بيان الاربعاء: نال السودان استقلاله كدولة بسيطة موحدة ورثها من السلطة الاستعمارية التي اعتمدت في إدارتها للدولة والمجتمع على الأساليب البوليسية. مع بداية الحكم الوطني، وإنتشار الوعي بالحقوق بدأ هذا الأسلوب يفقد القدرة على تحقيق تطلعات مجتمع أهم ما يميزه التعدد الأثني والتنوع الثقافي والديني وزاد من تعقيد الازمة عاملان أولهما دخول القوات المسلحة كرقم فى معادلة الحكم، اما العامل الثاني هو تطور الصراع على السلطة إلى مواجهات عنيفة ومطالبة بالإنفصال بصورة يصعب التعامل معها بالشكل القديم للدولة (دولة مركزية موحدة) لذلك برزت أهمية إعادة هيكلة الدولة وتقسيمها بهدف إعطاء صلاحيات اوسع للولايات (تقليص سلطات المركز مع المحافظة على وحدة الوطن). الحكم اللامركزي في السودان السلطة السياسية هى سلطة إتخاذ القرار السياسي قد تكون محتكرة ومركزة في يد فرد أو جماعة (سلطة استبدادية) لهذا نبعت فكرة العقد الاجتماعي (بين الدولة والمجتمع) وضرورة قيام أجهزة الرقابة المتبادلة على بعضها البعض ما يعرف بفصل السلطات، تطور مفهوم توزيع السلطة يشمل توزيعها رأسياً عبر تشريعات قانونية تعطي الأقاليم صلاحيات وتحد من احتكار المركز لها. تاريخياً بدأ السودان مسيرته بعد خروج الاستعمار دولة موحدة سمحت بتوزيع محدود للسلطة نقلت بموجب قانون الحكم المحلي إلى وحدات إدارية (مجالس محلية) لتمارسها في ظل حكومة مركزية لها السيادة المطلقة على الأرض والمواطنين. لخصوصية الجنوب وما تعرض له من عزلة في سنين الحكم البريطاني طالب الجنوبيون قبل إعلان الاستقلال بالحكم الفدرالي والذي وعدوا بأن يتم النظر فيه عند وضع الدستور الدائم للسودان، عن هذه النقطة كتب الدكتور إبراهيم الحاج موسى الآتي: القرار الذي كان لازماً لصدور إعلان الاستقلال بالإجماع هو الخاص بمطلب بعض الجنوبيين بحكومة فدرالية للمديريات الجنوبية ذلك لأنهم توجسوا خيفة من استقلال السودان كوحدة لا تتجزأ ربما قضى على مطلبهم الخاص بالاتحاد الفدرالي لذلك عملوا على أن يصدر توجيه من البرلمان قبل إعلان الاستقلال فحواه ان تعطى الجمعية الاعتبار الكافي لمطالب الأعضاء الجنوبيين في حكومة فدرالية للمديريات الجنوبية الثلاث. أدى المطلب الجنوبي لتوزيع السلطة وإتساع السودان إلى التفكير في نظام للحكم فيه قدر من اللامركزية، نظام يحقق تطلعات الأقاليم ويحافظ على تماسك المجتمع ووحدة تراب الوطن، ولمواجهة هذا التحدي بدأت القوى الوطنية السودانية البحث عن حلول عملية لتوزيع السلطة في السودان. اللجنة القومية للدستور في عام 1956م ـ 1958 م تكونت اللجنة القومية للدستور، ونظرت في مطالب الكتلة الجنوبية بزعامة حزب الأحرار الجنوبي الذى انسحب منها في ديسمبر عام 1957م معترضاً على القرار الذي اتخذته ورفضت بموجبه مطلب الجنوبيين «الحكم الفدرالي» رفض اللجنة لما تم الوعد به من قبل البرلمان واحد من المواقف التي اعتمد عليها أبيل الير في نقده للنخبة