بيان الاربعاء:أقر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الاعتراف الرسمي بالأمازيغية لغة وطنية وإدراجها في الدستور دون اللجوء الى استفتاء، وهو أهم المطالب التي رفعتها الحركة الاحتجاجية في منطقة القبائل منذ اندلاع المواجهات في ابريل الماضي. وقال الرئيس بوتفليقة، في تجمع حضرته أهم كوادر الدولة من حكومة وبرلمان وجيش وأحزاب سياسية عقد مساء الاثنين 12/3 بقصر الأمم في الضاحية الغربية من العاصمة بأنه يتحمل مسئولية اتخاذ القرار والاستجابة لمطالب الحركة في القبائل. وحضر اللقاء أيضا عشرات من ممثلي عروش القبائل الذين شاركوا في الحوار مع الحكومة خلال الشهور الأخيرة لتحديد آليات الاستجابة الفعلية لمطالب القبائل، فيما رفضت الدعوة قيادة الجناح المتشدد وأنصار الحكم الذاتي. وهذه أول مرة في تاريخ البلاد تدعى مجموعات غير معتمدة رسميا لحضور اجتماع من هذا المستوى. ووعد الرئيس الجزائري بالعمل على ترقية الأمازيغية لغة وثقافة بتخصيص اعتمادات لها وتوفير المناخ المناسب لتطورها وتعميمها باعتبارها تراثا مشتركا لجميع الجزائريين. واعترف بوتفليقة بحدوث تطور في فكره بخصوص هذه المسألة. وكان صريحا حين ذكّر الحضور بتصريحه خلال حملة لصالح استفتاء قانون الوئام المدني في خريف 1999حين قال في مهرجان شعبي بمدينة تيزي وزو عاصمة القبائل بأن الأمازيغية لن تصبح لغة وطنية وأوضح بأن «ذلك الموقف أملته الظروف لكن هذه الظروف تغيرت اليوم» على حد قوله . وأثنى الرئيس بوتفليقة على حركة المواطنة وهو الاسم السياسي المستخدم للتعبير عن «العروش» لقدرتها على تأطير غضب الشباب في القبائل وفتح أطر عمل مشترك جنبت البلاد الدخول في متاهات أخطر. وأكد بأن الدولة ستتكفل بجميع من أصيبوا في تلك الأحداث وخصصت تعويضات كبيرة للأسر التي فقدت أعضاء منها. ومع أنه أكد بقاء فرق الدرك الوطني بمنطقة القبائل كونها مؤسسة جمهورية تقوم، تؤدي نفس الوظائف في كامل التراب الوطني، ورمز من رموز وحدة البلاد،كما أشار إلى ضرورة إعادة النظر في انتشار قوات هذه الوحدات بالولايات المعنية بالاضطراب وأكد محاكمة المتسببين في تلك الأحداث من أعوان الدولة المدنيين والعسكريين وقال إن عددا من عناصر الدرك الوطني تمت محاكمتهم وسجنوا بسبب مخالفات ارتكبوها أثناء تلك الأحداث فيما تم تغيير نسبة عالية من الباقي الى مناطق أخرى من البلاد. واعتبر بوتفليقة الخسائر البشرية في القبائل رهيبة والخسائر المادية فادحة. ودعا الى مواصلة الحوار باعتباره السبيل الذي يجنب البلاد ما هو أخطر وأشار ان النكبات كبيرة خلال السنوات الماضية حيث أتى الارهاب على عشرات الآلاف من الجزائريين وخرب الاقتصاد الوطني وأضعف موقف البلاد في المحافل الدولية وعطلها عن أداء دورها كما يجب. وزاد الجفاف والفيضانات مآسي البلاد ثم جاءت معضلة القبائل لتدفع البلاد مزيدا من الضحايا والخسائر. ولم يتعرض الرئيس بوتفليقة كما كان المراقبون يتوقعون الى مسألة الانتخابات البرلمانية المقررة في الثلاثين من مايو المقبل ربما لكونه يريد ان يسجل حدث الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية في مناسبة فريدة قد يحتفل بها سنويا. ردود فعل الحاضرين وقد بدا الجو في قصر الأمم الذي احتضن الاجتماع احتفالا بهيجا وتعانق الحاضرون وتبادلوا التهاني بمناسبة ما اعتبروه نهاية لأزمة طالت وهددت البلاد بالانقسام أيما مرة وأودت