هذا الكتاب ثمرة جهد موضوعي، منصف، استمر طويلاً، سعى المؤلف من خلاله إلى إزاحة الستار عن أسرار إحدى الجرائم الاستعمارية ، الأكثر بشاعة، والتي ارتكبت في القرن الماضي وراح ضحيتها الزعيم الافريقي باتريس لومومبا الذي ناضل من أجل حرية وطنه، الكونغو، واستقلاله، ومن أجل وحدة القارة الافريقية التي ينتمي إليها. ومؤلف الكتاب، لودو دي فيتي، عالم اجتماع، وكاتب معروف، وقد ترجم كتابه إلى أربع لغات، وأدى نشره إلى قيام البرلمان البلجيكي بتشكيل لجنة تحقيق رسمية لبحث ملابسات عملية اغتيال باتريس لومومبا، بعد أن ظلت الشكوك تحوم حول هوية مرتكبيها والضالعين معهم لأكثر من أربعين عاماً، بينما كان واضحاً أن مسئولية مؤامرة الاغتيال تقع بكاملها على عاتق شركاء كثيرين تتصدرهم الحكومتان البلجيكية والأمريكية ووكالة ال«سي. اي. إيه» وهيئة الأمم المتحدة. في الفصل الأول من الكتاب الذي نناقشه هنا يتحدث المؤلف عن الاستعدادات لعملية اغتيال باتريس لومومبا، ويستخدم عنواناً فرعياً موحياً يتحدث عن بروز «الزنجي» في 30 يونيو 1960، وهو يعني بذلك بروز نجم رئيس الوزراء الجديد المنتخب الزعيم الافريقي لومومبا، أول رئيس من ابناء الكونغو يتولى الحكم في بلاده، التي عانت من الاستعمار البلجيكي عشرات السنين، حتى انها سميت بـ «الكونغو البلجيكي». وفي يوم الاستقلال في الكونغو، أي 30 يونيو 1960، كان يجرى الاحتفال في قصر الشعب في مدينة ليوبولدفيل، حيث ازدحم المكان بكبار الشخصيات الأجنبية والكونغولية، وظل التمثال البرونزي للملك ليوبولد الثاني يحتل صدر المدخل المفضى الى مكان الاحتفال، وكأنه يوحي بأن شيئا ما لم يتغير على الرغم من انتقال السلطة السياسية. وقد تجمع السياسيون الكونغوليون الجدد المنتخبون ـ ومن بينهم اعضاء البرلمان والشيوخ والوزراء ـ في نصف دائرة، فضلا عن وجود ممثلي الصحافة العالمية والوطنية. وفي البداية، جرى انجاز مراسيم انتقال السيادة بهدوء، بالنسبة لبروكسل، وفي خطبة «ابوية» اخذ الملك بودوين يرسم صورة مشرقة للاستعمار الاستيطاني، تفصح في الوقت نفسه عن مستقبل الاستعمار الجديد المقبل وقال ملك بلجيكا في خطابه ان «استقلال الكونغو هو نتيجة جهود الملك ليوبولد الثاني». واضاف موجها كلامه الى ابناء البلاد الاصليين: «لا تضحوا بالمستقبل مقابل اصلاحات متعجلة، ولا تستبدلوا البنى التي تسلمها بلجيكا لكم حتى تصبحوا متأكدين من قدرتكم على عمل شيء افضل.. لا تخافوا من أن تلجأوا إلينا فسوف نبقى إلى جانبكم.. نقدم لكم النصيحة وندرب معكم الخبراء الفنيين الذين سوف تحتاجون إليهم». وبعد ملك بلجيكا، جاء الدور على جوزيف كازافوبو، أول رئيس لجمهورية الكونغو، فألقى خطبة مجاملة تماما ومتفقة بالضبط مع ما يتوقعه السادة السابقون من النخبة الافريقية الجديدة. واشار الى ان الافارقة سوف يكونون وزراء، وينطلقون بسيارات فارهة ويعيشون