الشمالية لعدم احترامها للمواثيق. استمرت اللجنة القومية للدستور وتوصلت إلى مشروع دستور موحد وعللت رفضها للفدرالية بتخوفها من أن تكون خطوة نحو إنفصال الجنوب عن الشمال. مؤتمر المائدة المستديرة مؤتمر المائدة المستديرة شاركت فيه كل الأحزاب السودانية تم إنعقاده في 16/5/1965 لمناقشة قضية توزيع السلطة في السودان، برزت في المؤتمر ثلاثة اتجاهات رئيسية هي: 1ـ ما تقدمت به الأحزاب الشمالية وهو مقترح لتقسيم السودان إلى اقاليم. 2ـ الطلب الذي تقدم به ان سانتينو دينق وفلمون مجوك زعيما حزب الوحدة السوداني بالرغم من عدم مشاركتهما في المؤتمر وهو الإبقاء على سودان موحد على ان يتم توسيع قاعدة الحكم اللامركزي (الإدارة المحلية). 3ـ التيار الثالث مثله حزب سانو وجبهة الجنوب بالنسبة لسانو في بداية المؤتمر كان له جناحان أحدهما طالب بالفدرالية والثاني بالإنفصال. أما جبهة الجنوب وهي التنظيم الذي تم تكوينه بعد ثورة اكتوبر واستقطب أعداداً كبيرة من مثقفي الجنوب فقد تقدمت مع سانو بمشروع أقرب إلى الكنفدرالية التى تطرحها الحركة الشعبية اليوم. شاركت جبهة الجنوب سانو في المطالبة بوضع صيغة دستورية تمثل في جوهرها الاتحاد الكنفدرالي (بين الشمال والجنوب) مع الدعوة لتقرير مصير الجنوب عن طريق استفتاء في اتجاه الوحدة أو الانفصال أو النظام الكنفدرالي. في المشروع قسم السودان إلى اقليمين كل واحد منهم مستقل عن الاخر في شئونه المالية والتخطيط والأمن الداخلي وفيه أيضاً أصبحت السياسة الخارجية والدفاع من اختصاص الاقليم. المشروع الذي قدمته جبهة الجنوب في منتصف الستينيات أقرب للمذكرة التي كتبها الأستاذ أبيل الير قبل سنوات، الأستاذ أبيل رمز سوداني أصيل مفكر وسياسي محترم من كل السودانيين يكفي أنه مثل السلطة في أديس أبابا وهو المنفعل دوماً بقضايا الوطن الكبرى والمشاركة بفاعلية في كل أتيام الدفاع عمن انتهكت حرياتهم وحقوقهم. رغم التباعد والفاصل الزمني بين مذكرة سانو وجبهة الجنوب، مذكرة أبيل الير، مشروع دولة..بنظامين والكنفدرالية التي طالبت بها الحركة الشعبية في حواراتها مع الحكومة في نيروبي وأبوجا. نتيجة لتعارض المواقف داخل مؤتمر المائدة المستديرة لم يتمكن المجتمعون من الوصول إلى صيغة محددة ومتفق عليها تحدد بموجبها العلاقة الدستورية بين المركز والولايات لذلك تم الاتفاق على تكوين لجنة عرفت بلجنة الإثني عشر ولأهمية القضية وخصوصية الاقليمي الجنوبي رؤي ان يتساوى فيها عدد الأعضاء الممثلين للجنوب بزملائهم من الشمال (6 أعضاء لكل من الشمال والجنوب). تقرير لجنة الإثني عشر استبعدت لجنة الإثني عشر خياري الإنفصال والكنفدرالية وأوصت بحكم اقليمي. توصيات لجنة الإثني عشر بني عليها نظام مايو اتفاقية أديس أبابا 1972م. مؤتمر الأحزاب السودانية توصل المؤتمر الذي عقد في أكتوبر 1966م إلى التوصيات الآتية: أ ـ تقدم الحكومة المركزية قائمة تحتوي على عدد لا يقل عن ثلاثة أسماء يختار الاقليمي