الملف السياسي: يعتقد الكثير من السياسيين والمراقبين في العالم العربي، ان هذا هو وقت الرضوخ لامريكا والاستجابة لضغوطها والا فإن العاقبة هي التعرض لغضبها وعقوباتها! ما رأي هؤلاء اذا قلنا لهم ان الوقت الحاضر هو انسب وقت لممارسة الضغوط على امريكا، والزامها بالاستجابة لمطالب العالم العربي المختلفة. فالادارة الامريكية الان هي في اضعف حالاتها، والمستقبل امامها غير منظور، وحتى الرؤية القريبة فهي متعذرة، والاوراق مختلطة، والضغوط الداخلية تتوالى على الادارة الامريكية من اتجاهات شتى، ولا يتأنى اصحاب تلك الضغوط في طرح مطالبهم ولا يتوانون عن التشديد عليها، منتهزين حالة البلبلة التي تعانيها الادارة الامريكية حالياً، واستعدادها بالتالي لتخليص نفسها من تلك الضغوط بالاستجابة لمطالب اصحابها على الفور. هذه اشياء تسهل ملاحظتها من واقع تصرفات الادارة الامريكية مع اجنحة المصالح المتشابكة، ولا يبقى على العرب سوى الايمان بها والايمان بأنفسهم، وان بامكانهم ممارستها والتصرف وفقا لها، بدون استعداد للتنازل. والان وقد تأكد ان مبادرة ولي العهد السعودي الامير عبدالله بن عبدالعزيز ستطرح على اجتماع القمة العربية المقبلة، فإن الاجماع التصميمي عليها ينبغي ان يكون هو طابع التداول، وان يمتنع اي طرف عربي عن تقديم اي بديل اخر، فالغيرة السياسية ليست نزعة مشروعة في سياق امثال تلك التداولات، لاسيما وان المبادرة لن تكون سعودية عقب اجازتها، وانما عربية، تمثل 22 قطراً عربياً، وذلك ثقل هائل كفيل بأن يجعل منها مفتاح الحل الآني الوحيد لمأزق نزاع الشرق الاوسط. لقد عملت الادارة الامريكية خلال الاسابيع الماضية على تجاهل المبادرة، حذراً من ان تثير على نفسها عقبة اللوبي الصهيوني في واشنطن وبنفس القدر فإن الادارة الامريكية لن تعط انتباهاً كافياً لموضوع المبادرة، مالم تحذر غضبة عربية فتتوازن بذلك في نظرها الى هذا الامر المهم، وفي زيارة نائب الرئيس الامريكي للعواصم العربية في هذا الوقت بالذات هدف مضمر مؤداه تخذيل العرب من الاهتمام بمبادرة الامير عبدالله وشلهم نفسياً، بطرح موضوع آخر عليهم، هو موضوع الهجوم الامريكي المقترح على العراق، وهو موضوع يأمل الامريكيون ان يضعوا به العرب في موضع الدفاع عن انفسهم من هجمة مجددة، ولا يسمح لهم بشغل الامريكيين بأي ضغوط في موضوع انسحاب اسرائيل من كل الاراضي العربية المحتلة بما فيها القدس كما تفترض مبادرة ولي العهد السعودي. الدبلوماسية السرية لا العلنية يريد الامريكيون عوناً من جانب العالم العربي ضد العراق، ولا يريدون ان يقدموا في مقابل ذلك اي عون للعالم العربي في صراعه ضد اسرائيل. ليس منطق القوة وحده هو الذي يجعل الادارة الامريكية تتصرف بهذا الشكل، وانما هو منطق العلوم السياسية الذي يصوغ على ضوئه مستشارو السياسة الامريكية خطوط التحرك، منطق الاختيار العقلاني، وتحقيق اقصى الارباح بأقل التكاليف، واستخدام اجراءات الدبلوماسية السرية، والانفراد بالآخرين واحداً تلو الاخر، وابتزازهم حتى اخر حد، فالدبلوماسية العلنية تكاد السياسة الامريكية ان تقضي عليها تماماً، او ان تفرغها من كل مضامينها الايجابية، فالدبلوماسية العلنية تتيح المجال لعرض جميع الآراء، وتمارس فيها الاجراءات الديمقراطية، وتدار بطريقة متمدنة، ومهذبة لا تسمح بتمرير منطق الاملاء والالزام الذي تجيد واشنطن استخدامه. ولو استطاعت الولايات المتحدة لقضت على مؤتمر القمة العربية المقبل، باعتباره صورة من صور الدبلوماسية العلنية، التي بامكانها ان تبلور اجندة تختلف عن اجندة واشنطن، واذا تمكنت القمة العربية المقبلة من اصدار قرار جريء ذكي يؤكد ان موضوع العراق لا علاقة له بحملة واشنطن العالمية، على الارهاب، فانها تستطيع بذلك ان تمارس ضغطاً مضاداً قوياً على واشنطن، تربك به تحركاتها، وتخلط خططها الى اخر حد. وبالفعل فإن موضوع العراق هو اخر ما يمكن ان يخلط بموضوع افغانستان، والقاعدة، وابن لادن، وطالبان، فهذه الاشياء بهويتها الاسلامية المتنطعة، هي ابعد ما تكون عن الانحلال الايديولوجي العلماني الطاغي على النظام العراقي، ان امريكا تدرك ذلك جيداً، ولكنها تستغل الناس، عندما تتغافل عمداً عن تلك الحقيقة، وهي بسبيل انجاز اهدافها بتلك الذرائعية الفائقة.. واذا ما اتيح للعالم العربي ان يرسل تلك الاشارة القوية الى واشنطن، مؤكداً لها عن تقديره بانعدام الرابط ما بين الملفين المطروحين، فإنه يكون قد اكد لواشنطن وللجميع على صحوته، وانتباهته للقضايا السياسية في اصولها وجذورها وعلى قدرته على المحاججة وممارسة الضغط بمنطق رزين محترم من قبل الاخرين. ستراقب الادارة الامريكية ومن ورائها الاسرائيلية عن كثب مداولات مؤتمر القمة العربية، ولاشك ان خبراءهما قد بدأوا من وقت اعلان الامير عبدالله مبادرته في التفكير في عدة وسائل ناجعة من اجل اجهاض تلك المبادرة وتفريغها من مضمونها بحيث تلقى هي الاخرى مصير قرار مجلس الامن 242، الشهير بعدم تنفيذه، وبغموضه حالة اي احتمال لوضعه موضع التنفيذ. سيحاول هؤلاء تمييع شروط المبادرة بحيث تصبح العبارة الموجبة للانسحاب الاسرائيلي غامضة ايضاً، وتتحدث بلفظ «اراضٍ» لا «الاراضي» وحينها ستفقد المبادرة اي معنى فيها، وستصبح افضل قليلاً فقط من مبادرة اوسلو التي كانت احدى نتاجات الدبلوماسية السرية الشريرة التي يخطط علماء السياسة الاسرائيليون من اجل اعتمادها وسيلة وحيدة لكل النزاعات العالمية. ثمار الضغط المتواصل سيضغط الامير عبدالله ولا شك كي تصاغ مبادرته عقب الموافقة العربية الاجماعية عليها في عبارات ناصعة قاطعة لا تحتمل التفسيرات المتفاوتة او المتضاربة، وسيوالي ضغوطه على كافة الاصعدة ضد الامريكيين والاسرائيليين. وفي هذا السبيل فانه لم يتوان عن ان يرسل تحذيره مباشرة الى الشعب الاسرائيلي، لكي يفتح عيونه جيداً قبل وقوع الكارثة بسبب سياسات رئيس وزرائه شارون الذي لم يتردد ولي العهد السعودي في ان يقرنه بنيرون الذي احرق روما وجلس يتغنى على انقاضها، وهو تصريح بثته وكالات الانباء للعالم اجمع ليسمع العالم ان هناك من يستطيع ان ينتقد بجرأة فائقة تعديات وتحرشات وحماقات الاسرائيليين. حتى الان فإن معظم الدول العربية قد اعلنت قبولها للمبادرة السعودية. ولذلك فقد قرر الامير عبدالله ان يطرح مبادرته على لقاء القمة العربية سواء حضر الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ام