بيان الاربعاء: رغم الضحكة البلهاء التي يطلقها جزافا هنا وهناك، بمناسبة ودون مناسبة لاخفاء ما يعاني من كمد كثير واكتئاب عميق، فان شارون محاصر تطلق عليه السهام من مختلف الاتجاهات، وهو في ورطة، كان يظنها مهمة يسيرة عندما زايد اثناء الحملة الانتخابية وارغى وأزبد متوعدا الفلسطينيين باقصى قمع واشد عقاب. وطمأن الاسرائيليين بتحقيق الامن في غضون مئة يوم ان هم منحوه كرسي الحكم وازاحوا عنه «المتخاذل» باراك، وكان لشارون «البلدوزر» كما يجب ان يكنى ما اراد فقد حصد اعلى الاصوات وحصل على ثقة غير مسبوقة من الناخبين الاسرائيليين المذعورين الذين اختاروه «مخلصا» لهم. واصبح شارون، اخيرا، رئيسا للحكومة ومحط الامال الاسرائيلية. حاول شارون بكل ما اوتي من عقلية يمينية متطرفة، وعزيمة قمعية تخريبية وبمساندة فاعلة من رئيس اركان حربه موفاز، ان يحقق «الخلاص» للاسرائيليين بان يطوع الفلسطينيين ويضع حدا لمقاومتهم، وينهي انتفاضتهم كان دائما يكرر هو وموفاز بأن المواجهة الحالية مع الفلسطينيين هي «أقسى حرب تخوضها دولة إسرائيل منذ قيامها، ويجب تحقيق النصر فيها». لذلك انبرى كلاهما، وبتأييد سياسي وشعبي اسرائيلي عريض، لتلقين درس للفلسطينيين، وابتدأ الجيش بتصعيد خطواته المتدحرجة التي بدأها في عهد حكومة باراك السابقة، مروراً بخطة «حقل الاشواك»، وصولاً إلى «رحلة» اجتياح المخيمات «بالألوان»، وأثناء «التدحرج» استخدم شارون ضد الفلسطينيين كل ما في جعبته من اجراءات موضعية، فقد حاصر وأغلق مدنا وقرى وعزل مناطق، وهدم بيوتاً وجرف آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية، وكثف استخدام الطائرات والمروحيات الحربية لتدمير البنية المؤسسية «خاصة الأمنية» للسلطة الفلسطينية، واغتيال الناشطين الفلسطينيين. واكثر من التوغلات الآنية لوحدات من جيشه المدرع في مناطق وأحياء مختلفة من المدن والبلدات الفلسطينية، وصعد من عمليات قصفها والتنكيل بالمدنيين، حتى وصل إلى الاجتياح المتوالي للمدن والمخيمات الفلسطينية، بما فيها رام الله، حيث يقبع الرئيس الفلسطيني محاصراً منذ أشهر. لقد أراد شارون من كل ذلك ان يحقق أهدافه الاستراتيجية المركزية المتمثلة بإنهاء الاتفاقات الفلسطينية -الإسرائيلية السابقة، وتقويض أركان السلطة الفلسطينية، وإنهاء الدور السياسي المركزي لعرفات، وذلك من أجل إجبار الفلسطينيين على القبول بتسوية جديدة تتشكل وفقاً لشروطه وتكون على هواه. رغم كل هذه الإجراءات الشارونية القمعية المتتالية والمتصاعدة وصلت سياسة شارون إلى طريق مسدود. فلا هو استطاع تطويع الفلسطينيين رغم كل قمع وارهاب آلته العسكرية، ولا استطاع تحقيق الامن للإسرائيليين.بل على العكس تماماً، فقد تصاعدت الانتفاضة حتى أضحت حرب استنزاف بكلفة باهظة لإسرائيل، وارتاع الإسرائيليون خوفاً وهلعاً، بينما ازداد الفلسطينيون جرأة وجسارة مكنتهم من اختراق حاجز الهيمنة العسكرية والتفوق النفسي للإسرائيليين على مجريات الصراع، وتحقق للفلسطينيين، لاول مرة، توازن ردع خاص، ولكنه مؤثر مع إسرائيل.إنها حرب الاستقلال الفلسطينية التي لم يستطع شارون ان يكون حتى الآن« مخلص» إسرائيل منها لقد فشل وفشلت السياسة التي اتبعها حتى الآن. بعد اعتقاده أن رئاسته للحكومة ستكون مهمة سهلة، وبمثابة «نزهة ممتعة» ، جر الفشل على شارون تبعات سلبية كثيرة.