واحداً منهم وفي حالة عدم الموافقة على كل من في القائمة تقدم الحكومة المركزية قائمة اخرى يصبح الاقليمي ملزماً باختيار واحد منها. ب ـ أن يبنى تقسيم أقاليم السودان على قاعدة المديريات التسع. اتفاقية أديس أبابا 1972م أعطت اتفاقية اديس أبابا سلطات واسعة للاقليم الجنوبي مما خلق في النهاية استقراراً نسبياً في الجنوب وساهم في إعادة بناء جسور الثقة بين أبناء الوطن الواحد وفي اعادة الحياة الطبيعية فيه. توفر الحريات النسبية وبروز مجلس الشعب الإقليمي بشخصيته الاعتبارية المستقلة لم يحتملها الرئيس نميري ونظامه الشمولي في الخرطوم خوفاً أن تضعف قبضته التي تخلخلت في الجنوب. ومن تمدد ما حدث في الجنوب إلى الشمال لمواجهة هذا التحدي قام الرئيس نميري بقرار متعجل هدم أعظم إنجازاته (الحكم الذاتي الاقليمي) وباستدعاء الحرب الأهلية من جديد. قانون الحكم الأقليمي بعد تجربة الحكم الذاتي الاقليمي فى الجنوب صدر قانون للحكم الاقليمي طبق فى المديريات الشمالية عام 1980م. النظام الفدرالي طبقت الإنقاذ النظام الفدرالي عام 1994م، وفي ظله قسم السودان إلى 26 ولاية منها عشر ولايات في الأقاليم الجنوبية. مع اقتناع غالبية القوى السياسية والمواطنين بمبدأ الفدرالية الا ان الطريقة التي طبقت بها في عهد الإنقاذ افقدتها الكثير من الجوانب الإيجابية. نقطة الضعف الاساسية في النظام الفدرالي الحالي أنه ذهب بما تبقى من قانون الحكم الذاتي الاقليمي لجنوب السودان، لذلك لم يجد التجاوب من الجنوبيين رغم محاولات دعمه باتفاقية الخرطوم للسلام 1997م واتفاقية فشودة 1998م. السياسة التي اتبعتها الحكومة الحالية عموماً تحت مسمى النظام الفدرالي أدت إلى الآتي: (أ) تفتيت وإكثار الوحدات الإدارية التي نجم عنها تكاثر غير مسبوق في التوظيف السياسي والإداري، وصرف أكبر من إمكانات البلاد واحتياجاتها لهذه الأعداد غير المنتجة من البشر، للصرف على هذا الكم الهائل من الموظفين السياسيين، وتحولت حكومات الولايات إلى أدوات جباية بعد ان تخلت عن واجباتها الأساسية تجاه مواطنيها. (ب) محاولة إعادة بناء وتنشيط المجتمع والأخذ بنظام اللامركزية التعبوية الذي أثبت فشله في الاتحاد السوفييتي ودول اوروبا الشرقية. الفدرالية لا يمكن ان تنجح في ظل نظام أحادي ففي يوغسلافيا أدى فشل التجربة إلى تفكيك الدولة وانهيار المجتمع كذلك الحال في الاتحاد السوفييتي. (ج) الحكم الاقليمي والفدرالي في السودان في ظل النظم الشمولية لم يقصد منه خدمة المواطنين بقدر ما قصد منه إرضاء طموحات الصفوة في الولايات أو الأقاليم. الفدرالية لماذا؟ التجربة الامريكية 1 ـ السودان بحكم الجغرافيا (الحجم الكبير والمساحة الواسعة) والبشر التعدد الاثني والتنوع الثقافي والديني من الصعب أن يحكم مركزياً، مع انتشار الوعي والمطالبة بالكلمة والبندقية بحق الأطراف المهمشة في المشاركة الحقيقية في السلطة والثروة. 