بحياة العشرات من أبناء القبائل خلال أكثر من عشرين عاما من كفاح الحركة الثقافية البربرية في مواجهات مع قوات الأمن. وبعد نهاية المهرجان الخطابي استطلعت «البيان» عدداً من الشخصيات الحاضرة حول الموقف من إجراء الرئيس بوتفليقة، فقال عبد الله جاب الله رئيس حركة الاصلاح الوطني وهو حزب إسلامي معارض «لقد كان الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية مبادرة شجاعة من الرئيس بوتفليقة ومن شأنه ان يقلص مساحات التوتر في منطقة القبائل خاصة. لكن يبقى ان التعامل بهذه اللغة والتعليم بها يجب ان يكون بالحرف العربي وليس باللاتيني كما تريد بعض الأطراف. فالأمازيغية والعربية تنتميان الى عائلة واحدة ومن المفروض ان تكتبا بحروف واحدة». وأكد أحمد أويحيى زعيم التجمع الوطني الديمقراطي صاحب الأغلبية في البرلمان والمجالس المحلية ومختلف أجهزة الدولة بأن بوتفليقة استجاب لمطالب شعبية واستطاع ان يختار بحكمته الطريقة التي يلبي بها هذه المطالب، وقال أويحيى إن التاريخ سيكتب لبوتفليقة شجاعته وتحديه للصعاب في هذا المجال. أما خليدة مسعودي النائبة بالبرلمان والعضو السابق في قيادة التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أحد أهم حزبين في منطقة القبائل فأكدت بأن «القرار تاريخي واليوم مشهود ليس لأنه يمثل انتصار الحق وثمرة نضال أصحاب قضية عادلة فحسب ولكن لأنه أيضا يعتبر عاملا رئيسا في تعزيز وحدة الأمة الجزائرية». وقالت خليدة مسعودي: «إن إعلان الرئيس بوتفليقة يشكل مؤشرا للحرية في منطقة المغرب العربي كون الأمازيغية هي لغة سكان كامل هذه المنطقة وليس الجزائر وحدها»، أما عيسى أعراب الناطق الرسمي باسم الجناح المفاوض لـ «العروش» فقال بأن الرئيس استجاب تقريبا لكافة مطالب «أرضية القصر» التي تعمل العروش على أساسها. وأبدى تفاؤلا مفرطا في ان يكون الخطاب الرئاسي بداية لنزع فتيل العنف في القبائل. وتجمع شخصيات من مختلف الآفاق على أهمية القرار الذي اتخذه بوتفليقة في مختلف جوانب معالجة الأزمة في القبائل لاسيما وأنه تبنى القرار مع معارضة عدة أطراف أخرى منها على الخصوص القوى الاسلامية والمحافظين في جبهة التحرير الوطني والقوات المسلحة والتجمع الديمقراطي. تحديات كبرى وينتظر ان يقدم الرئيس بوتفليقة قريبا القرارات التي اتخذها بما فيها منح صفة الضحية لجميع من سقطوا برصاص قوات الأمن في أحداث القبائل والتكفل بذويهم، ليكسب صفة القانون قبل ان يدخل التغيير على الدستور. وأكدت مصادر ان هذه المسائل كلها ستجري بصفة ماراثونية في الأيام القليلة المقبلة وستصفى المسألة تماما قبل الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية مطلع مايو المقبل. لكن الوضع في نظر المراقبين لن يكون سهلا فالقوى المسيطرة على ميدان العمليات بالقبائل ليست تلك التي شاركت بوتفليقة القرار واعتبرته تاريخيا. فهذه القوى رفضت المشاركة وتطالب بعنصرين لم توفرهما التزامات الرئيس أولهما ـ الاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية أسوة بالعربية، كون اعتبارها وطنية أمرا حاصلا في الواقع ولا يحتاج الى تقنين. وثانيهما ترحيل فرق الدرك الوطني بلا نقاش من المنطقة قبل إجراء أي اتصال مع النظام. وهذا الشرط الوارد في لائحة المطالب يبدو ان بوتفليقة لم يقبله مبدئيا بصفة كلية ولم يهضمه الجزائريون عموما بمن فيهم الأحزاب المتضامنة مع القبائل لما يشكله