الملف السياسي: القمم العربية التي عقدت سابقاً حملت في جميع قراراتها القضية الفلسطينية كمحرك رئيسي لها رغم ما كان يحصل بها من خلافات كادت احياناً ان تؤدي الى كوارث بين الدول العربية، ولعل القمتين الاخيرتين في القاهرة وعمان تميزتا بالطابع الفلسطيني فالأولى كانت رداً على حركة الشارع العربي الذي انطلق من المحيط الى الخليج مؤيداً انتفاضة الاقصى ومطالباً الحكومات العربية بدعم الانتفاضة دعماً حقيقياً وكانت الاستجابة سريعة نسبياً اذا ما نظرنا الى الاحداث الكبيرة التي سادت سابقاً والخاصة تحديداً بالشأن الفلسطيني، وتابعت قمة عمان العادية الأولى مشوار قمة القاهرة حتى في قراراتها الخجولة الخاصة بدعم الانتفاضة والعمل العربي المشترك الذي بقي الى هذه اللحظة مجرد آمال وتطلعات وقرارات لعلها تنفيس آخر لدعوات مشروع المواجهة والامن العربي. وبشكل عام المشروع النهضوي العربي الذي بدأ يتكئ على محددات صارت اليوم اكثر الحاحاً من فترة نهوضه التي شهدتها بداية التسعينيات، وامام الصورة الحالية التي يعيشها الوطن العربي والتهديد الشاروني الذي لا يوجه ضد الفلسطينيين وحدهم بل ضد العرب من محيطهم الى خليجهم تأتي قمة بيروت حاملة في اولويات اجندتها مشروع المواجهة العربية للكيان الصهيوني وما يمكن ان تفرزه هذه المواجهة من تحديات تواجه العرب. امام القادة العرب في قمة بيروت ملفات متنوعة جميعها تصب في ملف التحدي الذي تقوم به الحكومة الاسرائيلية وعلى مستوى لم تشهد له المنطقة مثيلاً خاصة مع الاستمرارالزمني الذي تعيشه الحالة الفلسطينية ففي التوترات والحروب السابقة كانت اسرائيل تعتمد على اللحظات الخاطفة ولكن الانتفاضة فرضت عليها مسألة لم تكن اسرائيل ذاتها تتوقعها وهي الفترة الزمنية الطويلة التي امتدت بها حركة المقاومة الفلسطينية امام وعد شارون لناخبيه في الكيان الصهيوني بانهاء الانتفاضة بعد مئة يوم من تسلمه السلطة ورغم الجرائم التي يرتكبها بشكل يومي فإن الانتفاضة الفلسطينية استطاعت ان تبرهن على قدرتها في تحدي آلة الحرب الصهيونية المتطورة وجاءت الاحداث العالمية الطارئة لتضع المنطقة بشكل عام والعرب بشكل خاص امام نمط جديد من التحدي الذي فرضته عليهم اسرائيل والولايات المتحدة وصار لزاماً على العرب ان يكونوا على مستوى هذا التحدي، لذلك يبدو ان القمة المقبلة ستكون اما قمة البداية بجانبها الايجابي او قمة العودة الى الصراع العربي العربي والذي رغم كل التطمينات من الممكن ان يتفجر في اية لحظة وان كانت اجواؤه غير مهيأة الآن امام ما نشهده من شبه اتفاق يرتسم على الخارطة السياسية العربية. ان القضية الفلسطينية ستأخذ بالتأكيد الحيز الاكبر في قمة بيروت المقبلة وهذا ما اتضح من خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في مجلس الجامعة الذي جاء في بيانه الختامي التأكيد على مواصلة التحرك السياسي العربي في الأمم المتحدة لوقف العدوان الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني وقيادته وتوفير الحماية له، كما ركز البيان على اعادة الدور الفاعل في عملية السلام الى كل من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي، وجاء تعبير العرب عن رفضهم لمحاولة نقل السفارة الامريكية الى القدس وتأكيد الالتزام بقرار القمة الذي يؤكد على قطع العلاقات مع أية دولة تعترف بالقدس عاصمة لاسرائيل أو تنقل سفارتها اليها ليوضح ان الأفكار السعودية التي قدمها الأمير عبدالله لم تتجاهل على الاطلاق القدس باعتبارها عاصمة لدولة فلسطين المقبلة. ولعل