بيان الاربعاء:اضحى يوم الحادي عشر من سبتمبر يوما تاريخيا بالنسبة للعلاقات الدولية وعلى الأخص المفاهيم السياسية، فما كان مباحا ومتاحا قبل ذلك اليوم أضحى غير ذلك، وما كان غير ذلك أضحى كذلك، فمفهوم «الإرهاب» اتسع ليشمل ممارسات كانت غير واردة من قبل وأصبح فضفاضًا لأوسع الحدود، وفي المقابل انحسر مفهوم «السيادة» ليصبح ضيقًا أكثر مما مضى، ولم يعد أحد يستطيع استخدام مصطلح «عدم التدخل في الشئون الداخلية»، فضلاً عن اختلاط المفاهيم فلم يعد هناك فرق بين «الإرهاب» الذي هو مفهوم مستهجن ومرفوض، وحق الشعوب المحتلة في الدفاع عن كرامتها والنضال من أجل عودة أراضيها وحق تقرير مصيرها، والتفسير الدقيق، لذلك فإن عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر لم يعد هو نفسه عالم ما قبل ذلك اليوم. ومما أفرزته هذه الأزمة من اختلاط في المفاهيم السياسية والتصورات لدى الدول الغربية وكان له تأثيره السلبي على الإسلام والمسلمين كما يلي: 1- عدم التفرقة بين الإرهاب الذي هو عمل مستهجن من قبل الأديان السماوية وخاصة الإسلام، والدفاع الشرعي ومقاومة الاحتلال، فلقد انعكست هذه الضبابية في الرؤية على تعاطف الرأي العام الغربي والأوروبي مع الشعب الفلسطيني، حيث انحسر مؤيدو القضية الفلسطينية في الغرب بدرجة كبيرة. 2- الخلط بين العمل الخيري، الذي هو لوجه الله تعالى ومن أجل الفقراء والمحتاجين في جميع أنحاء العالم، وله مؤسساته في كل الدول بما فيها العالم الغربي نفسه- وبين تمويل الإرهاب، حيث أضحت التحويلات المالية من وإلى الجمعيات الخيرية توصف بأنها تمويل للعمل الإرهابي بدون التفرقة بين ما إذا كانت هذه التحويلات اتجهت إلى الفقراء والمحتاجين أم لا؟. 3- الخلط بين طبيعة الإسلام كدين وحضارة وأسلوب حياة، وبين ممارسة صور متعددة من العنف والإرهاب، التي قد يقوم بها أفراد خارجون على القواعد الإسلامية الصحيحة وهذا الأمر وارد في أي مكان وزمان، وهذا الخلط يمثل حالة من عدم المعرفة والتأثر الواضح بالصورة السلبية التي يقدمها الإعلام بصفة عامة والإعلام المرئي بصفة خاصة لجميع العرب والمسلمين، وهي حالة لا تفلح في إصلاحها التصريحات الودية التي صدرت في الأيام الأولى التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر من قبل الرئيس الأمريكي جورج بوش وعدد من المسئولين تجاه الإسلام، وإن كان مما يلفت النظر أن هذه التصريحات قد حرصت جميعها على الإشارة «للإسلام: كدين سماوي له إسهاماته التاريخية في نهضة البشرية». وما يهمنا هو تأثير أحداث الحادي عشر من سبتمبر على أسلوب تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع المنطقة العربية والخليج العربي بصفة خاصة أو مع العالم الإسلامي بصفة عامة «الذي يمتد من موريتانيا إلى ماليزيا»، وفي هذا الصدد وعلى خلفية هذه الأحداث طُرح سيناريوهان لتعامل واشنطن مع هذه الكتلة من الأراضي الإسلامية هما: السيناريو الأول: ويستند على الاستمرار في دعم الحكومات القائمة مع تشجيعها على إحداث إصلاحات تدريجية وجزئية، لكن هذا الخيار لم يمنع استمرار بعض الأصوات الغربية التي تطعن في شرعية كثير من تلك الحكومات، وتتهمها بالمبالغة في اضطهاد خصومها وعدم احترامها حقوق الإنسان، وإفراطها بدعم الفساد الاجتماعي والمالي، واعتبرت هذه الأصوات أن شيوع تلك الممارسات من شأنه أن ينمي مظاهر الاحتجاج، ويساعد على توليد حركات التطرف والعنف وتقويتها، وفي أثناء الضربة الأمريكية لبن لادن والقاعدة وطالبان عاد الحديث عن مدى أهمية الإصلاحات الديمقراطية لكسب المعركة ضد :الإرهاب: على رغم أن الجناح العسكري داخل الإدارة الأمريكية إلى الآن يؤمن بالخيار الأمني ويرى فيه الأسلوب الوحيد لمحاربة :الشياطين الجدد. السيناريو الثاني: ويستند على الربط في التعامل مع دول المنطقة بين الإصلاحات السياسية والإصلاحات الاقتصادية، فالأفكار السابقة التي كانت متبعة مثلاً في الشراكة الأمريكية - المغاربية أو الشراكة الأورومتوسطية كانت تفصل تمامًا بين التطورات والتحولات الاقتصادية نحو الخصخصة وبين التحولات الديمقراطية في دول الجنوب المتوسطي، لكن بعد أحداث سبتمبر طرحت أفكار أمريكية خاصة من قبل مارتن انديك، تؤكد أن :الاعتراف بديناميكية التغيير في مجتمعات تقليدية كان في الماضي أمرًا يخل بالتوازن وطالب المسئول الأمريكي السابق الدول العربية والصديقة لأمريكا أن تعلم أن الإصلاحين الاقتصادي والسياسي سيكونان جزءًا متكاملاً في جدول الأعمال الأمريكية معها، علمًا بأن انديك في عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون لم يكن متحمسًا لربط لبرلة الاقتصاد العربي بالديمقراطية السياسية. خيار سلبي لكن فكرة الخيار الديمقراطي الأمريكي بهذا الطرح الخارجي يشوبها عدة مسالب هي: 1- أن الديمقراطية عملية ذاتية وتراكم نضالي، تحدده بالدرجة الأساسية معطيات الصراع الداخلي، وتوافق القوى الداعية إلى التغيير ولا يمكن في أي حال أن تكون خيارًا مفروضًا من الخارج. 2- أن الديمقراطية لا تعني بالضرورة قبول السياسات الأمريكية، خصوصًا إذا تضاربت مع المصالح الوطنية والقومية، فالعملية الديمقراطية خيار ذاتي مستقل عن الإملاءات الأمريكية. 3- أن الديمقراطية لا تؤدي بالضرورة إلى انتفاء العنف وتبخر ظاهرة الإسلام السياسي، فهاتان الظاهرتان تتأثران بالمناخ السياسي العام، وبدرجات الظلم والقمع المسلطين على الشعوب، لكن لها جذور اجتماعية وثقافية تتطلب البحث والمراجعة والقيام بإصلاحات موازية للإصلاحات السياسية. وفي غضون هذه الأطروحات الأمريكية للتعامل مع المنطقة طُرحت أيضًا أفكار أخرى في الغرب ضمن الدراسات والتحليلات التي صدرت خلال هذه الأيام تشير جميعها إلى أن مقولة :صموئيل هنتنجتون: عن صدام الحضارات لم تعد مجرد رأي أو دراسة أكاديمية وإنما تحولت إلى ما يشبه الاستراتيجية الغربية الجديدة في التعامل مع المنطقة العربية والإسلامية، وفي هذا الصدد يشار إلى الآتي: 1- كتب رئيس تحرير :إنترناشيونال هيرالدتريبيون: مؤكدًا أن النظام العالمي الجديد هو صدام الحضارات وأنه لابد من وضع حد للوهم الذي يفرق بين الإسلام - كدين وحضارة - والإرهاب. 2- أكد المدعي العام الأمريكي :جون أشكروفت: في مقابلة مع الصحف والمعلق الإذاعي كال توماس أن الإسلام يعد دينًا يطلب فيه الله منك أن ترسل ابنك ليموت من أجله، ولكن في الديانة المسيحية فإن الله يرسل ابنه ليموت من أجلك:، وقد أذيعت تصريحات أشكروفت لأول مرة يوم 9نوفمبر 2001، وعلى الرغم من مطالبات الأمريكيين العرب والمسلمين الأمريكيين لأشكروفت بالتوضيح أو الاعتذار، فإنه لم ينف هذه التصريحات ولم يعتذر عنها. 3- ومن ناحية ثالثة كتب المرشح للانتخابات الرئاسية الأمريكية باتريك بوكانان مدير مؤسسة قضية أمريكا: مقالاً استشرافيًا تحليليًا عن الحرب التي تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية ضد الإرهاب، نشر باللغة الإنجليزية في منتدى البرافدا على الإنترنت وخلص - بناءً على :حتمية: مصير أي صراع عقدي - إلى انتصار المد الإسلامي وتساءل في البداية هل ستندلع حرب الحضارات؟، ويوضح أن عددًا ليس بالقليل من الأشخاص في العالم الإسلامي وفي الغرب يعتقدون بذلك، بل إنه - كما يقول على حد تعبيره «ويتمنونه بشغف». وفي هذا الصدد يشير محللون عرب إلى أن مقولة «صدام الحضارات» قد انتقلت من مجال الممكن إلى مجال المحتمل بالنظر إلى عدد من التطورات في المنطقة هي: 1- الحملة الإعلامية الأمريكية ضد المملكة العربية السعودية ومصر، حيث راحت هذه الحملة تأخذ أبعادًا مختلفة في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي مستهدفة أنظمة الحكم العربية وخاصة النظام السعودي ونظام التعليم والحياة الاجتماعية والثقافية، بل حتى الدين وأركانه، ولم يقف الهجوم عند هذا الحد، بل تجاوز ذلك إلى احتجاز واستجواب مئات السعوديين من الدارسين والزائرين للولايات المتحدة الأمريكية، ومازال العشرات منهم رهن الاعتقال دون أي اتهام، وكان ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز قد انتقد هذه الحملة عدة مرات ووصفها بأنها تنم عن كره للإسلام والقرآن، كما أشار إلى أنها تضع العلاقات الأمريكية السعودية على مفترق طرق. 2- ما أطلق عليه الرئيس الأمريكي بوش الابن «محور الشر» والذي قال إنه يتكون من العراق وإيران وكوريا الشمالية، ويقول المحللون إن كوريا الشمالية جاءت ضمن هذا المحور كتغطية رسمية أمريكية على فكرة أن واشنطن ضد الإسلام والمسلمين، كما أن كلمة محور تعني وجود تنسيق وعلاقات سياسية وعسكرية وثيقة بين أطراف المحور وهو ما يغيب تمامًا في هذا الوصف «محور الشر». 3- ما يحدث الآن من تردٍ للأوضاع على الصعيد الفلسطيني والتأييد الواضح والمطلق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لمخططات إرييل شارون، ووصف ما يحدث من انتهاكات يومية لحقوق الشعب الفلسطيني بأنها دفاع إسرائيلي عن النفس، ومطالبات واشنطن من الرئيس عرفات بمحاربة «الإرهاب الفلسطيني» رغم حصاره وضرب المؤسسات الوطنية الفلسطينية والمنازل والانتهاكات اليومية المستمرة للشعب الفلسطيني. مطالب امريكية إلا أن الأكثر خطورة مما سبق هو ما نشرته وأذاعته وسائل الإعلام العربية والعالمية حول التوصيات الأمريكية للبلدان العربية بتحديث التعليم الديني في العالم العربي، انطلاقًا من أن «المعاهد الدينية أصبحت معملاً لتفريخ الإرهابيين»، ودعوات أخرى على استحياء لمنع تدريس بعض الآيات القرآنية التي يقول الأمريكيون إنها تحض على الإرهاب وتغذي العنف، وانطلاقًا مما سبق فإنه من الأهمية بمكان تناول السياق الدولي والإقليمي الذي جاءت في ظله مثل هذه الدعوة، ثم تحليلها وتقويمها من وجهة نظر عربية من خلال تناول واقع التعليم الديني في العالم العربي، وردود الأفعال العربية الرسمية والشعبية والدينية من خلال تبيان مدى مشروعيتها وخطورتها على الأمن الداخلي للبلدان العربية. ففي الواقع، وبادئ ذي بدء، فإن هذه الدعوة جاءت في ظل دعوات عربية مماثلة لإصلاح التعليم الديني في المنطقة، ولقد شملت هذه الدعوات دولاً عربية رئيسية في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية ومصر، وفي هذا الصدد يشار إلى الآتي. 