في بيوت جميلة، ولكنهم سوف يسمحون في السر باستمرار الأوروبيين في الاحتفاظ بجميع الخيوط في ايديهم من دون خوف من ان يعارضهم أحد. قانون الصمت كانت الصورة الشاعرية للعهد الاستعماري التي قدمتها خطبة الملك تتعارض تعارضا كبيرا مع حقائق الآثام والجرائم الاستعمارية التي حفرت ذكراها في الذاكرة الجمعية للافريقيين، ولكن من الذي كان في بروكسل يهتم بالتعبير عن مشاعر القلق؟ يجيب مؤلف الكتاب عن هذا التساؤل بقوله: ظل قانون الصمت يغطي على جرائم الاستعمار عقودا طويلة من الزمن، وظل هذا القانون محترما. ويستشهد المؤلف بعبارة قالها الصحافي الفرنسي أو. بي. جيلبير في صحيفة «فرانس سوار» الفرنسية وهي: «الكونغو تعرف بأنها (امبراطورية الصمت)، والحديث عن القهر الاستعماري يعتبر من المحرمات». ونعود للاحتفال حيث تحدث المفاجأة الكبيرة بعد خطبة كازافوبو القصيرة، إذ يدعو جوزيف كازونجو رئيس مجلس النواب، باتريس لومومبا رئيس الوزراء الى القاء كلمة. وذهل الملك بودوين ورئيس الوزراء البلجيكي جاستون إيسكنز، فلم يكن في برنامج الحفل ما يشير الى خطبة ثالثة، ولم يخطرهم الاعلام الكونغولي او يمدهم بنسخة من خطبة لومومبا سلفا، على الرغم من توزيعها على الصحافيين، أما محتوى الخطبة فقد جمد الدم في عروق الملك ورئيس وزرائه. ولم يتوجه لومومبا بحديثه الى السادة السابقين بل إلى «رجال ونساء الكونغو.. الى المقاتلين من اجل الاستقلال الذين يحققون الانتصار اليوم».. وفجأة.. اختفت الشخصيات الاجنبية من قلب المسرح السياسي، واصبحوا متفرجين على احتفال الحركة الوطنية بأول انتصاراتها، واخذوا ينصتون مذهولين، بينما اخذ الزعيم الوطني يخاطب الشعب الكونغولي، ويرد على الملك الذي امتقع لون وجهه ففدا كالاموات. وكان لومومبا يتحدث مباشرة الى الشعب، متجاوزا رؤساء الهيئات الدبلوماسية المتجمعين، وشارحا لأبناء وطنه ان الحصول على الاستقلال لم يكن منحة كريمة من بروكسل، كما اصر الملك بودوين، بل اعلن عنه في اتفاقية مع بلجيكا، وقال لومومبا: «لكن لا يمكن لكونغولي يستحق اسمه ان ينسى أننا فزنا بالاستقلال بنضالنا.. بالنضال الذي خضناه كل يوم، والذي يفيض بالحماس والمثالية.. النضال الذي لم نبخل فيه بالجهد او المعاناة او الحرمان او بقطرات الدماء واخذ لومومبا يصف بتعبيرات صريحة النظام الاستعماري الذي مجده بودوين باعتباره انجاز عمه العظيم، وادانه لومومبا قائلا انه «نظام عبودية مذلة فرض علينا بالقوة». ومضى الزعيم الافريقي في خطبته يقول: «لقد عرفنا السخرية والاهانات، وتحملنا اللطمات في الصباح والظهيرة والليل لأننا كنا (زنوجا) (استخدم لومومبا لفظة التحقير الاستعمارية للسود وهي كلمة nigger). لقد رأينا اراضينا وهي تنهب باسم ما يفترض انه قانون الأراضي، ولكنه كان يعترف بحق الاقوى فقط. لقد رأينا ان هذا القانون كان مختلفا تماما بالنسبة للرجل