قضية فلسطين هي الأمن القومي اذا ضاعت فلسطين تعرض هذا الامن للدول العربية الى مزيد من الاخطار هذا ما نقوله. واصبح الشعب الفلسطيني مشروع شهادة دائماً، فلماذا لا يقدم العرب له السلاح والمال والدعم؟ لا تطلب من الحكام العرب ان يقوموا بمعارك مسلحة ومواجهة، حتى لا يقال ان ثمة تخوفاً في هذه الحالة من دخول امريكا الى المعركة. لم يحزموا أمرهم ـ وعن رأيه بما يتردد بأن السلطة الفلسطينية لم تعد تبدي كما من قبل تشدداً في وجوب العودة يقول القدومي: ـ الذي حصل ان الأخ ابو عمار، رأى ان عودة اللاجئين حق يأخذ بعين الاعتبار مخاوف اسرائيل الديمغرافية هنا يصبح الامر مختلفاً، اذ ان الحديث عن انه يجب ان نأخذ في اعتبارنا الحاجات الديمغرافية او السكانية لاسرائيل. بمعنى آخر نتساءل: هل يمكن للاجئين الأربعة ملايين ان يعودوا دفعة واحدة؟ هذا ليس سهلاً، علماً ان العودة حق وامر هام كما قلنا لذلك فإن الحديث عن عدم التشدد في العودة هو اجتهاد خاطئ لكن البعض يطرحونه، ونحن نسمعه ونناقشه من باب احترامنا للديمقراطية وبالرغم من كل ما يقال اكرر ان العودة بالنسبة لنا تبقى أهم من اقامة الدولة ان اعود الى يافا مثلاً فهذا اهم من الدولة لكن الآخرين يقولون عكس ذلك تماماً فهم لا يريدون لا اقامة الدولة ولا عودة اللاجئين ايضاً. لم يستطع الاسرائيليون حتى الآن ان يحزموا امرهم ويحددوا كيف يمكن ان يكون الحل هل هو الدولة الفلسطينية؟ هل تنضم هذه الدولة الى الاردن؟ هل هي دولة تنضم الى اسرائيل وطبعاً ستكون نسبة السكان متساوية تقريباً؟ الاسرائيليون لم يحسموا امرهم حتى الآن، كانوا يريدون ان يحزموا الامر من خلال قمع الانتفاضة ولكنهم بدأوا يدركون انه من الصعب على التمرد الوطني ان يحل او يقمع (بضم الياء) هذه هي تجارب العالم وبالتالي فإن على الاسرائيليين ان يلجأوا الى الحل السياسي وسوف يجبرون رغم انوفهم على هذا الحل».