1-ـ تشكيل مجلس الشورى السعودي لجنة عمل تضم أعضاء اللجنة الرسمية المتخصصة المؤلفة من مديري الجامعات ووكلاء بعض الوزارات المعنية بشئون التعليم، المكلفة دراسة سبل تطوير إصلاح مناهج التعليم إضافة إلى بعض الأعضاء في المجلس ممن لهم علاقة مباشرة بنتاج العملية التعليمية، وستركز اللجنة على الأهداف التالية: أ دراسة خطوات تغيير مناهج التعليم والأهداف التي تحقق الغايات. ب ـ تقديم أسس علمية منهجية لنوعية المتلقي المطلوب في الأعوام المقبلة. جـ ـ إعادة رسم الاستراتيجية التعليمية بصورة شاملة في المملكة العربية السعودية خصوصًا أن نتائج التعليم غير متوافقة مع متطلبات سوق العمل. يذكر أن خطوات تطوير مناهج التعليم العام في السعودية كانت قد بدأت في بداية السبعينيات لكنها قوبلت بكثير من الجدل ولم تنته إلى نوعية الطالب والمطلوب لسنوات التسعينيات وما بعدها. 2- ومن ناحية ثانية يواجه التعليم في الخليج والعالم العربي تحديات العولمة وما تفرضه من ضغوط دون الاستعداد أو الوعي للتعامل معها من جانب الحكومات أو المسئولين عن التعليم، وفي هذا الصدد يشار إلى المنافسة غير المتكافئة بين نوعين من التعليم في المنطقة: التعليم الخاص والتعليم العام. فالتعليم العام «الرسمي» يتم باللغة العربية ويركز على اللغة والتعليم الديني، في حين يتم التعليم في المدارس الأجنبية باللغات الأجنبية خصوصًا الإنجليزية وإلى حد ما الفرنسية وبذلك يكون الباب قد انفتح على مصراعيه للمنافسة غير المتكافئة بين المدارس الخاصة والأجنبية التي تتوفر لها كل الإمكانات الفنية والمادية والتربوية، والتعليم الرسمي الذي يقل الاهتمام به من حيث المباني والمختبرات والملاعب أو من حيث المناهج واللغات ومستوى المدرسين، مما يرجح الكفة لصالح التعليم الأجنبي الذي يخلق الفرصة الوظيفية المناسبة في المستقبل. ولكن التحدي الخطير الذي يفرضه هذا الأمر هو التعددية الثقافية التي لها مخاطرها المستقبلية في ظل قصر التعليم الرسمي على أبناء الفقراء وذوي الدخل المحدود والذين لا تسمح لهم إمكاناتهم بإلحاق أبنائهم بالتعليم الآخر، مع تجاهل المدارس الخاصة تعليم اللغة العربية، وهذا أمر يثير الكثير من الجدل، إذ إن الدول الكبرى تفرض تعليم لغاتها في المدارس الأجنبية، وبذلك يكون المستوى الفني والتأهيل الممتاز لخريجي التعليم الخاص والأجنبي على حساب اللغة والهوية الدينية والقومية، فيما يكون لخريجي التعليم العام الهوية واللغة والدين مع ضعف الإمكانات الفنية والتعامل على مستوى السوق، وهو ما يحمل مخاطر تقسيم المجتمع وتهديد استقراره الاجتماعي وهويته القومية والدينية. 3- الوعي الخليجي العام بضرورة تطوير المناهج التعليمية من خلال الاستفادة من خبرات الآخرين مع الاحتفاظ بالهوية الوطنية، وفي هذا الصدد يجري مكتب الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» للتعليم الدولي حوارًا مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية حول برنامج لتطوير مناهج التعليم في دول المجلس الست، ويشمل هذا البرنامج تدريب المدرسين مستقبلاً، ومن المتوقع أن يشمل أكثر من خمسة ملايين تلميذ، ومن المتوقع في هذا الصدد أن يتم قريبًا توقيع مذكرة تفاهم بين اليونسكو والمكتب العربي للتعليم في دول الخليج العربية الست ومقره الرياض. 4- ومن ناحية رابعة يموج العالم العربي من شرقه وغربه بدعوات إلى اعتماد سياسات تعليمية جديدة، فتعديل المناهج التربوية في العالم العربي والإسلامي، أمر سبقت إليه دوائر إسلامية «حكومية وشعبية» ولكن من منطلقات تغاير المنطق الغربي، فقد رأى المعنيون والمسئولون في المناهج التعليمية العربية صورة هزيلة ومتخلفة عن سياسات التنمية الواجبة التي تتبناها البرامج الحكومية دون تحقيق تقدم سريع في ميدانها، بل إن الشكوى ارتفعت متهمة النظام التعليمي بإدارة التخلف في صفوف الأجيال الصاعدة. التمسك بالاساليب التقليدية وفي هذا الصدد، وضمن أسلوب نقد الذات، يرى وزير المعارف السعودي د. أحمد الرشيد أن التعليم في السعودية يجب «تغييره وهجره» لأنه يعتمد على كثرة المناهج واعتمادها على الكم، وعدم ملاءمة المدارس المستأجرة للتحصيل العلمي والتي تزيد نسبتها على 70% من مجموع المدارس، فضلاً عن انتقاده ضعف مستوى المعلمين، وغياب برامج تدريبهم، وزيادة أعداد الطلاب في الفصل الواحد، والتمسك بالأساليب التقليدية في الامتحانات. 5ـ ويلاحظ أن الأمر لا يقتصر على الدعوات لإصلاح التعليم بصفة عامة وتطوير التعليم الديني منه بصفة خاصة، بل تشهد المنطقة العربية والخليجية أيضًا دعوات لإعادة النظر في أوضاع أئمة المساجد والخطباء، فالمسجد وسيلة دينية وإعلامية مهمة وخطيرة في آن واحد، وخطب الأئمة يستمع إليها مليارات المسلمين كل يوم جمعة، وهي فرصة نادرة للتوعية والوعظ، وربط الدين بالحياة وبالعمل وبالمشكلات الجديدة، وبإظهار روح الإسلام كدين وسط، يرفض التطرف ويحافظ على حياة الإنسان، ويحترم الآخرين ومعتقداتهم، انطلاقًا من هذا ولأنها مهمة خطيرة فإنه يجب أن يتصدر لها من لديهم الدراية والعلم والثقافة العامة، وهذا يتطلب إعادة نظر في طريقة إعداد الدعاة والأئمة بحيث يحصلون على العلم الشرعي، وعلى العلوم الحياتية الجديدة ويفهمون الدين بعيدًا عن الغلو والتطرف. الرافضون هناك اتجاهان في العالم العربي يتعارض في الرؤية بشأن التعامل مع المطالب الامريكية وهو ان الاتجاهين يرواحان بين الرفض المطلق وبين التأييد لهذه المطالب. ويتبنى الاتجاه الرافض بعض العلماء السعوديين وبعض علماء الأزهر وعلى رأسهم د.محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الأزهر الشريف، وهم يطرحون الحجج التالية: 1 ـ إن المناهج الدينية لها خصوصية معينة، فمثلاً المناهج الدراسية السعودية تخضع للمراجعة والتقييم بين فترة وأخرى كما أن المناهج الدينية وعلى مدى سبعين عامًا ماضية منذ بدء التعليم الابتدائي في المملكة لم يلحظ عليها أنها تولد الانحراف أو تحرض على الإرهاب وإنما كما يؤكد المسئولون السعوديون، هي مناهج متوازنة فيها إيضاح للعقيدة الصحيحة التي هي أساس الدين بعيدًا عن الغلو والانحراف، ومن ثم فإن هذه الأساسيات لا يمكن التنازل عنها أو تغييرها. 2 ـ إن التغيير حكر على جهات معينة، فالإمام الأكبر د.محمد سيد طنطاوي - شيخ الأزهر - قال إن مناهج الأزهر حكر على مشيخة الأزهر وحدها وأنه ليس لأحد كائنًا من كان أن يتدخل فيها بالإضافة والحذف أو التغيير، مؤكدًا - فور مطالبة أمريكا للدول العربية والإسلامية بتغيير المناهج الدينية -سلامة المناهج الدينية التي تدرس في جميع المراحل التعليمية في الأزهر الشريف من أي دعاوى للتطرف والإرهاب. 