2 ـ هدف الفدرالية هو توسيع قاعدة المشاركة وتضييق فرصة إقامة نظام استبدادي لذلك يصعب أن لم يكن مستحيلاً إقامة نظام فدرالي في ظل نظام أحادي لسبب بسيط هو ان دولة الحزب الواحد لا تتناقض أهدافها مع وجود حكومتين (في المركز والاقليم) فحسب بل مع مبدأ تقسيم السلطة أفقياً (الفصل بين السلطات). توزيع السلطات رأسياً وأفقياً لا يمكن أن يتم إلا في ظل نظام ديمقراطي تعددي بمعنى ربط الحريات العامة بالفدرالية. امر أساسي فى دعم الاستقرار السياسي والمجتمعى. 3 ـ التقسيم الدستوري وليس الإداري للسلطة بين المستوى المركزي والمستوى الاقليمي يعني مشاركة حقيقية في السلطة. 4 ـ التقسيم في الفدرالية يتم عبر الدستور وليس عن طريق القوانين أو القرارات السيادية، والدستور في الدولة الفدرالية دستور مكتوب وجامد يصعب تعديله الا وفق اجراءات معقدة حتى لا يتسنى لفرد أو جماعة التلاعب بمصير البشر. 5 ـ عدالة توزيع السلطة خاصة في حالة اتباع نظام المجلسين التشريعيين حيث تتفاوت أعداد ممثلي كل اقليم في أحد المجلسين (المجلس الأدنى) حسب الكثافة السكانية لكل ولاية أو اقليم أما المجلس الثاني (المجلس الأعلى) يتكون من عدد مماثل لكل ولاية (تمثيل جغرافي) لكل هذه الأسباب النظام الأفضل للسودان هو الفدرالية أما الخيار الذي تحدثت عنه أدبيات الحركة الشعبية الكنفدرالية فهي عملية انفصال مع إيقاف التنفيذ. الكنفدرالية تعني تكوين حكومتين كل منهما كيان ذو سيادة كاملة ولكنهما تحتفظان بعلاقات تنسيق ـ الدكتور جون قرنق في زيارته الاخيرة للولايات المتحدة أدلى بتصريح لـ «واشنطن بوست» جاء فيه (أن حل المشكلة السودانية يتأتى عبر قيام دولتين في الشمال نظام اسلامي يستند إلى الشريعة والأخرى دولة علمانية في الجنوب. فرق شاسع بين ما صرح به والفدرالية، الفدرالية تعني حكومة واحدة ذات سيادة تضم حكومات ولائية أو اقليمية لها استقلال نسبي في تسيير مسئولياتها وفق معادلة متوازنة تعطي الولايات صلاحيات واسعة دون تفريط في سلامة الوطن ووحدته تراباً وشعباً. النظام الفدرالي بهذا الفهم هو الأنسب للسودان فيه توافق وتكامل بين الانتماء للوطن ككل وخصوصية الولايات أو الأقاليم. وفي تجربة الولايات المتحدة الأمريكية دروس يمكن الاستفادة منها فالنظام الفدرالي في تلك الدولة العظمى جاء نتيجة تجربة انفردت بها الولايات المتحدة عندما شرعت في وضع أسس للحكم فيها وتوصلت للنتائج الآتية: 1ـ رفض نظام الدولة الموحدة لتعدد المجتمع الأمريكي وتنوعه وكذلك الكنفدرالية فهي في نظرهم أقرب الى رابطة بين وحدات مستقلة منها إلى حكومة أمة. 2ـ السلطة الحقيقية في النظام الكنفدرالي في يد الولايات أما السلطة المركزية ان كان لها وجود فهي ضعيفة جداً وليس لها ولاية قانونية على مواطني الولايات. 3ـ النظام الفدرالي الأمريكي خلق ولايات قوية ذات سلطات لا تملك الحكومة المركزية إلغاءها. وحكومة اتحادية فاعلة في ظل الفدرالية وعدالة المشاركة الولايات المتحدة اليوم الدولة الأولى في العالم.