فقد اندحرت مكانته عند الإسرائيليين، وانحسرت الثقة بسياسته، وتقلص التأييد الذي ابتدأ به من 70 % إلى ادنى من 40%، ومع ان سياسته أدت إلى عودة الروح إلى فئات يسارية لا تزال هامشية التأثير في المجتمع الإسرائيلي، فان عصب التذمر منه جاء من صلب النواة اليمينية الإسرائيلية، معقله المفضل، وبيته الذ كان يظنه حصيناً.فقد اتهمته هذه الأوساط بالتراخي والتخبط وعدم المقدرة على معالجة «المحنة»، واشتدت مطالباتها له بضرورة الحسم والحزم مع الفلسطينيين.وبدأ شارون ينظر حوله ليجد ظل نتانياهو متربصا به من كل اتجاه فقد قام الأخير بانتهاج مبكر لخط متشدد يدعو إلى ضرب السلطة الفلسطينية وطرد رئيسها. وأحب الكثير من الاسرائيليين سماع هذه الشعارات، وبدأت استطلاعات الرأي تظهر تفوقا متنامياً لنتانياهو على شارون، وقد أدى كل ذلك، إضافة إلى تدهور الحالة الاقتصادية في إسرائيل وما آلت إليه من تأثيرات اجتماعية سلبية، إلى تزايد الخلافات داخل الائتلاف الحاكم، والى حدوث بعض التصدعات المقلقة لشارون المعني بالحفاظ على أعرض قاعدة ائتلاف ممكنة.وبالطبع لا يخلو الأمر من تنكيدات لحزبي العمل وشاس، و «فلتات» من بيريز، ومزاحمات من بن اليعازر.كل ذلك يأتي ليحاصر شارون ضمن أجواء دولية وإقليمية لم تعد كما كانت موالية ومواتية دون ادنى تحفظ أو انتقاد. اذن شارون في ورطة، وهو مهدد، ان لم يغير سياسته بسرعة، ان تنهار حكومته خلال أشهر معدودة، وأن تتم انتخابات مبكرة سيكون نتانياهو له فيها بالمرصاد.ولكن لأن شارون ليس من نوعية القادة الذين من الممكن لهم الاعتراف بالفشل والتنحي، ولأنه لا يريد منافسة انتخابية جديدة يدخلها من موقع ضعف قد يطيح به كما اطاح هو بباراك، فانه سيحاول بإصرار القيام بكل ما يتطلبه الحفاظ على منصبه الحالي لأطول فترة ممكنة، ولتحقيق ذلك عليه ان يغير أسلوبه في المواجهة مع الفلسطينيين، لان الطريقة الموضعية المتدحرجة التي اتبعها حتى الان لم تحقق الا عكس ما وعد به الاسرائيليين، فدخول قواته، على سبيل المثال الى منطقة ما «مخيم، قرية، مدينة» وعزلها وتمشيطها لم ينجج في اصطياد المقاومين الفلسطينيين لانهم كانوا دائماينسابون من هذه المنطقة الى منطقة مجاورة. ولكن بعد كل الماء الذي جرى تحت الجسر خلال اشهر هذه المواجهة المديدة، لم تعد الخيارات امام شارون فسيحة، بل انحصرت في ثلاثة فقط. يتمثل الخيار الاول باعتراف شارون ان الحسم العسكري ضد المدنيين غير ممكن وان عليه لذلك القبول بالدخول مباشرة في مفاوضات سياسية نوعية على خلفية القبول بمبدأ انهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، ضمن حدود العام 1967 «او باجراء تعديلات حدودية تبادلية طفيفة». ولكن لان شارون هو شارون، بمنطلقاته العقائدية ورؤيته الاستراتيجية وحساباته السياسية، فان هذا الخيار يبقى نظريا فقط، ولا يحتمل ان يقدم عليه «البلدوزر» على الاطلاق. فمقومات هذا الخيارتعتبر ضمن دائرة المحرمات الشارونية، ولن تحقق له المبتغى السياسي المطلوب ضمن اجواء نزوع المجتمع الاسرائيلي نحو اليمينية. اما الخيار الثاني فيتمثل بتصعيد شارون، باسناد وتشجيع من موفاز للحملة العسكرية ضد الفلسطينيين، وذلك بان يتم تحين الفرصة لمناسبة كان تأتي بعد قيام فلسطينيين بسلسلة تفجيرات داخل المدن الاسرائيلية يقتل من جرائها عدد من الاسرائيليين، ليقوم الجيش بحملة عسكرية موسعة يعيد خلالها احتلال مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تحديدا وليس في غزة التي ستتركها اسرائيل بمجملها عند الوصول الى تسوية، وتأتي اعادة الاحتلال دفعة واحدة ولمدة طويلة نسبيا، وليس كما تمت عليه الحال حتى الان، منطقة تلو منطقة ولمدة ايام فقط لكل اجتياح، وسيعلن شارون ان هذا الاحتلال سيكون احترازيا مؤقتا لا تستهدف اسرائيل منه البقاء في المناطق الفلسطينية بل سيستمر حتى تتمكن قوات الجيش من «تطهير» المناطق من المخربين والارهابيين «وتفكيك» المنظمات الارهابية وجمع السلاح وذلك لانه لم يعد بامكان اسرائيل العيش بامان ولكون السلطة الفلسطينية لم تقم بواجباتها بل اصبحت كيانا داعما للارهاب، وخلال هذه الحملة الاحتلالية، والتي قد تستمر شهورا، سيقوم الجيش الاسرائيلي بعملية تمشيط شاملة، قد تأخذه من بيت الى بيت، ليقوم بجمع الرجال والسلاح ومن الممكن ايضا ان يستغل شارون الفرصة وان يتعامل مع قيادات فلسطينية يعتبرها متشددة املا ان يؤدي املاء الفراغ الى بروز قيادات جديدة مرنة. قد يعتبر الكثيرون هذا الخيار ضربا من الخيال، ولكن المتابع لسيرة ومسيرة شارون الشائكة والاستفزازية لا يمكن ان يستبعد لجوءه الى مثل هذا الخيار، بل قد يكون هذا الخيار هو الامثل والاحب اليه، كونه يحقق اهدافه الاستراتيجية واطماعه السياسية، لانه يرضي اليمين الاسرائيلي العريض، ويكبح امال نتانياهو في آن واحد. وقد تكون قضايا تكتيكية في اعتبار شارون هي التي تحول بينه وبين تنفيذ هذا الخيار حتى الان، كالخسارة الاسرائيلية المتوقعة بين جنوده والتي قدرتها هيئة الاركان الاسرائيلية بـ 300 قتيل مقابل 3000 فلسطيني، ومعارضة حزب العمل والجيوب اليسارية الاسرائيلية لمثل حملة كهذه، واعتراض الاوساط الدولية والاقليمية وتألب الرأي العام العالمي ضد اسرائيل، ولكن يجدر التنويه الى ان امثال شارون يصبحون اخطر عندما يقعون في ورطة، لان لا شيء يمكن ان يردع هيجانهم، ولهذا السبب فان احتمالية لجوء شارون لتنفيذ هذا الخيار في المستقبل المنظور واردة، ويجب عدم اغفالها او اهمالها. اما الخيار الثالث، وهو تكتيكي مرحلي يبدو ان شارون آثر اختياره لعبور هذه المرحلة، فيتلخص بسعيه للحصول على وقف مديد لاطلاق النار مع الجانب الفلسطيني مقابل تقديم تنازلات واستجابات شكلية لمطالب فلسطينية ليست جوهرية، مثل التنازل عن سكون السبعة ايام، وانهاء التوغل في مناطق السلطة الفلسطينية وسحب الدبابات منها. وقد وجد شارون ان هذه «الانحناءات» لا تصيب جوهر سياسته ولن تعطل استراتيجيته، ولكنها يمكن ان ترضي الفلسطينيين، مبدئيا، فيحصل على هدوء نسبي مرحلي يمنحه فسحة من الضغوط الداخلية المتصاعدة فيعود ويتصلب لاحقا. بالاضافة الى ذلك، جاءت هذه الخطوة الشارونية لتكسب ود الادارة الامريكية التي تحتاج الى فترة هدوء على هذه الجبهة من اجل ان تفتح جبهة اخرى، ولتواجه المطلب الاوروبي في التهدئة، ولتقتنص مبادرة عربية ايجابية تجاه اسرائيل لا يريد شارون ان يلام على تضييعها. لكل ذلك جاءت مهمة زيني لتكون مهمة تكتيكية اسرائيليا وامريكيا، لتستحصل وقفا للانتفاضة مقابل الرؤية الامريكية الغامضة بشأن الدولة الفلسطينية، ومع ان زيني قد ينجح مرحليا في استبعاده ان تشكل المدخل المطلوب لايجاد الاستقرار المأمول في المنطقة، ويجب ان لا ننسى ان هذه المهمة قد تقود انسانيا بعد استنفاد مخزونها اسرائيليا وامريكيا، الى عودة شارون الى تنفيذ خياره المفضل :خيار الاحتلال الاحترازي المؤقت. هكذا يمكن فهم مهمة زيني ووضعها في السياق لذلك وجب الحذر ، فشارون «البلدوزر» ليس على مفترق طرق، بل يسير على طريق باتجاه واحد فقط.