3 ـ إن تلك المطالبة تكشف عن أن الولايات المتحدة دولة غير ملتزمة بقواعد القانون الدولي لتدخلها في شئون الدول الأخرى وهو أمر محظور في القانون الدولي، وكذلك تدخلها فيما لا يعنيها وهي مناهج التعليم الإسلامي. 4 ـ إن هذه الدعوة تمثل ضربة في جوهر الأمة الإسلامية، وهي لا تتعدى كونها صراعات مصالح، فتلك المصالح الأمريكية في المنطقة لا يمكن أن تسير على قدميها بدون أفكار وأيديولوجيات، كما كان الحال في الصراع بين الرأسمالية والشيوعية، وكانت العقائد دائمًا هي الأداة والأقدام التي تسير عليها الرغبات الأمريكية في تحقيق مصالحها العالمية، وكما يقول المفكر الإسلامي د. محمد عمارة «إنهم يريدوننا أن نصلي داخل المسجد وكفى أما نظام الحكم ومنهجه وأساليب ومناهج التعليم فكل ذلك يجب أن يخضع لنظرية الحداثة والعولمة التي تدعو لها أمريكا». المؤيدون اما اصحاب الاتجاه المؤيد فيؤكدون على أنه من المطلوب تطوير المناهج التعليمية وخاصة الدينية منها وذلك بغض النظر عما إذا كان هذا التطوير راجعًا للضغوط الأمريكية أو غيرها، لأن الواقع يتطلب ضرورة ربط المناهج الدينية بقضايا العصر من جوانبها الاقتصادية والتجارية والمالية والمصرفية والسياسية والتكنولوجية. ويشير هؤلاء إلى الأطروحات التالية. 1 ـ يجب الاعتراف بأن عدم مسايرة المناهج التعليمية الدينية للتطورات العلمية والفكرية هو سبب رئيسي في التخلف، وهناك من الدوافع والقناعة الذاتية ما يجعلنا نطالب بإلحاح بإعادة النظر في مناهجنا التعليمية وفي الأسلوب التعليمي المتبع، ومن ثم فلا يضر المناهج الدينية في شيء أن يعاد النظر فيها، فالنصوص المقدسة يعني هي القرآن والسنة، أما المناهج فهي اجتهادات. 2ـ ضرورة طرق أبواب جديدة للبرامج التي تقدمها الجامعات الإسلامية لتتيح مساحة تتزايد عبر الزمن في تحقيق قدر من الإضافة إلى الحصيلة المعرفية للبشر يضعها موضع تقدير من المجتمع العالمي. 3 ـ على المعاهد المعنية بالفروع الدينية أن تسهم ليس بالاستجابة إلى متطلبات سلامة التعامل مع البرامج العلمية فقط بل عليها أيضًا أن تخاطب التفكير العلمي في المجتمعات الأخرى بما يوضح موقف الإسلام من القضايا العلمية المذكورة. 4ـ محاولة الاستفادة من تجارب دول جنوب شرق آسيا في إصلاح وتطوير نظامها التعليمي، من خلال الحفاظ على الهويات والقيم الثقافية الذاتية، حيث استطاعت أن توظف قيمها الذاتية في تحقيق التقدم العلمي والثقافي وهو المضمون الثقافي للتعليم الديني الذي يقضي بضرورة تفتيح أذهان الشباب على كيفية النهل من الثقافات الأخرى دون المساس بالقيم الذاتية. وإذا كان كل اتجاه من هذين الاتجاهين له ما يبرره، فإن الضرورة الإنسانية الملحة تقتضي أن تتضافر جهود المجتمع الدولي، حكومات ومؤسسات ومفكرين ومثقفين وكل صانعي القرار في مختلف المجالات وموجهي الرأي العام لإعادة الاعتبار لقيم المحبة والتسامح والتعاون على ما فيه الخير لجميع شعوب العالم. وفي هذا الصدد تتحمل المنظمات والهيئات والشخصيات المعنية بقضايا السلم والأمن الدوليين وبقضايا العدل والإنصاف واحترام حقوق الإنسان وصيانتها وترسيخ القيم الحضارية وإشاعة روح الأخوة الإنسانية وتتحمل هذه الأطراف القسط الأوفر من المسئولية، إنقاذًا للمصير الإنساني، وحفاظًا على تراث الحضارة الإنسانية الراهنة، واحترامًا لمبادئ القانون الدولي التي هي خلاصة عطاء مبادئ الأديان السماوية وخبرة العقول المفكرة والضمائر النيرة في مختلف العصور.