حيثما يتعلق الأمر بالاقتصاد الأمريكي، فإن هذه الأيام تعد ربيع الرضا والاغتباط. فبدون شك قد انتهى الآن الكساد الأمريكي لعام 2002 هذا ان كان هناك بالفعل كساد عام حقيقي. وهذه الأنباء الطيبة ستسعد أوروبا التي أنهت العام الماضي بتراجع في اجمالي الناتج المحلي. وألمانيا، التي تعتبر اليوم الشقيقة الضعيفة للاتحاد الأوروبي، تحتاج تعافيا اقتصاديا أمريكيا قويا في عام 2002 ليساعدها على التعايش مع التزامها بمقتضى معاهدة ماستريخت بعدم اللجوء لسياسة مالية قوية بهدف تنشيط نموها الاقتصادي. كما ان آسيا المنطلقة في غمار النمو سترحب بمؤشرات القوة الاقتصادية الأمريكية. واليابان وهي الشقيقة الضعيفة حاليا للعالم بأكمله ستكون بحال أفضل بكثير إذا ما صح الاعتقاد المتنامي بأن الانتعاش الأمريكي قد يفاجئنا بأنه انتعاش قوي. ويحق لرئيس الاحتياطي الفيدرالي آلان جرينسبان أن يتحول أمام الكونجرس ببعض الرضا عن الذات. فقد عمل بسرعة على خفض أسعار الفائدة. وفي العام الواحد الذي استمر خلاله الضعف الاقتصادي الأمريكي خفض أسعار الفائدة 11 مرة متتالية. ويستطيع الآن أن يستمتع بالركون الى الهدوء أمام آليات التحكم في البنك المركزي لبعض الوقت. لكن دعونا لا نصل لاستنتاجات خاطئة، فبعد ظهور أولى مؤشرات النشاط المفرط، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيبدأ مبكرا برفع أسعار الفائدة على القروض قصيرة الأجل من مستواها الحالي المتدني البالغ 1.75%. وفي تقديري فإن على المرء ألا يعزو كل أو معظم استعادة اجمالي الناتج المحلي لعافيته الى السياسات النقدية وحدها. فمنذ هجمات 11 سبتمبر وأمريكا هي في نوع من حالة الحرب بحكم الأمر الواقع. وقد شهدنا فعلا زيادة واسعة النطاق في النفقات العسكرية. وهذه الزيادة ستعقبها زيادة أكبر بكثير مع خروج العمليات العسكرية عن حدود أفغانستان الصغيرة. والتجارب المسيطر عليها ليست ممكنة في عالم الاقتصاد، غير اننا نعرف هذا من التاريخ الاقتصادي، فالحرب الطويلة ضد نابليون بونابرت أوجدت في بريطانيا والقارة الاوروبية ازدهارا اقتصاديا أمكن التنبؤ به في بدايات القرن الثامن عشر.وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، وحتى قبل انضمام الولايات المتحدة لصفوف الحلفاء، ارتفع اجمالي ناتجنا المحلي ومستوى الأسعار وفرص العمل إلى حد كبير. وما الذي أخرج ألمانيا من ركودها الاقتصادي في الثلاثينيات؟ هل هي السياسات الاقتصادية البارعة التي اتبعها هتلر؟ إن كل ما احتاجه الأمر لتوفير فرصة عمل لربع أعداد الألمان العاطلين عن العمل عام 1933 هو برنامج الانفاق الواسع استعدادا للحرب لانهاء نتائج معاهدة فرساي. ولا حاجة بنا للقول ان الحرب العالمية الثانية وحدها هي التي خففت من وزن هذا الدرس البسيط، ألا وهو ان الانشطة العسكرية تحث الاقتصاد الكلي. ودائما ما تكون القوى الحزبية المتصارعة في الانظمة الديمقراطية هي التي تقرر مدى تقشف السياسة المالية، فخلال السباق الانتخابي الرئاسي الأمريكي لعام 2000 عارض المرشح الديمقراطي آل جور الانفاق المتعلق بالعجز المالي على شكل تخفيضات ضريبية مقترحة من جانب بوش والتي كانت موجهة عموما لصالح ذوي الوفرة المالية. أما في هذه الأيام فلا أحد يعترف بأن نظامنا للضمان الاجتماعي يمكن استنزافه لتمويل أي عجوزات. ذلك كان سابقا، حينما كانت بورصة وول ستريت تعيش أيام فقاعتها وفرص العمل وفيرة حتى للأقلية غير المتمتعة بالخبرة من العمالة. أما الآن فالواقع يختلف. وما كان من الكونجرس الذي اصطف خلف قيادة بوش في حربه على ارهاب المستقبل وبدون أي معارضة إلا ان «أغار على صناديق الضمان الاجتماعي». لكن لا أحد باستثناء أصحاب درجات الاستاذية في الاقتصاد يدرك حقا معنى الكلمات السابقة المذكورة بين هذه الأقواس. بايجاز، لقد تغيرت الاحتمالات العقلانية بشكل كبير، والتي كانت تستبعد انتعاشا أمريكيا محدودا في عامي 2002 و2003 يتبعه فقاعة ثانية وانهيار خطير يأخذ شكل الركود. فهل، مؤدى ما اقوله هو ان كل شيء جيد وان كل الاحتمالات هي في احسن احوالها؟ لا. إن الحياة الاقتصادية هي أشبه بمباراة شطرنج متواصلة. والخبير الحصيف هو الذي يحاول ان يتوقع ما ستكون عليه النقلات التالية. إن التطورات السياسية المقبلة يجب ان تكون مثار قلق كبير. فنائب وزير الدفاع بول ولفوتيز ومستشارة الرئيس الامريكي لشئون الامن القومي، كوندوليزا رايس، وربما نائب الريس ريتشارد تشيني تبدر عنهم كل المؤشرات التي تفيد اننا نستعد للقيام لتحركات اخرى ضد العراق. والعراق ليس هو افغانستان الصغيرة البائسة. وشأن حرب الخليج الثانية عام 1991 يمكن للعمليات الجوية المتفوقة ان تضمن تدمير منشآت الجيش العراقي الكبير في المواقع المدنية. لكن هل يمكن تحقيق ذلك من دون ايقاع مئات وألوف من الضحايا الابرياء؟ ما الذي ستكون عليه النقلة التالية على رقعة الشطرنج بالنسبة للتحالف الدولي المناهض للارهاب الذي تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا؟ اضف لذلك، اننا اذا كنا في افغانستان لم نتمكن بعد من ارساء ديمقراطية مستقرة تخلف نظام طالبان، فهل يمكن الجزم بأن من الممكن ارساء واقع مناهض للرئيس العراقي في العراق مستقبلا؟ان من السهل اشعال الحروب. والحروب تكون ذات شعبية في البداية حيث تتصدرها الفرق الموسيقية العسكرية والخطابات. لكن كما تعلم الاتحاد الجنوبي المتمرد في الحرب الأهلية الأمريكية، وكما تعلم المواطنون المهزومون في رايخ هتلر الذي طمح الى البقاء ألف عام بين عامي 1944 و1945 فإن الوجه القبيح للحرب يطل لاحقا.أيا كان الذي سيأتي به المستقبل بعيد المدى للعالم الحر، فلن يسجل في اوراق سوق الاسهم والتقارير الاحصائية لاجمالي الناتج المحلي خلال الشهور الثمانية عشر المقبلة. ومع ذلك فإنه بالنسبة للمستقبل المنظور على الأمد القريب، يبدو الاقتصاد العالمي وقد بدأ ينعطف باتجاه الأفضل. خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»