من خطر على المنطقة خاصة إذا علمنا ان جبال منطقة القبائل هي المواقع الرئيسية لـ «الجماعة السلفية للدعوة والقتال»، أكبر الجماعات الارهابية وأكثرها نشاطا هذه الأيام في الجزائر. لكن مع هذا أبدى الرئيس ليونة بخصوص إعادة النظر في انتشار تلك الوحدات من حيث تواجدها المكاني وهو ما يعني أنه قبل الانسحاب الجزئي لها من المنطقة. وبسبب ما اعتبر إهمالا لمطالب رئيسية واصل مئات من شباب القبائل مواجهاتهم مع قوات الأمن في عدد من مدن وقرى المنطقة وكانت تيزي وزو في اليومين الماضيين مسرحا لأحداث عنف أوقعت عددا كبيرا من الإصابات حسب مصادر طبية بالمدينة. ولم تعر العامة في القبائل أي اهتمام لمحتوى الخطاب الرئاسي. ومر وكأن شيئا لم يكن رغم ان الصحافة الحكومية منها والمستقلة أبرزت قرار الرئيس على أنه انتصار كبير وتاريخي للحركة البربرية وللديمقراطية. وذكرت التقارير من تيزي وزو وبجاية ان عامة الناس ترى ان خطاب الرئيس ناقص وذهب البعض الى القول إنه فارغ ولا يعدو ان يكون حملة انتخابية قبل الأوان. وجددت قيادة «العروش» الرافضة للحوار قرارها بمنع إجراء الانتخابات البرلمانية بالقبائل وقال بلعيد أبريكة وهو أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة تيزي وزو وقائد الجناح المتشدد للعروش في مكالمة لـ «البيان» إن «الخطاب لم يغير شيئا من مواقفنا، ولا نحس بأنه يعنينا وقراراتنا السابقة تبقى سارية». وعلاوة على هذه الصعوبات المباشرة المتعلقة بمواقف الجناح الذي يسيطر على الشارع في القبائل تواجه مساعي الرئيس بوتفليقة لتهدئة الأوضاع قبل الانتخابات البرلمانية المقررة في 30 مايو المقبل تحديات أخرى كبيرة على الصعيد الاجتماعي قد تكون موضوعا يطرحه الرئيس الجزائري في مناسبات قريبة، أهمها تدهور الوضع الاجتماعي الذي سجل أرقاما قياسية حيث اتسعت رقعة الفقر ليلتهم الطبقة الوسطى بكاملها، وارتفعت نسبة البطالة لتتجاوز سقف 32 بالمئة من مجموع اليد العاملة القادرة على العطاء. وأصبح مشكل ندرة مياه الشرب ينذر بانفجار غير مسبوق، حتى ان عددا كبيرا ممن طرحت عليهم جريدة «ليبرتي» السؤال: «من هو الجزائري السعيد» أجابوا ببساطة بأنه الذي يجد الماء في حنفيته. ولا يولي عامة الجزائريين اهتماما كبيرا للانتخابات المقبلة فهم أجروا انتخابات حماسية سابقة وعايشوا اجترار الطبقة السياسية الموجودة في الحكم وفي المعارضة على السواء نفس الوعود ونفس المطالب، لكن الأوضاع زادت تأزما مع ان الناحية الأمنية شهدت هدوء نسبيا بالقياس الى السنوات الماضية والحالة المالية للبلاد لم يحدث في التاريخ ان كانت أحسن مما هي عليه اليوم، بفعل تحسن مداخيل المحروقات من جهة وتقليص حاد في حجم الواردات جراء انكماش قدرة الجزائريين على الاستهلاك في مختلف المجالات. وتبعا لذلك تقلصت المديونية الخارجية بنحو عشرة مليارات دولار أمريكي وأصبحت في حدود 22 ملياراً وهو رقم يعادل مخزونها النقدي بالعملة الأجنبية ويراه الاختصاصيون مريحا بالنظر الى إمكانيات البلاد الطبيعية وقدراتها العلمية والتقنية. وتلتقي الآن مجموعات عمل من الاخصائيين في مكتب الرئيس بوتفليقة لدراسة هذه التحديات حالة بحالة لايجاد الدواء الناجع وتوفير فرص الخروج من دوامة أزمة متعددة الأوجه غرقت فيها البلاد منذ أزيد من عشر سنوات. وكان من بين الإجراءات الأولية لهذا المسار رفع أجور المدرسين وعمال التعليم عموما 20 بالمئة.