بيان الاربعاء: لم أتفاجأ حين سمعت خطابات متشددة وعرمرمية، تذكرنا بالخمسينيات من القرن العشرين، في قمة بيروت، ولم أتفاجأ حين صدرت، رغم ذلك، قرارات معتدلة أشد الاعتدال، لمن يدققون في الكلمات وما وراء الكلمات، وبموافقة أصحاب الخطابات الصاخبة. الخطابات موجهة في الغالب للسوق الداخلي لكل زعيم عربي يرضي بها المشاعر، والقرارات إجماع عربي، ولا يريد هذا القائد أو ذاك، أن يبدو وكأنه يشق عصا الإجماع التي يهشون بها على شعوبهم. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن القول بالنسبة لنا مستقل بحد ذاته، ولا يرتبط بما بعده. لقد عانيت صعوبة بالغة حين كتبتُ مقالاً لصحيفة أجنبية ذات يوم، بعد إجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني في وقت ما من عام 2000م، وَقُلْت إن الأغلبية عارضت في خطاباتها عدم إعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد، ووافقت نفس هذه الأغلبية على قرار عدم إعلان الدولة، في نهاية المداولات. كيف يستقيم ذلك؟. وما حدث في القمة العربية هو جزء من هذه الُسنّة المؤكدة في الخطاب العربي: اللامنطق واللاعقلانية حين يرخي الخطيب العنان لعواطفه، ويؤيد دون أن ينتبه، على سبيل المثال وليس الحصر،قتل المدنيين، وحين تنتهي السكرة: سكرة الإستمتاع بالجمل الثورية وتأتي الفكرة: يوافقون على عكس ما قالوه في صبيحة ذلك اليوم، وأنا سعيد بذلك، فالأمور تقاس بخواتيمها، لقد شهدت هذه «الحالة اللامعقولة»، عشرات المرات في مؤتمرات عربية وفلسطينية، وأصبحت جزءاً من إشكالية «الخطاب السياسي العربي». ما لم ندخل عصر التنوير فإن الأمور ستبقى على حالها إلى ما شاء الله. وأعود لقرارات القمة، فقد تم تبني المبادرة السعودية، دون تغييرات رئيسية وذلك هو الإنقلاب الإستراتيجي الأكبر منذ عام 1974م: عام قمة الرباط إذ تم إعتماد منظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني وقبلها في قمة الجزائر لعام 1973م. الباحثون الجزائريون في الشئون العربية والفلسطينية يشعرون بالغضب حين نتحدث عن قمة الرباط ولا نذكر قمة الجزائر بشيء: أيام حكم هواري بو مدين صاحب الشّعار الشهير: «نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة». إنقلاب لا يستهدف إقصاء المنظمة، بل مساعدتها عربياً في بلوغ أهدافها، التي لم تستطع بلوغها بقوتها الذاتية. كم كان الأمير سعود الفيصل موفقاً وحكيماً حين تحدث عن « المزايدين» الذين يريدون القتال حتى آخر شاب فلسطيني، رغم ضجيج هذه الفصيلة الثورجية على شاشات الفضائيات فيما بعد. يريد سعود الفيصل أن يقول بأن دولة مثل المملكة العربية السعودية مستعدة لإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، بما في ذلك إقامة سفارات في نهاية الطريق، من أجل مساعدة الشعب الفلسطيني في بلوغ أهدافه. ما الذي يجبر بلداً لا حدود له مع إسرائيل لتقديم هذه التضحية. كان يمكنه أن يستمر في الخطابات وتقديم بعض المال والبيانات، كما يفعل الثورجيون العرب، دون أن يتقدموا نحو الحلبة للمصارعة مع الشعب الفلسطيني: حرباً أو سلماً. قلت، إن المبادرة بقيت دون تغيير وكما صاغتها الرياض- بالتشاور الكثيف، حول كل كلمة مع الجانب الفلسطيني وأطراف عربية أخرى، لأن أصحاب الشأن يجب إطلاعهم والتدقيق معهم في كل كلمة. تماماً كما حدث عاما 1982،1981م، فيما عرف بمبادرة الأمير فهد «قبل أن يصبح ملكاً» حيث جرى نفس التشاور حول كل كلمة. تتحدث المبادرة عن «علاقات طبيعية» و(ليس علاقات سلام فقط كما أرادت بعض الأطراف العربية) والعلاقات الطبيعية موازية للتطبيع بإستثناء الأثر النفسي للكلمة : أثر لعين بالنسبة لنا، وأثر سحري بالنسبة لهم. وقضية اللاجئون وجدت صياغة فضفاضة فهي لا تطالب بتطبيق القرار 194نصاً وروحاً، كما كانت القرارات السابقة. بل طالبت بحل عادل يتم الإتفاق عليه- والعبارة الأخيرة مطمئنة لإسرائيل بأن تطبيق حق العودة وحدوده سيتم الإتفاق عليه. والحل يسّتند للقرار 194وهي صيغة لا يعترض عليها «المعتدلون الإسرائيليون» إذ وافقوا عليها في مفاوضات طابا التي لم يتم إستكمالها، بل إنهم تحدثوا بأن تطبيق« الخيارات الخمسة» لكل لاجيء تعتبر تنفيذاً للقرار 194. والعراق تقدم خطوة نحو الإعتدال، كما رجونا قادته في عشرات المقالات وحّذرناهم، بتواضع شديد، من الإصغاء لنصائح «المقاولين الثوريين» الذين يريدون الفوز بمقاولة لتدبيج البيانات العنترية ولو على حساب خراب بيت الشعب العراقي، كما فعلوا مطالع العقد الفارط «حسب تعبير إخوتنا المغاربة» المحك هو التطبيق ولكن الإلتزام أمام قمة العرب ليس موضوعاً ثانوياً. لقد رفض شارون المبادرة العربية وذلك متوقع، لكن د.يوسي بيلين وشيمون بيريز ويوسي ساريد رحبوا بها والبقية على الطريق. ذلك هدف رئيسي للمبادرة فهي موجهة للمجتمع الإسرائيلي، أولاً وقبل كل شيء.