لم يتمكن من الحضور، فمنع ابي عمار من الحضور قد يكون عنصراً في خطط افشال او اجهاض المبادرة السعودية، ولذلك فهو عنصر ينبغي تجاوزه، لاسيما ان عرفات اعلن رسمياً قبوله بمبادئ وتفاصيل المبادرة، بقي على الدول العربية المترددة ان تحسم امرها في شأن المبادرة السعودية، او ان تبدي اعتراضات جدية عملية، غير ذات صلة بسياق الاعتراضات الليبية «الفكاهية» فأي اقتراحات تطويرية جدية يمكنها تحقيق الضغط العربي «المشروع» على الادارة الامريكية على الا تكون مجرد مزايدة من نوع المزايدات اللاعقلانية القديمة، او اتجاهاً للتنشيط وافساد المبادرة تحقيقاً نيابياً لرغبة اصحاب الشأن من الاسرائيليين. والناظر الى الافق يكاد يرى امارات الاستجابة الامريكية لمشروع الضغط العربي ممثلاً في مبادرة الامير عبدالله حيث اضطر نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني في خلال زيارته الحالية لاقطار الشرق الاوسط الى القول ان مبادرة الامير عبدالله اعطت بعض الدفع لمبادرات السلام في الاقليم، وهو تصريح متحفظ ولكن حتى مثل هذا التصريح لم يكن ليتجرأ على اطلاقه من قبل، والملمح الثاني في امارات الاستجابة الامريكية لمشروع الضغط العربي يتمثل في محاولة الادارة الامريكية لاسترضاء الامير السعودي القائم على امر المبادرة، وذلك ببذل دعوة اخرى له لزيارة واشنطن في ابريل المقبل، وهي دعوة قبلها الامير السعودي بعد ان كان قد طوح بدعوة اخرى اعلى منها مقاماً من حيث البروتوكولات، قدمها له الرئيس الامريكي بوش في يونيو الماضي، احتجاجاً من الامير السعودي على التحيز الامريكي الفاضح لصالح اسرائيل. استكمال الجهود ليس من المنظور ان تؤتى ممارسة الضغط على امريكا ثمارها كلها، ولا من ان يأتي ما يأتي من الثمار في القريب العاجل. ان اللوبي الصهيوني لم يحصد ما زرع على استعجال وما القى هؤلاء بذورهم دون ان يتعهدوها بالسقيا والرعاية والتشذيب، لقد تولى تلك المهمة عن سياسي اسرائيلي لوبي (ايباك) الضارب وكتل الاكاديميين اليهود الذين لا تخلو منهم جامعة امريكية، ورجال المال والصناعة والصحفيين وسواهم من الفعاليات اليهودية بأمريكا، ان للعرب في امريكا كتلاً وفعاليات اضخم واقيم واهم، ولكنها كتل وفعاليات مهملة تشكو التهميش، وتتجافاها حكوماتها، وقد آن التراضي الواقعي بين الطرفين فلا جدوى للحكومات من ان تنبذ خلاصات صفوتها الفاعلة، ولا جدوى ذات شأن يمكن ان تتمخض عنها جهود تلك الصفوة المغتربة مالم تنسق مع حكوماتها وتنل منها التعضيد الكامل، واذا استحال التوفيق بين المثقفين وحكوماتهم فيمكن ان يتم ذلك من خلال الجامعة العربية على ان ترتقي هذه الاخيرة لمستوى مقبول من الفاعلية والجدية. اذا تم ذلك، فبالامكان القول ان العرب قد اصبحوا يسلكون سبيلاً صحيحاً من سبل العلاقات الدولية، وانهم حازوا بعض المهارات اللازمة للعبة الامم التي برعت فيها امريكا واسرائيل، تلك هي المحاذير التي تخشاها امريكا واسرائيل ولذا فهما تضعان الف حساب لمؤتمرات القمة العربية، لا من اجل قوتها ولا فاعليتها، ولكن من اجل ان تظل على ضعفها ولا فاعليتها على الدوام! ـ استاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة