أكد د. أحمد يوسف مدير معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة ان المقاومة، مهما كانت لا تهزمها سوى المطامع والصراعات على السلطة وشدد على ضرورة ان يدرك الفلسطينيون في هذه الفترة الحساسة من تاريخهم هذه الحقيقة ويكونوا على يقين بأن ان السبيل الوحيد لاستعادة كامل حقوقهم هو استمرار الانتفاضة والمقاومة. وأوضح د. أحمد يوسف في حوار مع «البيان» انه لمن مصلحة العرب الدفاع عن فلسطين لأن دولة اسرائيل اقيمت على سياسة توسعية استيطانية كالنتوء السرطاني الذي ينتشر مكان تواجده. وحول احتمالات ابعاد الرئيس عرفات من المسرح السياسي، لم يستبعد د. أحمد يوسف ذلك خاصة في ظل تهديدات وتصريحات قادة اسرائيل، وهو ما يعني وجود سيناريو مسبق لوضع المنطقة برمتها على حافة الهاوية، كما رأى ان تقلص الدور الأمريكي في المنطقة مطلوب بشدة لأنه يساند اسرائيل دائماً. وإلى نص الحوار: ـ كيف ترى المقاومة الفلسطينية في المرحلة الراهنة، بعد الدعاوى القائلة بأنها تتعرض لعملية اجهاض، وهل ترى ان استمرارها سيقلب موازين الحسابات لصالح الفلسطينيين؟ ـ لقد أكدت غالبية الصراعات الدولية السابقة أن الطرف الضعيف الذي تنتهك حقوقه من قوة غاشمة غالبا ما ينتهي الأمر بانتصاره، وذلك على الرغم من عدم تكافؤ موازين القوى، ولكن الواقع أثبت دائما أن هناك حسابات أخرى تفرض نتائج مختلفة وعلى سبيل المثال نجد أن جبهة التحرير الجزائرية استطاعت أن تنتصر في النهاية على فرنسا القوية أثناء حرب تحرير الجزائر. وبالنسبة للقضية الفلسطينية، وفي ظل التضحيات التي يقدمها الشباب الفلسطيني كل يوم، فإن المؤشرات تؤكد أنه في حالة استمرار الانتفاضة والمقاومة، سيكون الانتصار للشعب الفلسطيني.. وعلى الجانب الآخر نجد أن الجندي الاسرائيلي يعاني كثيرا ونذكر أنه في الانتفاضة الأولى أصيب الجنود الاسرائيليون بحالات عصبية ونفسية. وقالوا ماذا نفعل بهؤلاء الأطفال؟ ولماذا نقتلهم؟ وفي هذه الانتفاضة نرى أن الجندي الاسرائيلي غير مقتنع تماما بما يقوم به ضد الأطفال والمواطنين الفلسطينيين العزل. خرافة المعتدلين ـ ماهو موقف المجتمع الاسرائيلي الآن من عملية السلام، وهل انحسر وجود المعتدلين بداخله، بعد تصاعد موجة التأييد لسياسات شارون العدوانية؟ ـ إن المعتدلين الاسرائيليين الذين يمكن التعامل معهم للتوصل الى تسوية عادلة هم قلة قليلة غير مؤثرة، على المستوى العام الاسرائيلي، وأنا أعلم أن كثيرين يختلفون معي في هذا التحليل، ومع ذلك فما زلت أعتقد أن موضوع المعتدلين الاسرائيليين هو خرافة كبرى، لأن الجميع في النهاية أوجه مختلفة لعملة واحدة.. شيمون بيريز - مثلا - هو صاحب مشروع تقسيم الشرق الأوسط الجديد وصاحب فكرة التعاون الاقتصادي.. وكما هو واضح فإن بيريز هو وزير خارجية شارون أي ليس هناك فصل بين هذا وذاك، كما أن باراك قيل عنه أنه سيأتي بمشروع بديل للتسوية، ولكن ماذا حدث؟ لقد قدم لنا تلك العروض الهزيلة عن السلام من وجهة نظرة قبل تركه لسدة الحكم في اسرائيل، ومع ذلك أنا لا أنكر أن هناك بين الشعب الاسرائيلي من يؤمن بالحق الفلسطيني أو من يقدمون صورا مقبولة للتسوية السلمية خاصة داخل الخط الأخضر. وهؤلاء لا يسمح لهم بالظهور حاليا، ولكن عندما تأتي الفرصة المناسبة سوف يعلو صوتهم، وسيظهرون على السطح أما الآن، فتأثيرهم محدود، وخاصة أنه اذا حدثت أي عملية استشهادية، ومات فيها اسرائيليون، واعتبر هؤلاء أن العملية فدائية ولأهداف مشروعة، فسوف يتهمون بالخيانة، لذلك فإن صمتهم الآن أفضل من اتهامهم بالخيانة، لأن دورهم سيأتي قريبا، وإن كنت لا أستبعد أن بعض العمليات الاستشهادية الأخيرة قام بها عرب اسرائيليون. ـ بعض المراقبين أعلنوا تخوفهم من احتمالات حدوث تصادم فلسطيني - فلسطيني في المرحلة المقبلة، هل لديك نفس التخوف؟ ـ لقد وقعت القيادات الفلسطينية في أخطاء كثيرة، بعضها كان جسيما، وقد انعكس ذلك على أنماط المقاومة، وعلى العلاقات مع الدول العربية المجاورة. ومع ذلك فأنا لا أستطيع أن أحملهم الخطأ الأكبر، لأنه في كل تجارب التحرير الوطني المماثلة، كان المحيط المجاور (يقصد دول الجوار) أكثر تعاونا وفائدة مما هو حادث مع الفلسطينيين ومثال على ذلك، ما حدث لثورة الجزائر التي كانت تعمل في ظل احتضان عربي كامل. ولكن في حالة فلسطين فقد حدث صراع بين المقاومة ودول الجوار وقد وصل هذا الصراع الى الصدام المسلح، كما حدث مع سوريا ولبنان والأردن، والاستثناء الوحيد في ذلك هو مصر، وبالاضافة لما سبق نجد أن المعاهدات الرسمية التي وقعتها بعض البلدان العربية مع اسرائيل قد مثلت قيدا على الدعم العسكري للمقاومة، ولذلك نجد أن الفلسطينيين يعملون في ظل ظروف صعبة للغاية. غياب عرفات وعروبة القضية ـ ماذا لو غاب عرفات عن مسرح الأحداث في الشرق الأوسط؟ - ما زال عرفات هو الشخصية الفلسطينية الوحيدة التي يمكن أن يجتمع عليها أكبر عدد من القيادات الفلسطينية وإذا تصورنا نظريا اختفاء عرفات من الساحة فسوف يكون من الصعب الاتفاق على بديل له، وعلينا ألا ننسى أن عرفات منتخب من الشعب الفلسطيني، وأنه جدد شرعية وجوده في كامب ديفيد برفضه العرض الأخير الذي أعلنه كلينتون وباراك . ولولا ذلك - في رأيي - لسقط عرفات الى الأبد، وذلك رغم الضغوط التي مورست عليه من جانب أمريكا وغيرها.. وهذا يعني أن عرفات يعلم جيدا أنه لا يستطيع تجاوز الخطوط الحمراء الخاصة بثوابت القضية الفلسطينية، والحق الفلسطيني في تحرير كامل ترابه الوطني. ـ هناك بعض الآراء تقول أنه لا أمل في حل القضية الفلسطينية وأصحاب هذا الرأي يدعون الى التخلي عنها، مبررين ذلك بأنها أخرت العرب عشرات السنين عن ركب التطور، فما رأيك؟ ـ القضية الفلسطينية عربية في الأساس، وليست فلسطينية خالصة، واذا كان البعض يدعي أنها خاصة بالفلسطينيين وحدهم، فقد ارتكب إثما وبهتانا عظيما، وإذا كان البعض يدافع عن فلسطين بسبب النزعة الدينية أو القومية، فليس ذلك عيبا على الاطلاق، ولكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو: هل للدول العربية جميعها مصلحة في الدفاع عن فلسطين؟ والاجابة تأتينا على الفور: نعم. لنا مصلحة، وليس هذا فقط.. بل لنا مصالح في الدفاع عن لبنان وسوريا. ويجب أن يعلم المواطن العربي أن اسرائيل قوة توسعية، وأنها كما توسعت في فلسطين، وكما أرادت أن تتوسع في سوريا ولبنان والأردن، فإنه من المنطقي أن تحاول التوسع في بلاد عربية أخرى لتحقق اسطورتها التاريخية - دولة أرض الميعاد - فمثلا ليس بعيدا أن تعيد محاولتها بالتوسع في سيناء، خاصة وأنها مهبط الرسالة اليهودية. ولذلك يجب أن تكون النوايا الاسرائيلية معروفة للجماهير العربية، وذلك من المنظور الاستراتيجي، حتى ولو كان موعد هذا المخطط بعد مئة عام. ومن ناحية أخرى.. لو أن الأمور دامت لاسرائيل - في حال تخلينا عن فلسطين - فإننا سنصبح أمام مخطط شرق أوسطي توسعي تقوده اسرائيل، وهذا المخطط مبني على أن تكون لاسرائيل الهيمنة العظمى سياسيا واقتصاديا.. وعلينا أن نضع في اعتبارنا أن لنا مصالح استراتيجية وسياسية واقتصادية عظمى، ولن نحققها إلا بالتكاتف العربي - العربي، ولذلك يجب علينا ألا نتخلى عن الشعب الفلسطيني في محنته التاريخية حتى يعود حقه في السيادة على كامل ترابه الوطني. الرضا الأمريكي ـ ماذا عن الدور الأمريكي في المنطقة.. وهل صحيح أن الادارة الأمريكية لم تعد تهتم بما يجري في الشرق الأوسط؟ - للأسف ما زال للولايات المتحدة دور فعال في المنطقة، ولكنه دور في غير صالح العرب، فمن يسلح اسرائيل غيرها؟! ومن يقول أنها لم تعد تهتم هو مخطئ.. فهي تريد أن يبقى الحال على ما هو عليه، تريد استمرار البطش الاسرائيلي بالفلسطينيين.. وحتى مطلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني رفضته باستخدام حق الفيتو، رغم أنه قيل لهم من فضلكم قفوا بيننا وبين الاسرائيليين اذا كنتم حريصين على وقف العنف وكان الرد بالرفض. إن أمريكا راضية عما تفعله اسرائيل، وأنا شخصيا ضد زيادة الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط، لأن هذا الاهتمام وزيادته يأتي لمصلحة اسرائيل على حساب العرب جميعا.