الابيض عما هو عليه بالنسبة للأسود إذ كان منحازا للأول، وقاسيا وغير انساني بالنسبة للثاني. لقد رأينا المعاناة المروعة لأولئك الذين كانوا ينفون الى مناطق بعيدة بسبب آرائهم السياسية او معتقداتهم الدينية.. كانوا منفيين داخل وطنهم، وكان مصيرهم اشد سوءا من الموت نفسه. وفي النهاية من يستطع ان ينسى وابل رصاص البنادق الذي قضى على العديد من اخواننا، والزنزانات التي كانت السلطات تلقي فيها اولئك الذين يرفضون الخنوع لحكم كانت العدالة فيه تعني القهر والاستغلال. ووضع لومومبا الدور الذي لعبته بلجيكا في التخلي عن استعمارها لبلاده، في سياقه الصحيح بقوله انها ادركت، اخيرا، مسيرة التاريخ فلم تحاول ان تعارض استقلال الكونغو. وقد قوطعت خطبته ثماني مرات بتصفيق حماسي طويل من جميع الكونغوليين الحاضرين، والذين هللوا وقوفا في نهاية حديثه، وفي زمن ضئيل قام الآلاف من المواطنين، الذين كانوا يستمعون اليه عبر الاذاعة، بنشر ابناء القنبلة التي فجرها لومومبا لتنتشر في جميع انحاء البلاد. لقد تحدث الزعيم الافريقي بلغة ظنوا انها مستحيلة في وجود أى أوروبي، وشعرت الجماهير وكأن هذه الدقائق القليلة الكاشفة للحقيق هي مكافأتهم عن ثمانين عاما من الهيمنة، وانه لأول مرة في تاريخهم يخاطب كونغولي الأمة ويهيئ البلاد لاعادة صياغة تاريخها. وبهذا المشهد الوحيد عزز لومومبا احساس شعبه بالعزة والثقة في النفس. هكذا صعق ممثلو الاستعمار البائد ووجدت بروكسل نفسها فجأة في مواجهة الثورة المناهضة للاستعمار التي كانت تخشاها، وأن المشروع الاستعماري الاستيطاني، الذي كال الملك له المديح، يوصف بالعبودية المهينة في وجه الأوروبيين انفسهم.. وكل هذا كان من عمل باتريس لومومبا. الرجل الذي كانت الصحافة البلجيكية تصفه بأنه لص جاهل ومحدث نعمة، وأنه الاسود الذي قذف به الى القمة، وذلك قبل أسابيع من انتصاره في الانتخابات. وخلف باب احدى الغرف كان يجلس عدد من الموظفين الكونغوليين الادنى مكانة، وهم يستمعون باهتمام الى خطاب لومومبا، وكان يجلس بينهم الكولونيل فريدريك فاندوال رئيس ادارة المخابرات الاستعمارية التي سوف يتحول اسمها بعد 30 يونيو 1960 الى ادارة الامن الكونغولي. وكان ممتعضا من خطاب رئيس الوزراء الجديد، ويتوجس بالشك في بدء الديمقراطية التي أرساها من أسماهم «اليوتوبيون»، ولكنه ـ من باب الأمانة الثقافية ـ أقر بأن الخطاب قد احتوى على ما كان يتوقعه الأفارقة من قادتهم. ويرى المؤلف ان فاندوال كان مراقبا ذكيا للأمور على الرغم من انه استعماري متطرف. وفي كتابه بعنوان «ألف وأربعة أيام» يصف كيف ان الجماهير الكونغولية كانت تريد تحويل الاستقلال الى حقيقة ورؤية انعكاسه على فرص العمل والترقيات وزيادة الاجور. ولم يكن هذا الكولونيل اقل عنصرية من غيره من الاستعماريين او اقل عداوة للقومية الكونغولية، ولكن ذلك لم يمنعه من رفض قبول انصاف الحقائق وأكاذيب زملائه التي استخدمت في حملتهم ضد لومومبا. انتصارات وهزائم ان القارئ المعاصر لهذا الكتاب سوف يتملكه الغضب الشديد، إذ يلاحظ ان التاريخ يعيد نفسه، ففي أيامنا هذه نرى كيف تتلاعب واشنطن، ومن يدور في فلكها من دول الغرب، بهيئة الأمم المتحدة وسكرتيرها العام ومؤسساتها مثلما حاولت منذ عشرات السنين ان تحيل تلك المنظمة الدولية وأمينها العام الى دمية تمسك هي بخيوطها وتوجهها كيفما شاءت. ويكشف الكتاب الذي نناقشه الدور المخزي الذي لعبه داج همرشولد سكرتير عام الأمم المتحدة في عام 1960، وكيف ساعد الاستعمار الاستيطاني البلجيكي على إحكام قبضته من جديد على الكونغو، كما تؤكد تفاصيل تلك المؤامرة التي يفضحها الكاتب انه كان ضالعا في جريمة اغتيال الزعيم الافريقي الشاب. وتحت عنوان فرعي عن وصول القوات البلجيكية وقوات الامم المتحدة الى اقليم كاتانجا الانفصالي في الفترة من يوليو الى أغسطس 1960 يقول المؤلف ان عام 1960 كان بالنسبة الى باتريس ايمري لومومبا ـ البالغ من العمر آنذاك خمسا وثلاثين سنة ـ عام الانتصارات السياسية الكبرى، كما كان عام هزائم مفزعة. ففي بداية العام كان زعيم الحركة الوطنية الكونغولية مازال يعاني من سجنه في جادوتفيل في كاتانجا، وفي شهر مايو فاز في الانتخابات واصبح رئيسا للوزراء في الشهر الذي تلاه. وبنهاية العام زج به في السجن مرة اخرى، حيث تحولت زنزانته الى زنزانة رهيبة حقا. وكان لومومبا قد اعتقل لأول مرة في بداية نوفمبر 1959 عندما انتهت المظاهرات الحاشدة المعادية للاستعمار في مدينة ستانلي فيل ـ معقل نفوذه السياسي ـ الى معارك دموية مع قوات النظام الحاكم، ولكن سجنه أثبت انه كان مجرد دفاع مستميت يائس من نظام يحتضر. وعندما أدى السجن الى ازدياد مكانته لدى قطاع عريض من السكان، أبدت بروكسل ما يشبه التحول السياسي، وحينما أدركت الحكومة البلجيكية تنامي الحركة المعادية للاستعمار بشكل لا يمكن مقاومته، وكذلك الملك والشركات الاستيطانية اختاروا تسريع عملية وقف الاستعمار في محاولة لضرب تثوير الشعب الكونغولي وفرض مراقبة شديدة على تزايد شعبية الزعماء الوطنيين. وقد عولوا على الاحتفاظ بالسيطرة من وراء الستار بمجرد انتقال السلطة السياسية الى سياسيين كونغوليين يفتقرون الى الخبرة، وفي يناير 1960 أحنت حكومة جاستون ايسكنز البلجيكية رأسها أمام الحركة المعادية للاستعمار وحددت يوم 30 يونيو موعدا رسميا لاستقلال الكونغو. وكانت تلك الحكومة تتشكل من ائتلاف يضم المسيحيين الديمقراطيين والليبراليين. وعندما أجريت الانتخابات في الكونغو في شهر مايو 1960 أذهلت النتيجة حكام بروكسل نظرا لفوز وطنيين بارزين مثل باتريس لومومبا، وكريستوف جبيني، وانطوان جيزنجا، وانيست كاشامورا، وبيير موليلي. وعجزت الحكومة البلجيكية عن منع تعيين لومومبا رئيسا للوزراء، وكازافوبو الوطني الكونغولي المحنك رئيسا للجمهورية. وكان تشكيل هذه الحكومة الوطنية الأولى يمثل ذروة نضال الحركة الوطنية التي استطاعت في ثمانية عشر شهرا التغلب على جميع العقبات الاستيطانية. وصممت حكومة لومومبا على تأكيد استقلاليتها الشرعية على الفور والقضاء على كل آثار الاستعمار الاستيطاني وجميع أشكال الاستعمار الجديد، وكان لومومبا يأمل في حث شعب الكونغو على بناء أمة موحدة في دولة ديمقراطية وفي ظل القانون. وقد قصد بهذا البرنامج الوطني ـ الديمقراطي ان يكون القوة الحاشدة وان يشكل دعوة الجماهير الكونغولية الى التمسك بدفة الامور في ايديهم. وكان ذلك ضد مصالح الشركات الاستيطانية والارساليات والبيروقراطية الاستعمارية التي آلت أمورها حديثا الى الدولة الوليدة. وقد توقعت أعمدة الاستعمار تلك الاحتفاظ بأوضاعها المتميزة في الكونغو المستقلة، ولو كان ذلك وراء واجهة افريقية. وكانت كاتانجا وحدها هي التي أهدت نجاحا للبلجيكيين في الانتخابات. وكاتانجا هي الاقليم الكونغولي الغني بالنحاس، والذي يعتبر بمثابة الاقطاعية الخاصة بشركة «أونيون مينيير». وعندما شعرت الحكومة البلجيكية، في منتصف يونيو 1960 وقبل الاستقلال بأسابيع قليلة، بأن من المحتم تشكيل حكومة برئاسة لومومبا، قام البرلمان البلجيكي من جانب واحد بتعديل الدستور الكونغولي المؤقت. وكان ذلك الدستور يعتد بمبدأ التمثيل النسبي بالنسبة لسلطة حكومات الاقاليم، ومن بينها حكومة اقليم كاتانجا التي قام البلجيكيون باسناد رئاستها الى مويس تشومبي ليكون دميتهم هناك، وعندما فشل في تشكيل حكومة اقليمية نتيجة تحدي الوطنيين لنتيجة الانتخابات في ذلك الاقليم، تجاهلت حكومة بلجيكا احتجاجاتهم، وألغت العمل بمبدأ التمثيل النسبي. وكان تصرف بروكسل تمهيدا واضحا لانفصال كاتانجا عن الكونغو. واعتمدت بروكسل على ورقتها الرابحة في السيطرة على حكومة لومومبا، وهذه الورقة هي سلك الضباط البلجيكيين في الجيش الكونغولي. وكان هذا السلك يعتبر مفخرة الجيش الاستعماري الاستيطاني المسمى «القوة العامة». ويتمتع هؤلاء الضباط بعقليات متحجرة تتمسك بالتمييز الطبقي بما يتفق مع مبرر تشكيلها القائم على «قهر العدو الداخلي» لا الدفاع عن البلاد ضد أي معتد خارجي. وقد أنشئت هذه «القوة العامة» في عام 1886 باعتبارها جيش الغزاة البيض وتحت ستار مكافحة الرق ومنع الحروب القبلية، على عكس حقيقة مهمته، وهي اقامة مستعمرة في قلب افريقيا لحساب الملك ليوبولد الثاني، وبمجرد احتلال المنطقة تحول الجيش الى قوة احتلال، مهمتها الاساسية اخضاع شعب الكونغو. وفي 5 يوليو 1960 أعلن الجنرال العنصري يانسن، رئيس اركان الجيش الكونغولي آنذاك، انه لا مجال لأفرقة الجيش، وكتب على احدى اللوحات تلك المعادلة المستفزة: «ما قبل الاستقلال = ما بعد الاستقلال». وعلى الفور ثار الجنود الكونغوليون، ولكن ثورتهم لم تشكل تمردا بالمعنى التقليدي، ولم يكن غضبهم موجها الى الحكومة الشرعية ـ كما حاول بعض الكتاب الايحاء بذلك ـ بل كان ثورة ضد طبقة الضباط البلجيكيين ذات مطالب اجتماعية، أو هي «إضراب» كما أسماها لومومبا. وانحازت حكومة الكونغو الى جانب الجنود، وأعفي الجنرال يانسن من عمله ودعى الجنود الكونغوليون الى تعيين ضباط سود. واصبح فيكتور لوندولا قائدا للجيش، الذي اصبح يدعى الآن بـ «جيش الكونغو الوطني»، وتولى الكولونيل جوزيف موبوتو رئاسة الأركان. وتم الاحتفاظ بمعظم الضباط البلجيكيين كمستشارين للضباط الكونغوليين. وأعيد تجميع مجموعة أساسية من الضباط البلجيكيين في مدينة اليزابيث فيل عاصمة اقليم كاتانجا، وبدعم من تشومبي ـ الذي كان يخشى من الجنود الوطنيين ـ رفض هؤلاء الضباط اجراءات الحكومة لأفرقة الجيش. وفي الوقت نفسه سرت اشاعة عن قيام عدد قليل من الجنود باغتصاب سيدة أوروبية مما تسبب في حركة هجرة واسعة النطاق الى بلجيكا يوم 8 يوليو. واستغلت حكومة ايسكنز البلجيكية الهجرة كحجة للتدخل. وفي صباح يوم 9 يوليو، وبعد التشاور مع الملك بودوين ومجلس ادارة مجموعة سوسييتيه جنرال، اتخذت الحكومة قرار التدخل في كاتانجا على الرغم من انه لم تقع أية حادثة مهمة في ذلك الاقليم. وبدأ التدخل ليلة 9-10 يوليو عندما ثار الجنود السود في اليزابيث فيل ضد الضباط الذين أرادوا وقف عملية الافرقة. وفي الساعة الخامسة وخمسين دقيقة صباحا اقلعت اربع طائرات من مطار كامينا في كاتانجا وعلى متنها كتيبة مشاة وفصيل من جنود المظلات، وهبطت القوة في السادسة وعشرين دقيقة صباحا ... وهكذا بدأت أزمة الكونغو. سيناريو الاحداث الدامية بعد تجريد الجنود الكونغوليين من اسلحتهم، اصبح الطريق مفتوحا امام مويس تشومبي، وتحت حراسة الجنود البلجيكيين، لانكار سلطة حكومة ليوبولد فيل واعلان استقلال الاقليم. ويذكر الكولونيل فاندوال ان قرار بلجيكا تأييد الانفصاليين في كاتانجا، ومحاربة افرقة القوات في ذلك الاقليم، كان قرارا سياسيا يستند الى «فقدان الثقة بين السلطات في بروكسل وبين باتريس لومومبا، إذ كان البلجيكيون قد استمعوا من قبل الى خطاب الزعيم الافريقي يوم 30 يونيو». وعلى خطى بعض المحللين يسير الكولونيل فاندوال وينسب انعدام الثقة الى الخطبة التي ألقاها لومومبا يوم الاحتفال باستقلال بلاده، ولكن السبب الحقيقي هو ان لومومبا اتبع كلماته بالافعال وايد حركة الجنود ونادى بأفرقة الجيش، وبذلك كسر العمود الفقري لجيش الاحتلال. وكان لومومبا وكازافوبو ونائب القنصل البلجيكي قد توصلوا الى اتفاقية مبدئية لتمركز الجنود البلجيكيين في الاقليم لتطمين الاوروبيين، وذلك في اجتماع عقدوه معا يوم 11 يوليو، ولكن اعلان انفصال كاتانجا وعودة الغزو البلجيكي نسف كل شيء. وأثارت أنباء التدخل البلجيكي قلق الجنود الكونغوليين، واصبح هذا القلق بدوره حجة جديدة تمسح بها البلجيكيون لتبرير تدخلهم.