تأكيد وزراء الخارجية العرب الذين ألمحوا الى ان قمة بيروت المقبلة ستكون الفرصة الأخيرة لاسرائيل يعتبر تأكيدا على ان القمة بانتظار قرارات حاسمة كصورة أولية تحدد هذه المرة نمطاً جديداً من التعامل مع الكيان الصهيوني الذي بات لا يقيم وزنا لأية شرعية دولية أو قرار عالمي أو اتفاق وقع عليه بنفسه مما يعني ان قرارات القمة المقبلة ستكون حالة فصل حقيقي بين ما هو قائم أو ما هو متوقع وهذه الحالة بالتأكيد تشير بشكل ما الى ان مبادرة الأمير عبدالله ستشغل الحيز الأكبر من نقاشات القادة العرب حيث من المتوقع ان يكون هناك قرار واضح بهذا الشأن يعطي اسرائيل ايضا فرصة أخيرة لتقبل أية مبادرة خاصة بالصراع العربي الصهيوني، وما دام شارون وحكومته قد اتخذوا قرارهم من خلال مجلس الوزراء الاسرائيلي برفض المبادرة فإن القادة العرب لابد من ان يجدوا خط مواجهة جديد نوه اليه الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى حين أكد ان هناك اجراءات اخرى لحماية الأمن القومي العربي إذا ما رفضت تل أبيب التعاون مع مبادرات التسوية العربية المنتظر صدورها في القمة. والواقع ان الأمن العربي يدخل اليوم في اشكالية تحدٍ مختلفة نوعا ما عن الاشكاليات السابقة، فمع وجود العدو التقليدي للوطن العربي وهو اسرائيل الا ان أحداث 11 سبتمبر وما أفرزته من قضايا كان يجب على العرب ان يكونوا بمنأى عنها إلا ان الاصرار الاسرائيلي على ادخال العرب في هذا الصراع جعل الادارة الامريكية تستجيب للوبي الصهيوني الذي يسيطر بشكل واضح على الرئيس الامريكي جورج بوش فدخلت بذلك قضية العراق التي ترى اسرائيل في ضربها حفاظا على وهمها الأمني، وبالمقابل فإن الواقع الأمني العربي هو بأشد الحاجة لكي نحمي خطوطه ونحافظ عليه من أشد وأكبر قوة نووية في المنطقة تمثلها اسرائيل التي لا تعرف على الاطلاق مفهوم السلام أو محدداته والذي يجري على الأراضي الفلسطينية يمثل الصورة الأبشع لهذا الكيان التي يمكن ان تمتد الى الوطن العربي علما ان اسرائيل قد تجاوزت عمليا ونظريا كل الاتفاقات التي وقعها معها العرب من اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية الى اتفاقية اوسلو ووادي عربة. من الأمن الى الاقتصاد بالتأكيد ان الأمن العربي يرتبط بالاقتصاد العربي ومادامت اسرائيل قد بدأت بمقدماتها العلنية عن رفض المبادرة السعودية، فالعرب اليوم يطالبون قمة بيروت بالحلم الذي طالما راودهم وهذا الحلم لم يكن فقط ارضاء للآمال العربية بل هو في حقيقته يقدم نمطا دفاعيا أمنيا للوطن العربي ويكون ردا حقيقيا على رفض اسرائيل أية مبادرات عربية كانت او غير ذلك، ولنتذكر ان الامير عبدالله قبل ان يطرح مبادرة السلام قد قدم في خطابه بقمة مسقط الخليجية الاخيرة مشروعا رادعا ليس لاسرائيل وحدها بل لكل التحديات التي تحيط بالعرب حينما طالب بالواقعية مع الذات ومراجعتها والتحرك لتوحيد الصف العربي والدعوة الى اقامة سوق اقتصادية عربية مشتركة ومجلس دفاع عربي مشترك والواقع ان هذا المشروع لن يقف فقط في وجه اسرائيل بل سيضع الولايات المتحدة ايضا في الزاوية الحرجة التي ستنظر من خلالها الى الدعم اللامحدود الذي تقدمه لاسرائيل. ان المشكلة التي تمر اليوم على الفهم العربي بشكل عام انه يسوق للمبادرات المقنعة عالميا اكثر من المبادرات المقنعة عربيا فهل يعترض احد من العرب على مشروع السوق العربية المشتركة او الدفاع العربي المشترك؟ اذا كان الجواب بالنفي فلماذا لا نعتبر هذه المبادرة عنوانا لمرحلة ونحن امام كل هذه التحديات ولعل الحالة المؤسفة بالنسبة للدفاع العربي المشترك ان الضياع الاستراتيجي العربي لا يؤثر فقط على دولة بذاتها بل على مفهوم الأمن القومي العربي من محيطه الى خليجه مما يجعل التهديد الاسرائيلي بشكل خاص يتوجه متحديا العرب اينما كانوا وفي اي موقع حلّوا وبالتأكيد فان الاتفاق العسكري العربي الذي تجاوز الحدود المعقولة سيقابله ضعف في الجانب الاقتصادي الذي بدوره لا يبشر بواقعه الحالي بأدنى درجات الخير فالناتج القومي العربي العام مع النفط لا يتجاوز 700 مليار دولار سنويا والكل يعرف مستوى الانفاق العسكري الذي يستهلك الكثير من هذا الناتج الضعيف وللمقارنة فان هذا الرقم يعادل الناتج الاجمالي لخمسة عشر مليون نسمة يعيشون في بلجيكا الصغيرة او كما ذكرت بعض التقارير الحديثة فانه يعادل ناتج شركة ميتسوبيشي اليابانية؟ ان هذا الواقع الذي يتعامل مع الاقتصادات العالمية والتكتلات الكبرى يجعلنا نشعر رغم معرفتنا بقوة الاقتصاد الحقيقية العربية مجتمعة ان العرب يكبحون في عملياتهم الاقتصادية سرعة السلحفاة وليس ضعف الادارات الاقتصادية هو العائق الرئيسي بل التشرذم الاقتصادي العربي هو الذي يكبل حركة النمو العام واذا كان ربط الاقتصاد عالميا بالقدرة العسكرية فانه بلا شك يرتبط بقوة الحراك السياسي الذي تعيشه اية مجموعة من البشر مما يعني ان تحدي القمة المقبلة يسير على خطين متوازيين يؤديان بالنتجية الى هدف واحد واقصد بالخطين الجانب الاقتصادي والامني بوصفهما حاملين رئيسيين لاي مشروع سياسي يمكن ان يحمل فاعلية وتأثيرا ليس على اسرائيل وحدها بل على العالم بأسره. وانطلاقا من واقع العمل على المشروع الاقتصادي والامني العربي المشترك فان النظرة السياسية التي يمكن ان تناقشها القمة ستكون ضمن ارتباط جدلي يجعل من نمطية القرار السياسي المرتبط بحالاته العامة قرارا ذا ابعاد استراتيجية لايقتضي بالضرورة التحدي الفوقي كشكل انعكاسي عما تمارسه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بل هو طريق مشروع لاثبات الذات العربية التي ما زالت تطمحح في وجودها المستقل، وهو بطبيعة الحال وقوف امام التحديات الكبرى التي تفرضها الولايات المتحدة على العرب حينما تعلن عن نيتها بضرب هذا البلد او بوصفها لذلك التنظيم بالإرهاب أو حتى تهديدها باستخدام السلاح النووي من القاعدة المعروفة إسرائيل، وهذه الإشكالية مع الأسف ما زلنا نعيشها بإحساس داخلي محاولين أن نجد مبررات منطقية لها بل لعلها بالفترة الأخيرة انتقلت بالعدوى الى الشارع الذي بدأ يطلق خوفه الذاتي على كيانه ويصدقه والذي انتقل من دعمه الوجداني كحد أدنى للانتفاضة بوصفها تمثل الصمود العربي الى دعم اشبه ما يكون بالشفقة مما أثر على طبيعة حراك الشارع العربي الداعم الذي يطلبه المنتفض الفلسطيني المحاصر بأحدث الاسلحة الأمريكية وبأيد دموية تاريخها لا يكتب فيه سوى عدد المجازر وأرقام الضحايا. بشكل مبدئي القمة مطالبة الآن بالوضوح أكثر من عصا الساحر التي ستجعل كحد أدنى الاقتصاد العربي موحداً أو القوة العربية متكاملة وهذا المطلب يرتبط ارتباطاً وثيقاً بدعم الانتفاضة في ظل أية ظروف أو قرارات سياسية تفاوضية. وهذه المرة لن يكون قرار الدعم إلا قرار وجود عربي، فالأمن العربي مهدد قبل استشهاد المواطن الفلسطيني والعرب اليوم محاصرون بالسياسة الشارونية من جهة وسياسة الإدارة الأمريكية من جهة أخرى، فهل ستكون القمة العربية المقبلة في بيروت عنواناً للتحدي المقبل؟! ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق